آخر الأخبار
الرئيسية » تحت المجهر » د. جورج جبور في حوار لمناسبة الذكرى المئوية لوعد بلفور: نقض الوعد كفيل بنقض صك الانتداب وكل ما ترتب عنه فوق أرض فلسطين

د. جورج جبور في حوار لمناسبة الذكرى المئوية لوعد بلفور: نقض الوعد كفيل بنقض صك الانتداب وكل ما ترتب عنه فوق أرض فلسطين

09 / 10 / 2017

عمر المقداد

في الثاني من تشرين الثاني المقبل، تصادف الذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم. وفي إطار رصد هذه المئوية وتسليط الضوء على الوعد وتداعياته، التقت “البعث” د. جورج جبور الباحث الذي أمضى سنوات طويلة في مطاردة الوعد المشؤوم، وألف عدداً من الكتب المتصلة به، ونشر المقالات والأبحاث المطولة حوله، وأرشف آلاف الوثائق والكتب من كل اللغات، إضافة إلى عدد من الرسائل القانونية التي خاطب بها المؤسسات والمؤتمرات العربية والدولية بهذا الشأن.
في مكتبه في حي المزة بدمشق، كان هذا الحوار. كانت أول ورقة ناولني إياها نسخة عن رسالة عمرها بضعة أيام، وموقعة منه وعدد من المدافعين عن القضية الفلسطينية، إلى المؤتمرات الثلاثة للأحزاب العربية للمبادرة والعمل مع الأمم المتحدة من أجل اعتماد يوم ذكرى وعد بلفور يوماً عالمياً لمناهضة الاستيطان.
والواقع أن تزامن إجراء هذا الحوار مع انعقاد دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة دفعني للسؤال عن دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وما جدوى مخاطبة المنظمة والمجلس، وهما بالأساس مغيبان عن القضية.. هذا إن لم يكونا طرفاً فيها!
“مع قناعتي بعدم قدرة الأمم المتحدة ومجلس الأمن على القيام بأي دور ينقض الوعد، ويعيد الحق لأصحابه الشرعيين، إلا أننا يجب أن لا نتوقف عن فعل أي جهد على هذا الصعيد”، أجاب د. جبور، مضيفاً: “أذكر أنه مع تعيين أمين عام جديد للأمم المتحدة، البرتغالي أنطونيو غوتيريس، أرسلت رسالة له بهذا الخصوص تحت عنوان “أتقن علم فلسطين”، وقلت له: إن كنت تريد النجاح في عملك، نصيحتي هي أن أولى مهامك أن تقرأ نص وعد بلفور بكلماته القليلة، وسوف تدرك أن ظلماً وقع بالشعب الفلسطيني، إذ كيف يمكن أن يؤسس وطن قومي لليهود في فلسطين من دون تهجير من يسكن في ذلك الوطن؟ ثم كيف يمكن أن يوصف أتباع ديانة معينة بأنهم شعب له حقوق سياسية بوطن”.
لفت د. جبور انتباه غوتيريس إلى ضرورة أن يتقن علْم فلسطين إن أراد أن ينجح، و”حين تفعل ذلك، ستجد أن من واجبك الشخصي، السعي لكي تقدم المنظمة التي تتولى أمانتها العامة الاعتذار للشعب الفلسطيني عما فعل وعد بلفور بعهد عصبة الأمم، وبالقانون الدولي، وعما فعلته الأمم المتحدة من متابعة السير على الخطا الظالمة التي خطتها العصبة”، ويختم “سيكون لاعتذار الأمم المتحدة أثره في حل معضلة أعتى استعمار استيطاني عرفه العالم” و”المخزي أن من قام بهذا الاستعمار ليس سيسيل رودس، الذي تقتلع تماثيله من جامعات أنشأها، بل عصبة الأمم المتحدة ووريثتها القانونية الأمم المتحدة”.
من أين أتت فكرة الاعتذار، وما النتائج التي يمكن أن تترتب عنه؟
يعود الاهتمام بفكرة الاعتذار إلى سنوات بعيدة جداً، فهي وسيلة من وسائل السياسة الدولية الهادفة الى تخفيف التوتر في العالم، والتي يمكن على أساسها حل الازمات. وقد ترسحت فكرة الاعتذار من خلال مؤتمر “دوربان” في جنوب إفريقيا لمناهضة العنصرية (أيلول 2001)، حين طالب الأفارقة المستعمر الأوروبي والأمريكي بالاعتذار عن الاسترقاق، لكنهم لم يفلحوا. وكانت المفاجأة بعد أشهر مع إعلان بلجيكا تقديم اعتذار علني، في أيار 2002، جراء قسوتها على الكونغوليين في سنوات سابقة. والحقيقة، فإن إصرار الوفود الإفريقية، واضطرار بلجيكا للاعتذار، قد أثار إعجاب الكثيرين، وبدأت من جانبي الاشتغال على جعله أحد بنود أي لقاء أحضره.
في 2 تشرين الثاني 2002، نشرت في جريدة البعث رسالة مفتوحة الى رئيس وزراء المملكة المتحدة أطالبه فيها بالاقتداء بما فعلته بلجيكا إزاء الكونغو، أي أن تقدم الحكومة البريطانية اعتذاراً للفلسطينيين عما حل بهم نتيجة الوعد. في 16 تشرين الثاني 2002، صدر تصريح عن جاك سترو، وزير خارجية بريطانيا آنذاك، وفيه تلميح طفيف إلى المآسي التي تسبب بها هذا الوعدـ وفي 23 نيسان من ذلك العام، جرى اعتبار هذا التصريح على أنه “اعتذار” بريطاني ضمني عن الوعد، حين قال سترو في بيان رسمي: “إن هذا الوعد ناقص، لأنه لم يشر الى الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني”.
المفاجأة أن الدول العربية لم تستثمر التصريح، ولم يتحرك أي منها. ومع مرور الوقت، تناسى الجميع تصريح سترو، دون أن نستفيد منه قانونياً وإنسانياً على صعيد القضية الفلسطينية.
ويوضح د. جبور: إن الاهتمام بإحياء الذكرى المئوية لوعد بلفور أخذ غالبية وقتي منذ ذلك الحين، وقمت، عام 2005، مع مجموعة من المهتمين بتأسيس الرابطة السورية للأمم المتحدة التي صوبت عملها على الوعد وما يتصل به بالدرجة الأولى.
مع ذلك، تابعت محاولاتي. وتحول ذلك، منذ العام 2006، إلى حملة ممنهجة قادت الى تحريك الاهتمام بالمئوية. وأذكر أنه، عام 2006، تم نقل فكرة الاعتذار إلى صيغة شبه مؤسساتية في اجتماع الهيئة العامة لمؤتمر الاتجاهات القومية والإسلامية المعروف باسم “المؤتمر القومي الإسلامي”، حيث جرى الحديث عن ضرورة إقامة فعاليات لمناسبة العقد العاشر على صدور الوعد، وأعني السنوات من 2007 إلى 2017. وقد تجاوب المؤتمر، ودعا في نص واضح من توصياته إلى “وضع برنامج عمل يستمر عشرة أعوام (2007/ 2017) للاهتمام بنقض وعد بلفور قانونياً وانسانياً، على أن يهدف البرنامج إلى نقض الأسس الفكرية والدينية والسياسية التي على أساسها صدر الوعد”.
يتابع الدكتور جبور: لم نستطع أن ندفع الحكومة البريطانية إلى تقديم أي اعتذار، ولايزال الوعد والاحتلال الصهيوني لفلسطين وتبعاتهما حدثاً يومياً يدمي قلب فلسطين، ولايزال الوعد والاحتلال بندين على جدول أعمال دعاة حقوق الإنسان وكل مهتم بالسلم العالمي.
طالما أن الدول العربية لم تستفد من رسالة سترو.. ما جدوى رسالة بهذا المضمون إلى القمة العربية، وفي أكثر من دورة انعقاد لها؟
إن مجرد إرسال رسالة أمر مفيد، حتى لو لم ينتج عنه شيء، وقد يحرج بعض القادة، وقد يكشف هزالة النظام السياسي العربي تجاه قضيته المركزية، وقد يسمع بها الرأي العام، ويسأل عما فعله القادة بشأنها”.
آخر رسالة بعثت بها كانت إلى القمة التي انعقدت في الأردن (2017)، وقلت: “أخاطبكم.. في شأن حان قطافه، وعمره قرن من الزمان، وأعلم أنه ليس من السهل تقديم رأي في شأن سياسي يتطور يومياً، وقد تتحول خطة استراتيجية لدولة ما الى موقف تكتيكي، وقد ينتصر التكتيك على الاستراتيجية”.
وتضيف الرسالة: “إن الاهتمام بالقضية الفلسطينية هو في تصاعد مستمر، من الأقصى إلى قرار مجلس الأمن 2334 وقرار اليونيسكو، لدرجة أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نصح اسرائيل بالاعتدال في الاستيطان، وأن حقوق الشعب الفلسطيني أصبحت اليوم القضية الأولى للإنسانية بعد أن كان صك الانتداب حرم الشعب الفلسطيني من حقوقه السياسية”.
“في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة 2016، كانت إثارة موضوع وعد بلفور عاملاً مساعداً في بلورة الانتصارات السياسية”، وكانت “أمام قمة عمان فرصة نادرة لمخاطبة الأمم المتحدة لكي تناقش تلك الاسطر القليلة التي خطها قلم أصولي ديني، فكان من نتائجها ليس فقط إهدار حقوق شعب فلسطين، بل ايقاف مسيرة تطور المنطقة باتجاه روح العصر وثقافة التنوير، وتستطيع (القمة) أيضاً أن تعلن بنفسها أن الوعد، وعلى الرغم ما أنتجه من حقائق على الأرض، هو باطل بمقتضى القانون الدولي وشرعة حقوق الانسان، وتستطيع أن تنقل قناعتها تلك إلى الأمم المتحدة”.
هل أنت متفائل بنجاح اقتراحك الداعي إلى اعتبار الثاني من تشرين الثاني يوماً عالمياً لمناهضة الاستيطان على اراض الغير؟
إن ازدياد عجز الأمم المتحدة عن تنفيذ قراراتها هو أمر خطير، وقد نواجه صعوبة في مجلس الأمن، إلا أن الأمر أسهل في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ وباستطاعة الدول العربية الإسلامية وكل الدول التي تدعم القضية الفلسطينية أن تجعل الاعتذار عن وعد بلفور بنداً على جدول أعمال الجمعية، وأن تطرحه على صسغة مشروع قرار، وأن تحوله إلى قرار عبر تصويت الغالبية العظيمى من دول العالم على تبنيه. وهناك تجارب مفيدة في هذا المجال، منها تجربة اعتبار 21 آذار من كل عام يوماً عالمياً لمناهضة التمييز العنصري، وهو يوم مذيحة “شاربفيل في دولة جنوب إفريقيا. ونستطيع بدورنا أن نستثمر يوم مذبحة كفر قاسم التي جرت عام 1956، أو يوم الأرض في 30 آذار من كل عام، أو أي حدث فلسطيني آخر.
.. ولكن هذا يستوجب القيام بحملة واسعة، على مختلف المستويات السياسية والإعلامية والقانونية، وعلى المستوى الأهلي الضاغط في كل دول العالم.
ألا ترى أنك تتحدث عن الوعد وكأنه الأساس الوحيد الذي قام عليه الكيان الصهيوني، ماذا عن مواقف الدول والمصالح والانقسامات العالمية وصراع الأيديولوجيات؟
نعم توجد عوامل عدة، لكن إن استطعنا نقض الوعد فيمكن نقض ما ترتب عليه. وباعتقادي فإن الاستناد إلى وعد بلفور هو أهم تكتيك يتبناه الكيان الصهيوني في خططه على المستوى السياسي، والذي يترافق بذرائع لاهوتية على المستوى الدينية، وهكذا دواليك.. إن أهمية نقض الوعد تبنع من كونه بات جزءاً من صك الانتداب الذي جرى فرضه على فلسطين. وبالتالي، فإن نقض الوعد، ينسحب على نقض الانتداب وتداعياته.

(سيرياهوم نيوز-البعث)-/5/
Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تصعيد ترامب ضد إيران.. الدوافع والأسباب والمآل

  15-10-2017 عبد الحليم سعود لم يأت الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابه التصعيدي الأخير بجديد ولم يفاجئ أحداً، فالمواقف العدائية الترامبية ضد الجمهورية الإسلامية ...