آخر الأخبار
الرئيسية » عربي و دولي »  ليصبح لفرنسا وزنا و مكانة , عليها التحرر من قيود الحلف الاطلسي وانتهاج سياسة صحيحة تجاه سورية

 ليصبح لفرنسا وزنا و مكانة , عليها التحرر من قيود الحلف الاطلسي وانتهاج سياسة صحيحة تجاه سورية

بقلم :مزري حداد

ترجمة :الكاتب عدنان عزام

صحيفة الفيغارو 15-4-2018

ان اول ضحية للحرب هي الحقيقة ,( الكاتب ايدوارد كيبلنغ) !

اذا كانت كل الحروب قذرة فان هذه الحرب التي يشنونها على سورية مقرفة و غير عادلة انها وضيعة و ستظل مسجلة في سجلات النزاعات الكبرى  , و اذا كانت الحرب الكبرى  ( العالمية الثانية  ) قد تواجهت فيها القوى  الديمقراطية مع الاستبداد و الشمولية و تواجهت القيم الانسانية مع النازية المقيتة فان هذه الحرب على سورية  جمعت في خندق واحد   بين الوحشية والحضارة بين الذين يدعون الحرية والقوى الظلامية بين قوى الحلف الاطلسي والمنظمات الاسلاموية  التي اجتمعت كلها لتهدم نظام بشار الاسد كما يسمونه !

في نشوة الربيع العربي و الذي كان منذ بدايته في تونس شتاءً اسلامويا أطلسيا , استعملت كل الاساليب والطرق لضرب استقرار سورية التي لم تكن مثالا للديمقراطية ولكنها كانت قد بدأت منذ تموز عام 2000  بالقيام بتحولات عميقة على طريق الاصلاح السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و نحت منحاً ليبرالياً بشهادة كل المراقبين للوضع السوري.

كل شي كان موظفا للحرب حتى الاعلام تحول الى الة حربية فظيعة من الكذب و التضليل  , ومن خلال الاعلام تم  استباحة  المصطلحات والمفردات لتضليل الجماهير و اتبع القائمون على هذه الحرب الاعلامية نهجا قائما على شيطنة العدو ( الدولة السورية ) و جعل الصديق الارهابي ضحية. العدو هو الدولة السورية التي اصبحت “نظام بشار الاسد” و الجيش العربي السوري اصبح “ميليشيات الاسد” و الارهابيون اصبحوا “المعارضون المتمردون” او “الجيش السوري الحر” و بشار الاسد اصبح “قاتل دموي لشعبه” و حشود الاسلامويين الفاشيين القادمين من رحم القاعدة تحولوا الى “مجاهدين من اجل الحرية” بل نعتوهم بالمدافعين عن حقوق الانسان.

لا شيء يبرر هذا العماء و لا حتى الحلم الديمقراطي  الذي يطمح اليه الشعب السوري و لا مسالة حقوق الانسان و لا حتى العقد المبرم بين امارة قطر و جمهورية ساركوزي و لا حتى الهجوم الكيماوي المزعوم يبرر شيطنة الدولة السورية .

هذه الشيطنة التي تسلحت  بها  الديبلوماسية الفرنسية و ادواتها الاعلامية كما تسلحت الديبلوماسية الانكلوساكسونية باسلحة الدمار الشامل لتدمير العراق و الذي نعرف جميعا نتائجه حتى هذا اليوم

ونذكر جميعا اعترافات كولن باول في مذكراته اذ كتب :

( انني ساظل نادما طيلة حياتي على ما قلته في مجلس الامن  بانني املك الدليل على وجود سلاح الدمار الشامل في العراق بينما الحقيقة هو انه لم يكن بايدينا اي دليل قاطع)

 و كم كان مختلفا عن خطاب اخر في مجلس الامن  , اي خطاب وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيل بان  , الذي جاء مشبعا  بالقيم الانسانية و المعارض للحرب على العراق و من المؤسف ان يخلفه وزير خارجية اخر اسمه لوران فابيوس يتغنى “بالعمل الحيد لجبهة النصرة” في سورية  وقد وصل الامر بنا الى ذلك لعدم انتهاج فرنسا للرؤية الاستراتيجية و الجيو سياسية المفترض ان تكون بحجم القضايا التي تواجه العالم

حيث انكفات فرنسا الساركوزية و الهولندية و اختارت سياسة عمياء غير مسموعة و لا مقنعة مما اثر كثيرا على صورة دولة الجنرال دو غول خاصة في مؤسسات الامم المتحدة و مراكز القرار الدولية

هذه السياسة التي وضعت فرنسا في موقع العدو لصديق محتمل و هو روسيا  , سياسة اقتلعتها  من منطقة الشرق الاوسط  , هناك حيث كان صوتها مسموعا و دورها كبيراً  , و المحيّر اكثر انها سياسة ماكيافيلية خاصة في  عدم مصداقيتها بالحرب على الارهاب الاسلاموي مهما كانت تسمياته  , داعش القاعدة  , النصرة  , و هذه الاخيرة ولدت من جديد تحت مسمى فتح الاسلام

كيف يصل الامر برئيس الديبلوماسية الفرنسية فابيوس ليقول ان الرئيس بشار الاسد لا يستحق ان يكون على وجه الارض و ان جبهة النصرة تقوم بعمل جيد في سورية ؟ !

في هذا الوقت الذي نجد فرنسا تائهة في توجهاتها ,  يقوم فلاديمير بوتين بسياسة واضحة يستحق الشكر عليها ومثابرة  في حربه الصادقة ضد الارهاب لدرجة انه قال سنحاربهم حتى ولو اختبأوا في دورات المياه وكان ذلك سنة 1999عندما كان لا يزال رئيس وزراء تحت رئاسة بوريس التسين.

الفرق شاسع بين  كل من روسيا التي تحارب الارهاب و فرنسا المحتفظة بملفات الارهابيين و المتحفظة على محاكمتهم لهذا اصبحت مفاهيم حقوق الانسان مطاطة  وغير واضحة ويترجمها البعض  ضمن معطيات المصالح المتغيرة و المتحولة بتحول الاهداف الاقتصادية والمصالح الجيوسياسية.

واصبحت المواعض و ادبيات ( الاسلام المعتدل ) وماناوياته المبسطة تستخدم كجزء من المواجهة الاستراتيجية الكبيرة في هذه الحرب بين الحق و الباطل بين قوى الخير أي الغرب ومرتزقته من اخوان ومتأسلميين وقوى الشر أي سورية وحلفائها روسيا وايران وحزب الله!!!.

الحق  بالنسبة لهم هو فعلا القاعدة و متفرخاتها و الباطل الشرير هو “نظام بشار الاسد” وهذا النهج  ساعد في كشف  التحالف بين ما يسمونه العالم الحر و الحشود البربرية الهمجية الظلامية التكفيرية الاسلاموية.

ونحن نعرف تماما عدم صحة وعدم صوابية البروباغندا السياسية التي حاولت منذ البداية تصوير هذه الحرب بانها حرب بين “وحش يقتل شعبه” وهذا ما ( توتره , تويتر ) الديبلوماسي الكبير دونالد ترامي

وبين اساطين ودعاة للحرية.

نحن عرفنا منذ البداية سنة 2011انها مواجهة بين دولة قانونية و شرعية وذات سيادة وبين حشود اجرامية  وهمجية واصولية قامت بارتكاب ابشع وافضع الجرائم في تاريخ البشرية في كل العالم حتى في العواصم الغربية.

انها مواجهة بين دولة تعترف بها الامم المتحدة و تناضل من اجل استعادة كل شبر من ارضيها التي وقعت في براثن العصابات الارهابية الشمولية الجهادية الدينية الاسلاموية “المعتدلة”  والذين لايعرفون الرحمة ولا تأنيب الضمير و الذين استخدموا المدنيين كرهائن ودروع بشرية في حلب و الغوطة وغيرهما من مناطق وقرى وقعت تحت وطأة الاجرام والوحشية المتسترة بالاسلام.

ما هي مصلحة نظام بشار الاسد باستخدام السلاح الكيماوي في مدينة دوما بعد ان انجز تحرير معظمها من العصابات الفاشية و الاسلاموية ؟ جرائم الحرب المنسوبة لبشار الاسد في هذه المدينة تبدو أصداءها  كموسيقى القداس البوشي ( جورج بوش )  الذي صدح متهما صدام حسين بامتلاكه اسلحة الدمار الشامل وكاصداء الموسيقا الساركوزية التي عزفها لمنع وقوع حمام دم في بنغازي .

كما سنة 1945 تقف اليوم روسيا في الجانب والاتجاه الصحيح للتاريخ وهذا الخيار التاريخي لا يعجبالاستراتيجيين البريطانيين الذين فشلوا في اتهاماتهم الباطلة لها في قضية الجاسوس سكريبال ولا تعجب المصابين بمرض الفوبيا الروسية والذين مازالوا يعيشون في ذهنية الحرب الباردة

نعم اختار فلاديمير بوتين النهج الاستراتيجي و الجيوسياسي السليم بمحاربة الفكر ألاخواني والداعشي  في سورية  نيابة عن العالم الحر و قد خرجت روسيا منتصرة من هذه الحرب الجبانة الاسلاموية الاطلسية ضد سورية وانتصرت سورية ايضا دولة وشعبا  رغم الالام والدمار الذي لحق بهما. انتصرت بلد بشار الاسد في هذه الحرب غير القانونية و غير الشرعية و التي خاضها الغرب بواسطة المرتزقة الارهابيين خلال ثماني سنوات ضد سورية.

انتصرت روسيا وسورية رغم تحذيرات ترامب (  التويترية )  ببيان رسمي صادر عن البيت الابيض من الصواريخ الامريكية “الجميلة والجديدة والذكية” و تصريحاته الغوغائية اذ قال ان علاقاتنا اليوم مع روسيا تمر بمرحلة من اسوا المراحل حتى ايام الحرب الباردة.

لا شك ان  ترامب ودون ان يعي ما يقول  ( على حق  )  اي ان  هذه المرحلة اخطر من المرحلة التي حدثت بها ازمة الصواريخ الكوبية عام 1962 خاصة وان من كان يحكم امريكا في ذلك الوقت هو كينيدي الذي استطاع الوصول الى حلول مع الرئيس خروتشوف وهكذا اجتنبت كارثة نووية عالمية.

وعوض التعنت في العداوة والتواصل في التبعية الامريكية والركوض وراء رئيس مضطرب وبدون وعي سياسي وقيم اخلاقية لا بد لفرنسا ان تعرف كيف تصل الى اتخاذ القرار بانهاء تبعيتها العمياء والهجينة للجبروت الاميركي كما سماه هيبيرت فدرين والتي جعلتها ترمي نفسها في مستنقع الشرق الاوسط والذي يمكن ان  يقودها لتجد نفسها في معمعة حرب عالمية جديدة

كان يمكن لفرنسا ان تقوم باستحضار دورها التاريخي التوفيقي ,  نعم الفرصة سانحة لفرنسا ماكرون لاستعادة دورها و مكانتها في هذا الجزء من العالم وربما المشاركة في اعادة بناء واعمار بلد لن ولم تدمره حرب أهلية كما يزعمون بل حرب جبانة وبالوكالة شنتها مجموعات ارهابية وفاشية على شعب متحضر ومسالم وعلى دولة ذات سيادة وطنية. وهنا لا نطالب فرنسا بانتهاج سياسة انسانية او عربية او اخوية بل نطالبها بانتهاج سياسة واقعية قائمة على المصالح المشتركة العربية الاوربية من جهة و الاوربية الروسية من جهة أخرى. السياسة القائمة على محاربة الارهاب الاسلاموي الذي يضرب سورية واوربا على حد سوى وسياسة استعادة الدور الاوربي دون وصاية امريكية.

على فرنسا ان تعود لدورها التاريخي و مبادئها التاريخية و مصالحها التاريخية الوطنية ولا تتبع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي المختلقة لجريمة قتل الجاسوس الروسي للتغطية على فشلها السياسي وخروج بلدها عن الاتحاد الاروبي . ولا تتبع أيضا دونالدترامب الذي قد يفتعل ازمة عالمية مدمرة لا لشيء الا ليبعد شبهات التدخل الروسي المزعوم في انتخابه على رأس الولايات المتحدة الامريكية.

ايمانويل ماكرون ليس بحاجة لأكاذيب تيريزا ماي ولا لاساطير دونالد ترامب. الرئيس الفرنسي ليس بحاجة لزج فرنسا في اتون هذا الصراع وهذه الازمة التي يقف الجميع عاجزين عن توقع نتائجها الوخيمة على العالم بأسره.

*مزري حداد: سفير تونس السابق في اليونيسكو , فيلسوف , رئيس المركزالدولي للدراسات الجيوسياسية و الاستشرافية , ومؤلف العديد من الدراسات والكتب حول اصلاح الاسلام ومفاهيمه.

-/٥/

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الخارجية الروسية: مستعدون لمناقشة تسليم “S-300” لسوريا مع الولايات المتحدة

صرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف بأن روسيا مستعدة لمناقشة كل المسائل المتعلقة بسوريا بما فيها تسليم منظومة “S-300” مع الولايات المتحدة. وقال في ...