آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب و آراء » برسم مجلس القضاء الأعلى

برسم مجلس القضاء الأعلى

11-10-2018

| نبيل الملاح

كنت قد كتبت العديد من المقالات حول السلطة القضائية وواقع العمل فيها، وقدمت بعض الرؤى والأفكار لمعالجة الخلل الحاصل في بعض مفاصل هذه المؤسسة وإعادة تأهيلها لتكون المؤسسة الرافعة لكل مؤسسات الدولة، ومحاربة بعض الفساد الذي اخترقها وأصبح حديث الناس صغيرهم وكبيرهم من المتقاضين مدعين ومدعى عليهم ومحامين وغيرهم، وناشدت عدد من رجال القضاء المشهود لهم بالنزاهة أن يبادروا إلى التصدي لمن يسيء إلى مؤسستهم التي من دونها لن يتحقق العدل والأمن المجتمعي والحفاظ على حقوق الناس وثروات الوطن، وركزت على ضرورة الاستعانة بالقضاة الكبار المتقاعدين الذين ما زالوا قادرين على العطاء والمساهمة في إعادة بناء المؤسسة القضائية.
لكن على ما يبدو أن ما قدمته لم يصل لاهتمام مجلس القضاء الأعلى، وبقي حبراً على ورق، واستمر الوضع على حاله؛ بل ازداد سوءاً بسبب غياب المحاسبة الفعالة للفاسدين والمسيئين والمقصرين والمهملين، وعدم معالجة الشكاوى بجدية وحزم؛ فمعظم الشكاوى يكون مصيرها «الحفظ».
لقد اقترحت في مجال تفعيل إدارة التفتيش القضائي، تأمين الكادر اللازم لها والاستعانة بالقضاة المتقاعدين ضمن إطار الدراسة وإبداء الرأي كأن يعطوا عدداً من ملفات الدعاوى لدراسة الإجراءات الجارية في الدعوى المشكو منها ومدى سلامتها ومطابقتها للقانون.
واقترحت إحداث إدارة مستقلة تتبع مجلس القضاء الأعلى باسم «إدارة المتابعة والتأهيل والتدريب» يرأسها أحد معاني وزير العدل ويكون عضواً في المجلس، وتتولى هذه الإدارة متابعة تنفيذ القرارات التي تصدر عن مجلس القضاء الأعلى ورفع تقارير عن مدى تنفيذها والمعوقات التي تظهر ومتابعة عمل وأداء القضاة وإقامة الدورات التأهيلية والتدريبية في إطار الخطط والسياسات التي يضعها مجلس القضاء الأعلى، ووضع الصيغ والآليات الناجعة لمراقبة أداء القضاة والعاملين في مختلف دوائره وإعادة تأهيلهم قبل انتقالهم إلى الدرجة الأعلى لزيادة علومهم ومعارفهم وتوحيد فهمهم لصحيح القانون.
ولتحقيق شعار «نحو قضاء سريع وعادل» الذي أقرته المؤتمرات القضائية، اقترحت إعادة النظر ببعض القوانين وعلى الأخص قانون أصول المحاكمات المدنية لإزالة الغموض والالتباس الذي يؤدي إلى فسح المجال للتفسيرات والاجتهادات التي قد تأتي خلافاً لقصد المشرع وغايته، وإعادة النظر بالأحكام التي تتعلق بالشكل في إجراءات التقاضي ما يمنع الاستناد إليها واستغلالها لتأخير البت بالدعاوى على حساب الموضوع والحق.
وحتى لا يكون كلامي كلاماً مرسلاً، سأذكر حالة تدل بوضوح على ما قلته، فلقد قام مصفّ قضائي لشركة تجارية بتقديم دعوى بتاريخ 21/12/2015 لرفع حجز احتياطي على أموال الشركة التي صدر قرار قضائي بحلها وتصفيتها واكتسب الدرجة القطعية؛ الذي كان قد صدر عن المحكمة الناظرة في القضايا المستعجلة لمصلحة أحد الشركاء الذي باع حصته في الشركة إلى شخص آخر، وذلك بالرغم من أن محكمة الموضوع ردت طلبه بإلقاء الحجز، معتقداً أن هذه الدعوى سيتم فصلها بسرعة نظراً لوضوح الحق والحيثيات القانونية التي توجب رفع الحجز ولاسيما أن الشركة قيد التصفية، إلا أن هذه الدعوى أخذت مساراً بل مسارات مختلفة، ما اضطر المصفي القضائي إلى تقديم شكوى أُحيلت إلى إدارة التفتيش القضائي، وعلى أثرها تنحى القاضي عن الدعوى بدلاً من أن يصحح مسارها، وأحيلت إلى محكمة أخرى، وبعد أن انتقل القاضي الذي تنحى قام القاضي الذي تم ندبه للنظر في الدعوى بإعادة الدعوى إلى المحكمة المعنية التي اتخذت قراراً بالرجوع عن القرار الذي سبق واتخذه القاضي الذي تنحى بإدخال الشريك الجديد بالدعوى، وكان هذا القرار صائباً وصحيحاً وفقاً لوقائع الدعوى وحيثياتها. وفوجئ المصفي القضائي بصدور قرار عن محكمة البداية المدنية العاشرة في دمشق بتاريخ 30/9/2018 بإعلان عدم اختصاص هذه المحكمة للنظر في الدعوى الماثلة وإحالتها بحالتها الراهنة إلى محكمة البداية التجارية في دمشق.
والسؤال: هل هذا القرار ومجريات الدعوى يحقق شعار «نحو قضاء سريع وعادل»؟ فالدعوى مرفوعة بتاريخ 21/12/2015، وتحال إلى المحكمة التجارية بعد ما يقارب ثلاث سنوات بحجة عدم الاختصاص؟ وهناك الكثير من الدعاوى التي تمت كذلك.
أضع هذا السؤال بتصرف مجلس القضاء الأعلى الذي يقع على عاتقه مسؤولية تصحيح الخلل الحاصل في بعض المحاكم والدوائر القضائية، ومكافحة الفساد كما وجه السيد رئيس الجمهورية، والتنبه إلى أن القضاء هو السلطة الفاعلة والأهم في مكافحة الفساد.
وأؤكد على ضرورة تعميم القرار الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 2/5/2018 الذي جاء فيه «أن القضاء مؤسسة عدل وإنصاف وليس مؤسسة اصطياد المتقاضين بأخطاء لا قيمة لها على شكليات وموضوع الحق المدعى به، على جميع القضاة والمستشارين التقيد بهذا المبدأ تحقيقاً لشعار «نحو قضاء عادل وسريع».
وهنا أسأل لأختم: ألا يعتبر القاضي الذي يتصيد الأخطاء الشكلية، مرتكباً لخطأ مهني جسيم؟ وهل القاضي الذي تتكررت أخطاؤه المهنية الجسيمة، يصلح لأن يكون قاضياً؟

(سيرياهوم نيوز/5-الوطن)
Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أما آن الأوان لقانون جديد للأحوال الشخصية؟

| صبا العلي  17-12-2018 قد يفاجأ كثير من السوريين بأن قانون الأحوال المدنية لا يرجع إلى عام (1953) إنما إلى أواخر الحكم العثماني عام (1917) ...