يقولون: إن مهمة المثقف هي إزعاج السلطة، وإن المثقف الذي يتوقف عن إزعاج السلطة بسبب تدجينه داخل أجهزتها أو خارجها يفقد صفته كمثقف. السلطة في بلادنا تُختصر بالسلطة السياسية، لذلك يتحول المثقف الذي يواجهها إلى بطل، والذي يسقط في هذه المواجهة يتحول إلى شهيد في تكرار لصورة »الملك الفيلسوف» الأفلاطونية أو «المثقف- المسيح» حسب إدوارد سعيد. لكن في الحقيقة فإن السلطة السياسية ليست سوى التعبير النهائي عن تحالف مجموعة من السلطات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لذلك ففي أغلب الأحيان يكون المثقف جزءاً من السلطة، سواء كان داخلها أو معارضاً لها، المثقف هو الذي يصنع ثقافة القبول الاجتماعي والاقتصادي التي تستعملها الطبقات الحاكمة للوصول إلى السلطة.

قد يسهل فهم هذا الطرح إذا تعلق الأمر بالمثقف المنخرط في السلطة، لكنه يبدو صعب الفهم إذا تعلق بالمثقفين الذين يدّعون «المعارضة»… أغلب المثقفين المنضوين تحت ما يسمى المعارضة يبررون مواقفهم بأن السلطة في بلادهم غير شرعية، والشرعية المقصودة هنا محصورة بشكلين لا ثالث لهما؛ الديمقراطية الليبرالية بنمطها الغربي، وهو ما تنادي به أغلبية مثقفي المعارضة بغض النظر عن موقفها السياسي (ليبرالي، يساري، يميني)، والشرعية الدينية التي يتصاعد عدد المطالبين بها مع ازدياد قوة ما يسمى «الإسلام السياسي»، ويتفق الإسلاميون مع القوى الأخرى على اعتماد النموذج الليبرالي طريقاً للوصول إلى الحكم، مع استعداد «الإسلاميين» للانقلاب على حلفائهم بعد تحقيق هدفهم، كما حدث في مصر وتونس.

أثبتت الأحداث التاريخية، منذ ثورة الطلاب في باريس 1968 وحتى اليوم، أن المثقفين المؤمنين بالديمقراطية الليبرالية، ينحازون في الأزمات إلى مصالحهم، وليس إلى مصالح الشعب، هذا ما فعله المفكر الشيوعي الفرنسي ألتوسير عام 1968 عندما عدّ ثورة الطلاب غوغاء. أو أن يغادر هؤلاء المثقفون إلى صفوف أعداء الوطن؛ كما فعل مثقفو «الربيع العربي» من أمثال عزمي بشارة، وبرهان غليون، وصادق جلال العظم وسلامة كيلة وغيرهم.

في حوارين مع شاعر مصري وسينمائي سوري يصفان نفسيهما بـ«المعارضين»، سألتهما عن سبب انحيازهما «للمعارضة» فكان الجواب واحداً رغم أن الفاصل الزمني بين الحوارين يزيد على عشر سنوات «نريد أن يحكمنا مدنيون»، «لا نريد العسكر»… وعندما واجهتهما بفكرة أن آيزنهاور وديغول كانا عسكريين، حصلت مرة أخرة على الإجابة ذاتها تقريباً «لكنهما انتخبا بطريقة ديمقراطية».

المشكلة إذاً بالطريقة التي تصل بها إلى السلطة، وليس بمن يحكم فعلاً، حتى لو ارتكب مجازر بحق شعوب ودمر دولاً، وحتى لو كان رأسمالياً فاسداً يحقق رفاه شعبه على حساب شعوب أخرى، فهذه ضريبة الديمقراطية. وهكذا يستطيع المثقف الجلوس في مقهى في باريس، أو الحصول على وسام فارس من الجمهورية الفرنسية، أو أن يتسوق من متاجر لندن الفاخرة، ويصلي ويخطب في مساجدها، وتصبح الديمقراطية والحرية مبرر انحيازه إلى ترامب وماكرون وبلير وبوش، ضد ما يمثله الرئيس بشار الأسد والسيد حسن نصر الله وجمال عبد الناصر وحافظ الأسد.. فهل فعلاً المثقف أكثر استعداداً للخيانة؟!

لست متأكداً إذا كان لينين قد قال كلاماً بهذا المعنى، لكنني متأكد أن جوليان بندا وضع كتاباً عنوانه «خيانة المثقفين» عام 1927، وهو الموقف ذاته الذي أخذه إدوارد سعيد، وفرانز فانون في كتابيهما «معذبو الأرض» و«بشرة سمراء وأقنعة بيضاء»، والشهيد مهدي عامل في منطلقاته النظرية… كل هؤلاء انطلقوا من الموقع الطبقي للمثقف كجزء من البرجوازية الصغيرة، ما يدفعه إلى الانحياز باكراً في مرحلة ما بعد الاستعمار إلى الخيارات الليبرالية، حتى لو كان يرفع شعارات متطرفة يميناً أو يساراً، ولعل الاستثناء الوحيد كان من سماهم غرامشي «المثقفين العضويين»، لكن هؤلاء لم يصمدوا طويلاً أمام أمواج الليبرالية، وتحولوا إلى دعاة «إنسانويين»، أو انخرطوا في عجلة المجتمع الرأسمالي مباشرة، كما فعل معظم مفكري مدرسة فرانكفورت، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي أصبحت كلمة مثقف علامة تجارية تعني الانحياز اقتصادياً وسياسياً إلى النموذج الغربي الليبرالي.

مع مطلع الألفية الثانية، جاء توحش الرأسمالية على شكل عنف معتمد على القوة الغاشمة، فارتكبت المجازر بحق الشعوب على طول الأرض وعرضها، واتخذ المثقف الليبرالي موقفاً فصامياً، فهو من ناحية «إنسانوي» يرفع شعار حقوق الإنسان والديمقرطية، ومن ناحية أخرى متمسك بموقفه من الديمقراطية الليبرالية داعياً إلى تعميمها، فتحالف المثقف الليبرالي العلماني، الذي لا يملك الجمهور، مع الإسلام السياسي، الذي يملك الجماهير ولا يملك «المثقفين»، ليصنعا معا ما عرف بـ «الربيع العربي».

بعد أن سقطت أهداف «الربيع» المزعوم على أبواب دمشق واللاذقية وحلب ودير الزور، ها هو اليوم يطل برأسه مرة أخرى بعد المجازر التي ارتكبتها الرأسمالية في بلادنا تحت شعار «جلب الديمقراطية»، ويطرح علينا شعاراته المغلفة بلباس علماني أو ديني، ويعيد إنتاج مقولات ليبرالية فضفاضة مثل «التعدد الثقافي» و«ثقافة الاعتدال»، و«الدولة المدنية»، وذلك للسيطرة على المجتمعات الخارجة من أزمات وحروب مزقت جزءاً كبيرة من نسيجها الاجتماعي، ومصوراً الأمور وكأن الحل لكل هذه الأزمات بيد مثقفيه وثقافته.

إذاً لم نتعلم الدرس الذي لقنته لنا الأزمة، فعلينا الاستعداد لأزمة جديدة بعد سنة أو سنتين أو عشر سنوات، الدرس الأول الذي تعلمناه أن المثقف الجذري النابع من الوطن والوطنية هو الوحيد القادر على ترميم الفجوة التي نتجت عن الأزمة، قد تكون ثقافته أكثر شعبوية، أو أقل تعقيداً وأكاديمية، لكنها الثقافة المطلوبة.

لكي يعود المواطن إلى حضن الوطن «فعلياً» لا يحتاج معرفة هايدغر أو فوكو، ولا معرفة ما حدث في سقيفة بني ساعدة، ولا معرفة «تفاصيل الخلاف بين الطوائف داخل الدين الواحد»، أو بين المسلمين والمسيحيين، بل يحتاج أن يقرأ في المدرسة أو الجامعة عن وطن، ثم يخرج إلى الشارع ليجد الوطن نفسه، نعم نحتاج اليوم شباباً، وشبية الثورة، وطلائع البعث، وأشبال الثورة الفلسطينية، نحتاج ثقافة ينتجها مثقفون منخرطون في العمل في الميدان، يعيدون إعمار بلدهم بأيديهم إلى جانب العمال والفلاحين، ولا نحتاج ثقافة تفرض علينا قسراً سواء جاءت من قاعة مركز ثقافي أو منبر جامع.