آخر الأخبار
الرئيسية » حديث الصباح الديني » بين الصيام والصوم أسرار التشريع الرباني..

بين الصيام والصوم أسرار التشريع الرباني..

بقلم: محمد عبد الله محمد ميهوب
بسم الله الرحمن الرحيم..
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله الطيبين الطاهرين الأئمة المعصومين.
أهنئكم سادتي وإخوتي جميعا بحلول شهر رمضان المبارك، شهر الله الأكبر، شهر القرآن الكريم، شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، وأسأل الله تعالى أن يبلغنا وإياكم هذا الشهر الفضيل أعواماً عديدة وسنين مديدة وأن يجعلنا فيه جميعاً من عتقائه من النار.. وبعد:
فكثيراً ما ترد إلينا الأسئلة حول أهمية صيام شهر رمضان وعن غاية ومقاصد هذا التشريع الرباني العظيم، وحقيقة إن بعض من لم يتبصروا بحقائق الأمور وإنما فقط توقفوا عند القشور قد فهموا بأن الغاية من الصيام هو الجوع والعطش وفي هذا تجد فئات كثيرة فئة تستهزئ بالدين الذي يُجوّعُ ويُعطِّشُ أهلهُ، وفئة لا تؤدي هذه العبادة لكونها وحسب “ما يظنون” بأنها ليست عن الطعام والشراب، وفئة ثالثة تؤدي هذه العبادة فقط بالامتناع عن الطعام والشراب فيدخلون في صوم كصوم البهائم فتراهم في شهر رمضان إذا ما همَّ الليل بدؤوا بالطعام وأتخموا أنفسهم وظلوا يأكلون ويشربون طوال الليل إلى طلوع الفجر، ومن ثم يبدأ نيامهم من طلوع الفجر ليستمر طوال النهار إلى العصر ثم يستيقظون بعد أن أضاعوا نهارهم كله بدون عمل فيعتبرون الصيام حجة لتعطيل العمل وإيقاف عجلة الحياة إلا على بطونهم التي تعمل كالطواحين طيلة فترة الإفطار في الليل.
وكل الفئات السابقة تترك لدى المحبين حزنا على حال مجتمع تردى بنفسه فما فهم حقيقة التشريع الرباني، فمن يتلقى التشريعات على أنها تكاليف سيدخل في صراع مع نفسه الأمارة بالسوء وغالباً فإن هذه النفس تكون لها الغَلَبَة، ومن يتلقى هذه التشريعات على أنها تشريف رباني للناس سوف يتلقاها قلبه بالحب والإيمان وسوف يذوق فيها لذة الوصال وحلاوة القرب من الله تعالى.
والآن عندما نأتي إلى آيات الصيام في القرآن الكريم، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، يا أيها الذين آمنوا ولذة ما في النداء تذهب عناء العبادة كما يقول الإمام جعفر علينا سلامه، كُتِبَ عليكم الصيام: فعندما تعلم يا أخي بأن من كتب عليك هو الله فاعلم أنه لا يكتب إلا سعادتك وارتقاءك، وهذا بينٌ وجليٌّ في ثمرة هذه الكتابة حيث يقول جل وعلا (لعلكم تتقون) فما كتب عليك الصيام إلا ليقيك من نفسك الأمارة بالسوء وما فرض عليك الصيام إلا لتهذيب هذه النفس وهذه النفس لا يهذبها إلا الجوع فلقد ورد في الأثر أن الله تعالى لما خلق النفس قال لها أقبلي، فقالت له: بل أقبل أنت فأنا أنا وأنت أنت، فابتلاها بالمرض وشفاها وقال لها: أقبلي، فقالت له: بل أقبل أنت فأنا أنا وأنت أنت، فابتلاها بالهم وفرج همها وقال لها: أقبلي، فقالت له: بل أقبل أنت فأنا أنا وأنت أنت، فابتلاها بالجوع وقال لها: أقبلي فأقبلت صاغرة، تماما على عكس العقل الذي عندما خلقه الله وقال له أقبِلْ فأقبَل وأدبِرْ فأدبَر.
إذاً في تشريع الصيام تهذيب للنفس ليس فقط بمنعها -اختياراً منا لهذه العبادة- وقسرها (أي للنفس) ليس فقط عن الطعام بل عن كل ما تشتهي ولذلك كان الجماع مفطرا وكان التدخين مفطرا وكان الاستمناء مفطرا مع أن ظاهر الأمر أن كل هذه الأمور ليس طعاما ولا شرابا، ولكنه من شهوات النفس والصيام مدرسة جاء لتهذيب هذه النفس وتطويعها بمنعها عن كل شهواتها.
إذا جاء التشريع وقاية لك من نفسك الشهوانية، وليقيك الله تعالى بتسليمك لأمره من أن يتجلى عليك بصفات الجلال الرباني، فتبقى بإيمانك الذي تتبعه بالعمل آمنا على نفسك من صفات الجلال متنعماً بصفات الجمال.
وأما أولئك الذين يقضون الليل كله طعاما وشرابا والنهار كله نوما وكسلا فإن الله تعالى يقول: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).. لاحظوا كيف انتهت الآية، انتهت بــ (لعلكم تشكرون) والشكر ليس لقلقة لسان إنما الشكر عمل لا كسل، فأن تشكر الله على نعمته التي أسبغها عليك في هذا الشهر الفضيل يعني أن تعمل في منفعة عيال الله خلق الله لا أن تجلس وتنام طوال النهار، فيا أيها الغني ليس الصيام أن تأكل طوال الليل وتنام طوال النهار تحت (المكيف)، وإنما الصيام يفرض عليك شكر الله وشكر الله في أن تخرج لعملك وتزيد من عطائك وتسعى في قضاء حوائج الناس وتزيد من إنتاجك بما ينفعك وينفع الناس والناس خلق الله وهم عيال الله فتذكر هذا جيدا ولا تجعل من صيامك صياما كالبهائم التي تأكل طوال الصيف وتدخل السبات وتنام طوال الشتاء.
والآن نأتي إلى الفارق بين الصيام والصوم:
الصيام: 
عندما حدثنا الله تعالى عن الصيام جاءت كلمة الصيام في موضعين، الأول قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183.
وأما الثاني فقوله جل وعلا: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }البقرة187
لاحظوا معي دقة التعبير القرآني العظيم في أن الصيام جاء في مواضع لها علاقة بشهوات النفس من ميل غرائزي للمرأة وحب للطعام والشراب وغير ذلك، جاء الصيام ليمنع النفس عن هذا كله تهذيبا وليس لحاجة لله في كل هذا المنع، فحاشى لله رب العالمين أن يكون له حاجة في صيامنا وصلاتنا فإنما نكتب ما نكتبه من أعمال وقيام بما افترضه الله علينا لأنفسنا وفقط لأنفسنا.
إذا الصيام عن الطعام والشراب وعن كل شهوات النفس في أيام شهر رمضان وليس كما يفسر البعض بأنه ليس عن الطعام والشراب.. فهو ليس عن الطعام والشراب ولكن هذه العابرة ناقصة وتمامها ليس عن الطعام والشراب (فـــحــــســــــــــــب)، فليس لله حاجة في جوعك وعطشك إن لم تتهذب نفسك، وحقيقة أنه ليس عن الطعام والشراب فحسب لا يسقط أنه ليس عن الطعام والشراب وأن لنا فيهما رخصة فهذا مما لا يقبل به العقل ولا المنطق ومما لم يأت به الشرع الحنيف، ويقول الإمام جعفر الصادق علينا سلامه: <<إن الصيام ليس من الطعام والشراب وحدهما، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب، وغضّوا أبصاركم عمّا حَرَّمَ الله، ولا تنازعوا، ولا تحاسدوا، ولا تغتابوا ولا تسابّوا، ولا تشاتموا، ولا تظلموا، واجتنبوا قول الزور، والكذب والخصومة، وظنّ السوء، والغيبة، والنميمة، وكونوا مشرفين على الأخرة، منتظرين لأيامكم، منتظرين لما وعدكم الله، متزوّدين للقاء الله، وعليكم السكينة والوقار، والخشوع والخضوع، وذلّ العبيد الخيف من مولاها خائفين راجين>> وهنا ننتقل إلى معنى أشمل وهو (الصوم).
الصوم: 
وبعد الصيام نأتي إلى الصوم وهو المعنى الأعم والأشمل وهو بالفعل غير مقترن بالطعام والشراب، وهو أبعد من ذلك بكثير، ويأتي البيان الرباني مجددا ليعلمنا فيقول الله تعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً }مريم26.
نلاحظ أن الصوم جاء هنا غير مقترن بالامتناع عن الطعام والشراب ولكن جاء عن أمر أبعد من النفس وشهواتها، جاء متعلقا بالصمت والصمت من الأخلاق، وها نحن أمام الصوم الذي هو أعم من الصيام ولا يختص به شهر رمضان فحسب بل إن الصوم حجاب لمكارم الأخلاق ككل وهو مفروض طوال الدهر بأيامه ولياليه ولا يختص به شهر رمضان وحسب.
ولذلك نجد أن الإمام زين العابدين ع قال في حق الصوم: وأما حق الصوم فأن تعلم أنه حجاب ضربه الله على لسانك، وسمعك وبصرك وفرجك وبطنك، ليسترك به من النار، وهكذا جاء في الحديث (الصوم جنة من النار) فإن سكنت أطرافُك في حَجَبَتِهَا رجوتَ أن تكون محجوباً، وإن أنت تركتها تضطرب في حجابها، وترفع جنبات الحجاب، فتطلع على ما ليس لها بالنظرة الداعية للشهوة والقوة الخارجة عن حد التقية لله، لم تأمن أن تخرق الحجاب، وتخرج منه، ولا قوة إلا بالله.
وبين الصيام والصوم نجد أن الناس مقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: هم صيام العامة وهو الامتناعُ عن الطعام والشراب وهذا فرضٌ على كل مسلم ومسلمة في شهر رمضان دوناً عن غيره من الشهور لقوله تعالى: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ).
القسم الثاني: صوم الخاصة فهو كف الجوارح عن الآثام، كغض البصر عما حرم الله، وحفظ اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة، وكف السمع عن الإصغاء إلى الحرام، و كف الفرج عن قضاء الشهوة وهو ما عناهُ الإمام علينا سلامه في تبيان حق الصوم وما أرادهُ لنا حقيقة كما بين هو أن نضرب بيننا وبين أنفسنا حجابا لنترقى في درجات الفلاح ونسلك مسالك الإيمان ونسير في الطريق إلى الله، ولذلك فإن الخاصة هم دائماً صائمون، أفيكفُّ المرءُ مثلا نظره عن الحرام في شهر رمضان ويطلقه في غير شهر رمضان، حاشى وكلّا، ولذلك قال الإمام: فإن سكنت أطرافُك في حَجَبَتِهَا رجوتَ أن تكون محجوباً –سكنت طوال الدهر وليس في أيام رمضان فقط فإشارةُ الإمام واضحةٌ هنا إلى إطلاق القول على الدوام وليس تخصيصا بزمان ما ومكان ما.
القسم الثالث: هم خاصة الخاصة وهم أهلُ الله، وهم الصائمون عن كل ما هو دون الله، وما أعظمهم من عباد أخلصوا لله وقلوبهم لا تنبض إلا في حبه، وأرواحهم لا تتطلع إلا إليه لا يشتاقون إلى أحد إلا إليه جل في علاه، قد أتعبتهم الدنيا وأتعبهم عناءُ البعد، ولا همّ لهم إلا كيف يصلون إلى محبوبهم وخالقهم، ولا لذة لهم إلا بالوصال والقرب، قلوبهم معلقة دوما بين حبال الخوف من البعد عن المحبوب وحبال الرجاء بأن يكونوا في كل سكناتهم وحركاتهم في جواره وبقربه يعيشون الحب بأعظم معانيه ويرتدون أعظم الحلل وهو القرب منه سبحانه وتعالى وهؤلاء قال الله تعالى فيهم: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، وهؤلاء لا ينتظرون عيدا بعد شهر الصيام فهم في كل لحظة يشهدون الله تعالى بها وهم صائمون عن كل من سواه هم في عيد.. وهؤلاء نفعنا الله برضاهم ودعائهم وبركاتهم ليس مثلهم أحد وليس لأحد أن يتشبه بهم وقليلٌ ما هم.
وهذا حال الناس بين الصيام والصوم وبالتأكيد فإن الذي لا يستطيع أن يقوم بأركان تشريع الصيام في شهر رمضان هو أقل بكثير من أن يستطيع على إيفاء عبادة الصوم حقها على طول الدهر والله أعلم والله من وراء القصد.
تقبل الله صيامكم وقيامكم وصالحات أعمالكم ووفقكم لما يحب ويرضى والحمد لله رب العالمين
سيرياهوم نيوز/5
18-5-2018
Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عيد الفطر السعيد و آدابه

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على سيدنا محمد (ص)أما بعد : انقضى شهر رمضانُ وما زالت روحانياتُه وأجواءُ صفائه ...