حين يجمع الرجل بين القلم والسلاح، يتقوى بالأول على ويلات الحرب، تلك التي تضخ يومياً بشاعتها من موت وتهجير وخسارات مادية وروحية.
ما أجمل أن يكون المقاتل أديباً، يواجه بياض الورقة ببسالة كما يحارب سواد العالم بشجاعة، ويضيف إلى خزينته آلاف المواجع التي لا تكفيها كل الصفحات.
الشاعر شادي عمار والقاص فداء حسن شاهين رجلان من رجال الجيش العربي السوري، توقفنا معهما في هذه المحطة لنتحدث عن الأدب والقتال، كيف أثّرت فيهما ظروف الحرب شخصياً وإبداعياً، هل تغيرت نظرتهما للحياة والأدب وهما المرابطان على خط النار، هل أصبحا أكثر تفاؤلاً أو تشاؤماً، هل صار مشروعهما الأدبي أكثر جدية ويفكران بكتابة شيء جديد أو بنوع أدبي جديد؟ وفي الختام أحببنا أن نطرح هذا السؤال: الكثيرون من الأدباء عبر التاريخ قدموا منجزات عظيمة بعد الحروب هل تشعر بأنك ستكون كهؤلاء؟

العيوب خبز الأدب
الشاعر شادي عمار طبيب أسنان من مدينة بانياس وفيها يمارس عمله، لكن اهتمامه الأكبر هو كتابة وقراءة الشعر والقصة.
عن مشروعه الأدبي بدأ الشاعر قوله: في اعتقادي ما من «مشروع» أدبي ناجز للكاتب الحقيقي أو حتى مشروعات أخرى! الأديب كائن قلق ومشوش لا يهمّه الكمال بل العيوب فهي خبز الأدب وروحه، ولسان حالنا يقول«تركنا الكمال للآلهة»! لعلنا نتمّ النواقص بالخيال والخيال ليس إنجازاً بقدر ما هو هبة.
وعن التحاقه بالخدمة العسكرية قال: استُدعيت للخدمة العسكرية الاحتياطية أوائل العام 2017 وخدمت سابقاً الإلزامية بين عامي 2005 و2006 . تم فرزي بداية إلى مدينة (الصقيلبية) شمال محافظة حماة ثم نقلت إلى مدينة حماة.
عايشت في الصقيلبية ظروف تعرضها للقصف من المسلحين، اللافت دائماً قدرة شعبنا السوري على الحياة وشجاعته غير المألوفة، فرغم انهمار القذائف وقوافل الشهداء أصرّت المدينة الجريحة على الحياة! فالناس في أعمالهم ومشاويرهم اليومية عدا عن سهرات الصيف الجميلة المضيافة وخصوصاً مع العسكريين، ما خفف من وطأة الحرب عليّ، هذا التضامن والتلاحم بين الشعب والجيش لهما أبلغ الأثر في تلوين قتامات المعارك وأهوالها، ثم جاء انتقالي إلى مدينة حماة الأكثر هدوءاً نسبياً حتى تعرضت للقصف الإسرائيلي الغادر، هذا الحادث المروع الذي لن أنساه.

الحرب تتحدى الخيال
هل تغيرت نظرة الشاعر المقاتل شادي عمار للحياة والأدب؟ يقول: لا مراء في أن الحرب تخلط أوراق الروح ومفرداتها، لكنها عند الأديب تزلزل بعنف، تدمَّر ويعاد تكوينها أو تبقى على حالها محطمة! فردّة فعل الكاتب أمضى وذات شجن، ولا نستطيع التنفيس إلا بالتحميل المنهِك والمفرط للروح المتعبة أصلاً كي نكتب ألمنا المضاعف! والمفارقة أن لا وقت كافياً لنمارس حياتنا الأدبية الشاقة، فنحن أصلاً في ظروف مريرة تقتضي ما تقتضيه من جاهزية ومرابطة، عدا عن النظرة المريبة إلى من يمسك قلماً وورقة ليكتب! فتتخمر جراح الحرب وتبدأ روائحها المدوخة بالانبعاث مادمت لم تجد تصريفها المعتاد إلى الأوراق، لذا عندما نكتب عن الفاجعة نكتب آنئذ عن فجائع متراكمة ابتدأت بالصدمة الأولى حين وقوعها، ثم الثانية وقت اختنقت أدوات التعبير وعجزت لوهلة عن ترجمتها بـ«أمانة» إلى كلمات، إلى المخاض والولادة المتعسرة للقصيدة أو النص عموماً مع التشكك المؤلم في أن تكون الكتابة على قدر سريالية وجنون ما يحدث!
تتحدى الحروب الخيال حتى في أكثر حالاته جموحاً فلا لجام لها، بينما نلجم أخيلتنا خوفاً أو تردداً، لذا لا أكنه تغييراً في كتاباتي بقدر محاولاتي اليائسة للإمساك بعقال المعارك المنفلتة الهاربة فقط من قلمي، بيد أنها تمسك زمام قدري وتواجهني بموتي كل حين.

الشعر يبتلع المآسي
قبل الشعر كان يكتب القصة، يقول عن هذا التحول: للأمانة نزحت نتيجة رعونة وزمجرة الحرب عن مدينتي الآمنة القصة إلى مآوي الشعر الخطرة التي لا تعرف راحة بال! الشعر كأب لصنوف الآداب جميعها هو الملاذ القادر على الإمساك بعنان البلايا المتكاثرة واللامعقولة، إنه قديم محنك لطالما استطاع ابتلاع المآسي وتحويرها إلى ملاحم خالدة، هذا عدا عن جفوة القصة لي، فالقصة ربة منزل ترتدي فستانها الحريري وتجلس على مقعد وثير ترشف قهوتها بتلذذ لكي تتمكن بعد عملية التأمل المعقدة من استخلاص عناصرها الملهمة، وهذا ما لا توفره الحرب الموسومة بالحصار والجوع والدمار، وحده الشعر بشبابه الأبدي وعبقريته الخالدة وانسيابه المديد بقادر على التمعن في عيني الحرب الفاجرتين رغم الدماء والدموع والغبار.

مزاج سوداوي
وعن التفاؤل والتشاؤم قال: ليسا في قاموسي بقدر ما هما شعوران يتخللان شخصيات عملي، أو تُلجئني الحاجة إلى أحدهما، قد يبدو بدهياً أن تزداد كثافة التشاؤم في الحرب، لكن ثمة من يتفاءل بالنهايات الموجعة! والكاتب عموماً صاحب مزاج سوداوي. بالنسبة لي تغمرني الكآبة بنوعيها المبرر وغير المبرر مع طغيان النوع الأخير.

اللاجدية تخفف الوطأة
عن أثر الحرب في جدية مشروعه الأدبي أجاب: هل مشروع الكاتب بالمطلق جدي؟! لا ينبغي له أن يصبح جدياً ولو للحظة في حياته، فكيف في الحرب.. الحرب موئل اللامعقول وحرق الثوابت! بقدر ما نأخذ الأمور على محمل اللاجدية بقدر ما تمسي الحياة أقل وطأة بما فيها الحرب.. هل الخيال مثلاً أمر جدي؟ لا طبعاً..
أما بالنسبة للاتجاه صوب نوع أدبي جديد أجاب: ربما! قد يكون الرواية، هذه العمارة الشاهقة الفخمة، لكن وبكل إصرار ليس حالياً! أكتفي بالتوجع باقتضاب ريثما تتسنى لي فرصة راحة جديدة لا تقطعها القذائف بصنوفها المتفجر أو ما يدمي الروح. نوهت آنفاً بالحادثة المروعة التي قضت على بعض من أعز أصدقائي ودمرت غرفتي التي أحببتها جداً، فقد ضمت جلسات ليلية جميلة، وبها تسريت من المعاناة اليومية، فجأة وإثر صاروخ غادر قفز كل شيء إلى عالم بعيد، لكن لم يقطع الصلة تماماً بالراهن، ذكريات وكوابيس وتجليات للمكان وللأشخاص الأعزاء الذين ذهبوا جسداً فحسب، وأن يمر المرء بما كان بيته ويتفكر لو أنه بات لحظة القصف كيف سيتناثر جسده وكيف سيقع الخبر على أهله وأحبائه! إذاً أستدعي موتي، أتماهى معه، أعطيه فرصة للحياة فلا يأتيني المرة القادمة غيلة، بل كضيف شرف! لذا كتبت قصيدتي (طقوس حياة الفراغ)
لأنك/لو تمهلت قليلاً/لقتلتني/أعلن غيابي../فنجان قهوتي يرتشف لوحده/الثياب يرتديها الفراغ/وتمشي إلى عملي/صدى ما يرد تحيات العابرين/الرسائل الإلكترونية/القصائد
قد أقدم إنجازاً عظيماً، الحرب تدفع الكاتب إلى النهايات القصوى بهمجية، وهو الكائن الخيالي لن يكون سعيداً وقت يهتك عالمه بهذه البشاعة، هنا قد يختار واحدنا أن يجعل من النسغ الدامي المرير للحرب مادة دسمة وسامّة لحياته يسكبها في أطر الأدب ليتخلص من هذا الجزء المتموت من روحه أو يدعه يقتلعه دفعة واحدة في رد فعل على آلام لم تعد محتملة.

طموح في فوضى الحياة
وقفتنا الثانية كانت مع القاص فداء شاهين.. يقول هذا المقاتل في الجيش العربي السوري إنه منذ صغره بدأ بالكتابة على جدران غرفته، وأنه يعشق النثر والقصة القصيرة جداً إضافة للمسرح وخشبته، واشترك في المهرجانات المدرسية والجامعية كلها، كتب المئات من القصص القصيرة ولديه مسرحية مطبوعة ومنشورة منذ عام 2008 بعنوان (طموح في فوضى الحياة)، والآن يجهز لمجموعة قصصية وشعرية ومجموعة خاصة للأطفال، وهو عضو في صالون بكسا الثقافي.
عن التحاقه بالخدمة العسكرية يقول: التحقت بالخدمة الإلزامية في بداية عام 2009 وحتى الآن، وحياتي قائمة على توثيق كل لحظة، فحين غادرت غرفتي تغيرت نظرتي للحياة أكثر وانفتحت على واقع شامل لكل البيئات.

الإيمان ينسينا الزمن
أما كيف أثرت الحرب في مشروعه الأدبي؟ فيجيب: أحمل القلم بجانب السلاح كالتوأم، وانتقلت من الكتابة عن الحب والرومانسية إلى الكتابة عن الوطن والانتماء للأرض، والكتابة عن الشهيد وأهل الشهيد، أحداث وصور كثيرة رسمتها الحرب، ما خلق بيئة جميلة للكتابة رغم ألم بعض اللحظات، ازدادت الكتابة وازدادت القدرة أكثر، فالإيمان بالأرض والإصرار والنصر أدوات للكاتب، وتوثيق اللحظات على شكل قصص أو شعر أو نثر شيء رائع ينسينا الزمن والبعد والحنين.

انتصار مضاعف
ويضيف: الآن ونحن في اللحظات الأخيرة من الحرب انتصرت شخصياً مرتين، الأولى انتصار سورية الغالية، والثانية رغم كل التعب استمررت في الكتابة وحققت النجاح بإصدار مجموعة قصصية القسم الأكبر منها للشهداء والأرض.
الكثير من المهرجانات لم أستطع المشاركة فيها بسبب ظروف الحرب، لكنني ومن خلال نافذة وسائل التواصل الاجتماعي كنت أتابع الجميع، ولا أكتفي بذلك، بل أرسل للمهرجانات قصة قصيرة لتقديمها غيابياً، هذا هو الإصرار، ومن خلال كتابة قصص واقعية لدي فكرة لتحويل بعضها إلى أفلام قصيرة وهذا مشروع قيد الدراسة. وفي الختام قال القاص شاهين: لا أكتب لنفسي، كالغيمة تحمل الغيث وتمشي.