يبدو أن حكايات ألف ليلة وليلة ما زالت تُنير ليالينا، تاركةً الكلام المُباح يُعلن نهايته مع انبلاج النهار وصياح الديك، فما استثمره الكاتب المصري «محفوظ عبد الرحمن» رحمه الله، في مسرحيته «حفلة على الخازوق» من تلك الحكايات بعد نكسة حزيران لا يزال يمتلك الصلاحية والمشروعية، إذ لم يتغير الكثير من العسف والتسلط والزيف الاجتماعي، حتى كأننا نعيش الزمن نفسه بانعكاسات أخرى اتكأ عليها «زيناتي قدسية» في إعداده للمسرحية ذاتها التي تُعرض على خشبة مسرح الحمراء بإخراجه أيضاً، إذ حافظ على نمطية «الأشخاص»، من دون تغذية خلفياتها الاجتماعية، ولا السعي لتحويلها إلى «شخصيات» مُعاصرة بالحد الأدنى، بل آثر الإبقاء على روح الحكاية، مُلبِساً «مدير السجن.. جمال العلي» و«جنديّه.. زهير البقاعي» وبقية حاشيته ملابس العصر الحجري، تاركاً «المُحتَسِب.. علي كريم» بزيّه التقليدي وطريقة كلامه وحركاته التي تُمليها وظيفته كما رُسِمَت منذ مئات السنين، بينما أعطى لـ«نائب الزعيم.. قصي قدسية» سمات الرايخ الألماني، ضمن توليفة فنتازية سمحت له بمساحة من الحيوية، وقدرة عالية في التملُّص من مقص الرَّقيب، والهرب من الإسقاطات المُباشرة، رافقتها توليفة موفَّقة من أزياء وديكورات محمد خليلي، وماكياج منور العقاد، ساهمت بإيصال مقولة العرض بأن الفساد مستمرٌ بأبشع صوره، ولو كان ذلك على حساب الناس وحيواتهم، وأن استغلال المناصب وما يحيط بها من سطوة من دون أي رادع أخلاقي أو اجتماعي ما زال على حاله، وهو ما جعل مدير السجن والمحتسب ونائب الزعيم يضعون ضمائرهم جانباً في محاولة للاستئثار بجسد «هند.. صفاء رقماني» الراغبة بإنقاذ خطيبها «حسن.. رائد مشرف» الذي تحوَّل إلى كبش فداء للمُحافظة على بقاء الجميع، إذ اتُّهم –لمجرد مروره من أمام قصر الزعيم- بأنه يخطط لاغتياله، فما كان من خطيبته نتيجة معرفتها بمؤامراتهم، إلا استخدام سطوة إغوائها ودعوتهم واحداً تلو الآخر إلى منزلها في التوقيت ذاته من يوم الخميس بحجة غياب خادمتها، حيث تكون قادرة على الحصول على صك براءة خطيبها، هي الوحيدة التي ادَّعت أن «حسن» أخوها، لكنها اتَّبعت أسلوب النكتة نفسه إذ تدَّعي أن زوجها هو من يطرق الباب مع كل واحد منهم، فيضطرون للاختباء، ويجتمع المخدوعون السُّذَّج فوق بعضهم، كل منهم في صندوق من الصناديق التي صنعها «النَّجار.. مصطفى المصطفى» الولهان والسِّكِّير، لتكشف استغلالهم أمام زعيمهم، لكن الفرحة لا تكتمل بإطلاق سراح «حسن»، إذ إن معاون مدير السجن، ومساعد المحتسب، ومستشار نائب الزعيم كانوا شخصاً واحداً على اختلاف الأزمنة «جسده محمود خليلي» استطاع بدهائه أن يحظى بثقة «الزعيم.. زيناتي قدسية» وهو العارف بخفايا الأمور كلها بثعلبيته الواضحة، لتستمر الورطة، إذ تظهر هذه الشخصية كالسياف مسرور المُستعِد دوماً للإطاحة برأس الإنسان الذي دعته الحاجة لأن يكون في موقع المُدافع دائماً عن حياته في ظل جور «شهريارات» الحكاية والواقع المرير.

إن جعل كل مشهد ينتمي لحقبة مختلفة حقَّق استمرارية في الزمن، وإضاءة مهمة على الذهنيات غير المؤتلفة مع بعضها، لكنها في الوقت ذاته تشترك في إدارة شؤون الناس، وفق مفاهيمها الزمنية المختلفة، وخصوصية رؤية كل منها للواقع، ما يزيد من مرارة الحال، ولاسيما أن الجميع غير قادر على إحقاق الحق، بل الالتفاف عليه وإدارة البوصلة نحو المكاسب الشخصية فقط، ولو أدى ذلك للإطاحة بميزان العدل من أساسه.

ورغم هول الظلم والاستهتار بحياة الناس والخوف من القادم الأسود، إلا أن تعزيز العرض بالكوميديا خفف من وطأة ذلك على المتابعين، تاركاً مسافة بين متعتهم الآنية والتفكير فيما بعد بمغازي العمل ومقولاته، إضافة إلى الجرعة الكبيرة من الحيوية التي بثَّها الممثلون بروحية اختلفت هذه المرَّة عما في سابق أعمال قدسية، عندما كنا نتلمس في جميع الممثلين أداءً متماثلاً لأدائه هو نفسه كممثل، إضافة إلى جاذبية الكلام والحوارات التي استخدمت فيها اللغة الفصيحة مُطعَّمةً بالعامية والسوقية في بعض الأحيان، مع أغنيات الكراجات وبعض البذاءة المُحببة المُتناسبة مع المواقف الدرامية والمفارقات التي اختتمت بحفلة رَقَصَ فيها الجميع كلٌّ على «خازوقه» بعد انكشاف أمرهم، ما حقق متعة عالية للجمهور ابتدأت بعد أن بالَ النَّجار المأسور في الصندوق العلوي على الفاسدين في الصناديق تحته، ولاسيما مدير السجن المسجون، وكأن ذلك اندغم مع ما يرغبه المتابعون من تحجيم للفساد رغم معرفتهم بأنه لا خلاص نهائياً من هذا الداء.