لم تخرج سورية من المعادلة الثابتة: هناك عقيدة سياسية ثابتة لدى القيادة السورية لتحرير كامل التراب السوري من سيطرة التنظيمات الإرهابية، وفي مقابل ذلك هناك إصرار من قبل الولايات المتحدة الأمريكية «لعرقلة» مهمّة الجيش العربي السوري.
السيناريو المتوقع دائماً، حتى قبل أن يحرز الجيش العربي السوري تقدماً على طريق التحرير، أن تطفو على السطح الرواية نفسها: تهمة «استعمال» السلاح الكيماوي! حين نضع هذه الحرب في سياقها الاستراتيجي سيسهل علينا فهم معادلة الصراع وأهدافه.
تسعى الولايات المتحدة إلى أن تجعل سورية «دولة فاشلة» غير قادرة على أن تمارس سيادتها على جزء من ترابها..هذا الهدف أساس ورئيس طبقاً للجيل الرابع والخامس من الحروب، بينما تدرك سورية وحلفاؤها تلك الأهداف من خلال الدينامية التي يسلكها الجيش في تحرير كل المناطق.. إنّ حركة التحرير التي يتبعها الجيش بمنهجية قتالية غير مسبوقة وتخضع لمقاربات تكتيكية فائقة الذكاء هي بتعبير آخر شكل من أشكال ممارسة السيادة الوطنية، وكان من المتوقّع أن ينطلق الجيش العربي السوري لتحرير أجزاء أساسية من ريف اللاذقية الشمالي وصولاً إلى ريف إدلب التي ستكون أمّ المعارك.. وأيضا كان متوقعاً كما عودتنا الولايات المتحدة – التي تريد توجيه هذه المعركة بطريقة أخرى – أن تلوّح بتهمة «استعمال» الكيماوي، التهديد الذي لوّح به مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي جون بولتون في ختام زيارته تل أبيب، مؤكداً أنّ بلاده «سيكون لها ردّ قوي في حال حصول أي هجوم بالأسلحة الكيماوية في إدلب».
إنه تكرار لـ «الموّال» ذاته في الغوطة الشرقية وخان شيخون، وكانت الدول الاستعمارية الثلاث نفسها التي قادت العدوان الثلاثي السابق الذي استهدف مركز البحوث في برزة قد أصدرت بياناً يحمل المضمون نفسه الذي عبر عنه جون بولتون.. وتتهيّأ «الخوذ البيضاء» لاستئناف دور إنجاز تقارير عن تمثيليات جديدة كتلك التي فضحها الخبراء الروس الذين كشفوا عن تعاون بين «الخوذ البيض» و«إسرائيل» وهو ما انتهى إلى تدخل «إسرائيل» لإجلاء 800 إرهابي من «الخوذ البيضاء» وعائلاتهم على إثر تمكن الجيش العربي السوري من تحرير درعا والقنيطرة ومعبر نصيب الواقع جهة الحدود الأردنية.. جاء تدخل «إسرائيل» للحؤول دون وقوع أي من إرهابيي «الخوذ البيضاء» في يد الجيش العربي السوري.
ووعياً منها سعت سورية للتحذير من التحضير لأعمال كيماوية من قبل «الخوذ البيضاء» و« النصرة» و«الحزب التركستاني» من خلال معلومات تفيد بأن هناك حركة مشبوهة لجماعة «الخوذ البيضاء» تستقل 8 سيارات «فان» نقلوا شحنة من البراميل من مصنع «أطمة» قرب الحدود التركية متجهين من ريف إدلب الشمالي إلى بعض المناطق في جسر الشغور..وتؤكّد المعلومات أنّ ذلك تمّ تحت حماية إرهابيي ما يسمى «هيئة تحرير الشّام»..وكان الدكتور فيصل المقداد نائب وزير الخارجية والمغتربين قد عبّر عن ردّ سورية على البيان الثلاثي بأن الأمر يتعلق برد فعل ناتج عن الانتصارات التي حققتها سورية في تحرير مناطق كانت تحت سيطرة الإرهابيين، مؤكداً أن سورية بلّغت المنظمة المعنية بحظر السلاح الكيماوي بتحركات «النصرة» وإدخالها مواد سامة عبر الحدود التركية..
لن تغير هذه البيانات شيئاً في معادلة الصراع، فالقيادة السورية اعتادت على هذا التلويح منذ السنوات الأولى من العدوان، ولن تكون إدلب أصعب من الغوطة الشرقية.
ثمة إحساس بأنّ سورية ماضية في إكمال انتصاراتها، وقد بات هذا أمراً واضحاً لدى الرأي العام الأمريكي، ليس آخره المقال الذي نشرته «واشنطن بوست» للكاتب إيشان ثارور، حيث قال: «إن الكتابة على الجدار الآن هي: النظام السوري باق ولن يذهب»..لم يكن إيشان ثارور بصدد الميل إلى محور سورية لأنه ردّد كل ما تنسبه الدعاية المغرضة ضد سورية ولكنه يصف الواقع بالقول «إنّ الأسد صمد على الرغم من كلّ ذلك حيث استعاد مناطق كثيرة كانت تحت سيطرة الإرهابيين».. وقد اعترف ايشان ثارور بأنّ «السياسة الإقليمية كانت في مصلحة الأسد، فتعقيد الحرب أدى إلى ذهاب شهية الغرب لتغيير النظام، وحتى في ظل استمرار احتلال مناطق من سورية، تركيا في الشمال، وأمريكا مع حلفائها من بعض الأكراد في الشرق، فهذا لا يبدو أنه يهدد حكم الأسد».
وكانت «واشنطن بوست» قد نشرت سابقاً مقالاً للصحفي الأمريكي هانريك بانتينوي يؤكد فيه أنّ الرئيس بشار الأسد بات قاب قوسين أو أدنى من إعلان انتصاره الكبير على العالم وفي طليعته الولايات المتحدة.. في نظر هذا الصحفي الأمريكي فإنّ الرئيس الأسد فائق الذكاء ولم يعد يطاق في الغرب حين تلقت أمريكا صفعات قوية من قبل هذا الرئيس الشّاب.. وذكر الصحفي نفسه بأنّ الجيش العربي السوري جيش عظيم يستحق الاحترام، وقد نهض بما لا يحتمله أي جيش في العالم.. وطالب الولايات المتحدة بأن تقوم بدل محاولة البحث عن «إسقاط الأسد» بالبحث عن سبب بقائه في السلطة حتى الآن وسبب ولاء الجيش العربي السوري وحب الناس له.. وقال: إن الشعب السوري ليس شعباً متخلفاً وهو متابع للأخبار ولا ينطبق عليه تصنيفه من دول العالم الثالث.. إنه شعب تحتاج إليه كل دولة تريد البقاء على مستوى العالم كله.
أعتقد بأنّ هذا ليس رأي صحفي يكتب كلاماً غريباً في صحيفة وازنة في الولايات المتحدة الأمريكية، بل هذه هي الحقيقة التي لا يفعل القادة في الولايات المتحدة سوى تأجيلها وإخفائها لمزيد من ربح الوقت الضروري استراتيجيا لنيل أكبر قدر ممكن من المكاسب.. الأمريكيون يدركون أنّ سورية ستعلن عن انتصارها الحتمي في هذه المعركة وهي تناور بالقرار والموقف لحسابات تدخل في تقدير نظرية الألعاب، لكن من يقرأ الأحداث في سياق خارج الحسابات الجيوستراتيجية للحرب سيستمر عبثاً في انتظار «سقوط» سورية في يد «معارضة» لا تشبه المعارضات و«تنظيمات مسلحة» لا تشبه الثّوار.
بات من السهولة هضم انتصار سورية بدل البحث عن انتظارات سوداوية تجلب المرض للعقل السياسي لخصوم سورية الكبار منهم والصغار، فمع وصول الجيش العربي السوري إلى ريف إدلب وبدء الاستعدادات الكبرى لتحريرها من يد الإرهابيين، سنكون أمام آخر فصول ملحمة الانتصار السوري.. ففي هذه المعركة تنتصر سورية لمفهوم السيادة والاستقرار، وتضفي مزيداً من جدوى القانون الدولي.