آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب و آراء » جحود الأوطان

جحود الأوطان

 10-8-2018

ديب علي حسن 

كانت العرب، لا الأعراب تقول: لا تشرب من بئر وتلقي بها حجرا، وباللهجة العامية (لا تاكل من صحن وتبخ فيه) والأمثال التي تضرب حول ضرورة احترام الجميل الذي يقدم، وعدم نكرانه كثيرة، وهي بكل اللغات والثقافات والأوطان، وكم يعجبني قول تلك المرأة لزوجها الخارج من كتاب بخلاء الجاحظ، بل ربما هو موسوعة فيه،

وقد ورد القول في كتاب أخبار النساء، إذ قالت له: إن الفئران لا تجد في بيتك ما تقتاته وهي باقية حبا به كوطن وليس لأمر آخر، لن نذهب بعيدا في الأمر فنكران الجميل هو الطاغي على المشهد الآن.‏ 

ربما هو تساقط الأوراق التي سترت العورات طويلا، في سيرة العظماء الفاتحين للكثير من بقاع الأرض أنهم كانوا دائما يطلقون عيونهم، وثمة عيون أخرى تساعدهم للدخول إلى الأوطان، يروى أن الإسكندر المقدوني وقف عاجزا أمام حصن من الحصون، فتقدمت ابنة صاحب الحصن ودلته على ثغرة فيه نفذ منها إلى داخله، وحين قابلته قالت له: عليك أن تتزوج بي، لقد ساعدتك، فما كان منه إلا أن قال لها: من يخن أباه، لايؤتمن، تركها ومضى..‏ 

ويروى أن نابليون كان يقول: أكثر من احتقرهم أولئك الذين خانوا أوطانهم وباعوها، هؤلاء هم الداء الذي لا برء منه أشد فتكا من السرطان ومن الطاعون، ابتليت بهم أمم كثيرة شفيت أوطانهم وظلوا هم دمامل كلما فقئت طفح منها العفن النتن، في المشهد السوري الذي نمر به منذ سبع سنوات، طفح على الوجه من هؤلاء كثيرون، كانوا عفنا قاتلا، نعرفهم، ونعرف أنهم أكثر نتنا من جيفة، وكان البعض يرش معطرات ومعقمات عليهم، طبلوا وزمروا لهم وقدموهم وأخفوا الأصيل، لكن من كان معدنه الخسة لايمكن لأي نار مهما كانت أن تعيد صهره، ولا لمعقمات الدنيا كلها أن تخلصه من أدرانه.‏ 

في سورية التي تخرج منتصرة على الرغم من الجراح الهائلة ليس لنصرها آباء كثيرون كما يقال، له أب واحد هو الشعب السوري المقاوم، له أم وأخت، أبناء، وذوو الشهداء له: العامل والفلاح والطبيب والمهندس والجندي والضابط، له أطفال في مدارسهم، له كل سوري تشبث بسوريته، وليس أولئك الذين ارتزقوا من الوطن حد التخة وكان لهم فندقا ومغنما وحين الحاجة حزموا حقائبهم وولوا الأدبار إلى حيث ينتمون مالا وثروات، لاقيما ووطنا وإخلاصا، في سورية التي نعيشها وتعيشنا نعرف أن الكثيرين كانوا خلف الجبل وهاهم الآن على أهبة الاستعداد للانقضاض على الوطن ماداموا يرون أن ثمة مغنما يمكنهم أن يحققوه.‏ 

في سورية ستقرأ المشهد بكامله، لا شيء يدعو للاستغراب أبدا، نعرفهم واحدا واحدا ونعرف من بقي منهم ويتم تدويره من مكان لآخر وكأن الدنيا لاتسقيم إلا به ومعه، ينقل من مغنم لآخر، عفوا من مكسب لآخر ومن كان ليله نهارا، ونهاره ليلا، يعمل بصمت ويركن ويدفع به جانبا، جولة جديدة من الجحود قد تنتظرنا، هذه المرة ستكون أكثر وأشد قسوة وألماً من وقع الحسام المهند….‏ 

ومع هذا الليل الداكن الذي يحاول أن يسبق نهارنا يريد أن يغتاله إلى غير رجعة، لكننا مؤمنون أن غدنا تحرسه دماء من ارتقى وصعد، تحرسه عقول وقلوب تعمل بصمت، لكنها تراقب، وللبيت كما يقال ربّ يحميه لحظة يحين الحسم ونظن أن اللحظة قد أينعت وحان قطافها، وإذا ما طال الأمر فقد يكون العفن فينا ومنا، وهنا الطامة الكبرى.‏

(سيرياهوم نيوز-الثورة)3

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رسالة مفتوحة للفصائل الفلسطينية المجتمعة في القاهرة.. 

‏‫ August 17, 2018 كمال خلف تقاطرت وفود الفصائل الفلسطينية من داخل وخارج الوطن المحتل إلى القاهرة ، لبحث نقطتين التهدئة في غزة والمصالحة الفلسطينية ...