آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب و آراء » الأيام الحلوة

الأيام الحلوة

وضاح عبد ربه
ورث والدي من جدتي دعاء لطالما سمعته عندما كنت صغيراً، ففي كل مرة كنت أنهي زيارة جدتي كانت تقول لي: الله يبعتلكم أيام حلوة.. وتوفت جدتي وبات أبي يردد هذا الدعاء كلما التقى ببنتي البكر لين أو ابني زين العابدين، وكان بالنسبة لي هذا الدعاء مثله مثل الأدعية التي يرددها الكبار ولم أكن أكترث للمعنى الدقيق لكلماته، فهو كالذي يتمنى للآخر طولة العمر أو الصبر أو السعادة والرفاه.
كبرنا وتوفي والدي وأصبحت بدوري كلما التقي بطفل أو يافع أردد الدعاء ذاته (وراثة) مع فارق أن الحرب على سورية عملتني جيداً معنى كل كلمة من هذا الدعاء الذي لم أكن أكترث له سابقاً.
فماذا تعني الأيام الحلوة؟ هو السؤال الذي طالما طرحته على نفسي وعلى الآخرين.. فهل كانت أيام سورية قبل الحرب حلوة؟ أم إن أيام أبي وجدتي هي التي كانت حلوة وكانا يتمنيان مثلها للأجيال القادمة؟
وبما أننا شعوب عربية ولا يمكن أن نتفق على مبدأ أو مصطلح، فأنا – وأعوذ بالله من كلمة أنا- من مؤيدي فكرة أن الأيام الحلوة في سورية – وقد يخالفني البعض وأنا أتقبل كل انتقاد- كانت قبل الحرب وتحديداً بين ٢٠٠٥ و٢٠١١، أي بعد انسحاب سورية من لبنان والانفتاح الكبير الذي عاشته دمشق ومختلف المدن السورية مع ما رافقه من انتعاش اقتصادي ومالي، وصولاً إلى الحرب التي حولت أيامنا إلى سوداء.
في تلك الحقبة كان أغلبية السوريين يعيشون أجمل أيامهم دون أن يشعروا بذلك، وكنا (كعادتنا) لا يعجبنا العجب، ونكتب وننشر وننتقد ونهفهف راجين من الله عز وجل أن يوفر لنا ولأولادنا «أياماً حلوة» استجابة لدعاء آبائنا وأجدادنا.
عام ٢٠٠٨ على ما أذكر، كنت في مطار دمشق الدولي متوجهاً إلى عاصمة أوروبية، وفي صالة الركاب انتفضت غضباً حين رأيت عنصراً من الأمن يجتاز الصالة حاملاً بيده بندقيته «الروسية»! وبما أني صحفي ومعروف بـ«لساني الطويل»- كما يقول الدمشقيون- على الفور أخرجت هاتفي واتصلت بالمسؤول الأمني عن المطار وقلت له بنبرة الحريص على بلاده: إن هذا المظهر لا يليق بسورية ويضر بسمعتها، فهذا مطار وهناك سياح أجانب وعرب ولا يجوز أن يشاهدوا مثل هذه المظاهر المسلحة في المطار، فاعتذر الرجل بلباقة تامة، وبعد دقائق عاود الاتصال وقال لي: إن العنصر الذي تجاوز الصالة تمت معاقبته مبرراً أن ما حصل كان نتيجة تبديل عناصر «المناوبة» ووعد بألا يتكرر الأمر.
ارتحت آنذاك، واعتبرت أنني حققت إنجازاً في تصحيح صورة سورية أمام الأجانب ورواد المطار، ولَم يكن ليخطر في بالي آنذاك أني سأجد آلاف البندقيات في كل شوارع سورية ومعارك طاحنة وإننا سنفقد ليس فقط السياح بل حتى سوريين هرباً من وَيْل الرصاص ومصائبه.
اليوم تصالحت مع البندقية وبت صديقاً لها، ليس في دمشق فقط، بل حتى في باريس التي أزورها كل شهرين، حيث بات مطارها مدججاً بالعناصر الأمنية التي تتجول بداخله مسلحة بالبندقية الفرنسية المعروفة «فاماس» وتتزور الركاب القادمين والمغادرين وكل من يصل إلى المطار أو يغادره!! وفِي شوارع باريس أيضاً وعواصم أوروبا لا يختلف المشهد كثيراً، حيث هناك دوريات باستمرار تجول في الشوارع مدججة بالسلاح وأكثر من دولة أوروبية أعلنت حالة الطوارئ على حين ألغتها سورية عام ٢٠١٢! فالأيام الحلوة اختفت حتى عند الأوروبيين والشعوب التي نعتبرها راقية، وبات أي إنسان في العالم مهدداً بالموت أينما وجد، وكل ذلك نتيجة حماقة زعماء الغرب واستثماراتهم الغبية في الإرهاب التي كان عائدها الوحيد مزيداً من المصائب والكوارث والقتلى والأزمات المالية والاقتصادية، وأياماً سوداء أنستنا الأيام الحلوة!
قبل الحرب، كان الميسور من السوريين أو من الطبقة الوسطى التي طالما اشتهرت فيها سورية، يذهب مرة أسبوعياً إلى أحد المطاعم وفِي أحسن الأحوال مرتين، وفي العطل الصيفية كان يقصد اللاذقية أو بيروت أو شواطئ تركيا حسب الإمكانيات المادية، وكان البسطاء منا يفترشون مساءً الحدائق مصطحبين المكسرات والمشروبات الغازية والسجاد لقضاء وقت جميل مع العائلة مستفيدين من طقس وهواء سورية الخلاب الذي لا مثيل له في العالم.
اليوم باتت اللاذقية حلماً وبيروت «خربان بيت» وتركيا دولة معادية لسورية، وبات الصيف مثله مثل الشتاء حيث لا مفر من البقاء في المنزل، الكل على هاتفه الجوال يتصفح أخبار الفيسبوك وتوتير والإنستغرام، وباتت المطاعم لمن هو قادر عليها وتحول معظمها إلى مقاه تقدم النراجيل والمشروبات الساخنة، حيث لم يعد أحد قادراً أو مقتدراً على فاتورة العشاء إلا نخبة من الذين لا يزالون يمتلكون رصيداً في البنك أو هؤلاء الذين استفادوا من الحرب دون أن يخوضوها!
في سورية لم يكن هناك فقر، كان هناك بعض الفقراء، كانت الحياة جميلة وأيامنا حلوة، كنّا متصالحين مع أنفسنا ومع الناس والجيرة، وكان عمل الخير من قيمنا، فالغني يساعد الفقير، والمسؤول في كرسيه لخدمة المواطن، والكل – أو الأغلبية- من حيث مكانته ومنصبه كان يعمل لنهضة سورية وعزتها، إلى أن هبت رياح الحرب، وتكشفت عيوبنا وعوراتنا، وبتنا وكأننا في غابة، فالقوي يفترس الضعيف، والمنافق يتفوق على الشريف، والمسؤول يكذب على المواطن، وكادت تضيع منا سوريتنا، لو لم تكن محروسة من جيش قدم أغلى ما لديه ليحافظ على أرواحنا وهويتنا وسوريتنا.
لا أعرف ما السر خلف هذا التحول السريع الذي أصاب سورية؟ يقولون: إنها فلسفة الحرب والناتج الطبيعي لها، ربما الأمر كذلك، لكن قد يكون أيضاً نتيجة سقوط الكثير من الأقنعة التي كانت تغلف وجوه عدد كبير من السوريين كناّ نجهل فعلاً حقيقتهم ونياتهم وتربيتهم، فاستغلوا مأساة السوريين ومصائبهم وباعوا سوريتهم بأبخس الأثمان، وزرعوا بيننا الفتنة والفراق، وروجوا لسياسة الانحطاط والنفاق والنهب والإرهاب، فكانوا كالرواسب الذين لا يمكن أن يتقبلهم السوري الحقيقي، الرافض لأي تنازل عن سوريته المكونة من قيم وأخلاق ورثها عن آبائه وأجداده، فيلفظهم كما لفظ العدوان عليه ودحره.
اليوم اقتربت نهاية الحرب، وعادت دمشق وحلب وحمص والمدن السورية تعج بالناس والمارة والزوار، ونحن ما زلنا ندعو ونتمنى لأطفالنا «الأيام الحلوة»، ويبقى السؤال: من يصنع هذه الأيام؟ نحن أم نترك الأمر للحكومات والمسؤولين وللمصير؟
نحن بحاجة اليوم إلى كل جهد يعيد إلى سورية أيامها الجميلة، جهد المجتمع وجهد الدولة الذي من واجبها وضع حد لكل التجاوزات التي حصلت طوال أيام الحرب، وهي بدأت حسبما يتم تداوله من معلومات، لكن علينا أن نكون إلى جانبها لنوقع عهداً جديداً نمكّن من خلاله شباب اليوم وجيل المستقبل على «إعادة بناء» مجد سورية وعظمة تقاليدها ومجتمعها، وهذه مهمة ليس بالسهل تحقيقها ما لم تتضافر جهود كل السوريين لنبني معاً الأيام الحلوة.
سألت صديقاً- مفلسفاً كما نقول في دمشق- عن رؤيته تجاه الأيام الحلوة، فقال لي دون تردد: هي قادمة لا محال. فتعجبت لثقته المبالغ فيها، فأردف قائلاً: لأن أسوأ مما مضى لم يعد ممكناً!
سيرياهوم نيوز/٥
Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

‏‫ مفترق طرق

| بنت الأرض  19-11-2018 ما يجري اليوم على مدى الساحة العربية يكاد يكون مدهشاً بالفعل وهو يذكّرني بالمثل الشعبي القائل «يحفرون قبورهم بأيديهم». فبعد أن ...