آخر الأخبار
الرئيسية » شخصية الاسبوع » ‏‫شاعر الهند العظيم طاغور 

‏‫شاعر الهند العظيم طاغور 

* ماهر محمد غانم
الحبّ والجمال عنصران رئيسيان في حياة الإنسان ويلعبان دوراً بارزاً في تثقيفه وتنويره، وفلسفة شاعر الهند العظيم (طاغور) كلها تدور حول الحبّ والجمال الإنسان في العالم، إذ يصبح الحبّ البشري معبراً عن الحبّ الإلهي، فالحبّ هو المعنى الأسمى لكل  ما يحيط بنا، فإن كان نور الشمس يفتح باب الكون فإن نور الحبّ يفتح كنوز العالم ولذلك علينا أن نحبّ لكي نعمل وعلينا أن نعمل لكي نحبّ.
عاش طاغور كل حياته مؤمناً بالإنسان والحبّ والجمال و أنتج فكره النير كل القيم من أجل الإنسانية وخير دليل على ذلك ما نقرأه في رسالته الأخيرة حيث يقول فيها:
«مهما يكن من شيء، فإني لن ارتكب الخطيئة الخطيرة»
خطيئة فقدان الإيمان بالإنسان أو الإذعان للهزيمة التي حاقت بنا في الوقت الحاضر على اعتبارها نهائية وحاسمة، بل سأظلّ اتطلع بأمل إلى تحول في مجرى التاريخ بعد أن تزول هذه الغمة الجاثمة، وتصفو السماء ثانية وتهدأ، وربما بزغ الفجر الجديد من أفقنا هذا، أفق الشرق حيث تشرق الشمس، وعندئذ تهب روح الإنسان التي تهزم لتقوده من جديد إلى طريق، طريق التقدم رغم العوائق، ليسترد تراثه الضائع» عاش طاغور أنبل ما يعيش الإنسان، وفاضت قريحته بأروع ما أنتجته قريحة شاعر مبدع فنّان وفيلسوف عظيم، فطاغور النبيل ينحدر من اسرة بنغالية عريقة ونشأ في جو منزلي يموج بالموسيقى والشعر هائماً لا تقيده قيود، وفي السابعة من عمره فقد أمّه فبكاها وكتب في رثائها أروع أشعاره قائلاً:
«سأنظم بدموع آلامي عقوداً ومن الدر أزين بها عنقك يا أمي، وحزني سيبقى لي وحدي لقد أنطفأ المصباح الذي كان ينير ظلماتي».
كتب طاغور للعالم كله ونشر فيضاً من دواوينه الشعرية وقصصه ومسرحياته وقد توالت عليه المآسي والمصائب وخاصة بعد فقدان زوجته التي أحبّها حبّاً لا حدود له، وذلك سنة 1902 وإثر ذلك فجع بابنته الكبرى سنة 1904 ووالده سنة 1905 وابنه الصغير سنة 1907 لكنه لم يضعف ولم يهن فمضى  في طريق المجد قائلاً: إن عاصفة الموت التي اجتاحت داري، وقصفت أبنائي كانت عليّ نعمة ورحمة. لقد جعلتني أحسّ بنقصي، فدفعتني لطلب الكمال، والهمتني أن العالم لا يفتقد ما يضيع منه
طاغور وروائعه وجائزة نوبل
ألقت السيدة أميرة عباس نائب أمين الجمعية العلمية التاريخية، محاضرة عن الشاعر الهندي العالمي «طاغور» مبينة مراحل حياته وعبقريته التي انتجت، وقدمت للتراث الإنساني القصائد والمسرحيات والمجلدات والروايات واللوحات الفنّية والموسيقى.
 البـــــداية
ولد شاعر الهند العظيم طاغور (رابندرانات) ويعني الشمس بالهندية في 6 أيار عام 1861 لأسرة ميسورة الحال في بلاد البنغال في مدينة (كالكتا) وتلقى تعليمه في منزل نهل من ثلاثة منابع للثقافة (البنغالية- الهندية- الانكليزية).
قال عنه غاندي: إنه منارة الهند والحق أنه منارة الشرق كله ونداء الإنسانية والمحبة والجمال، كان مبدأه البساطة والعمل وهكذا فقد أضاء شمعة بدلاً من لعن الظلام، فسطعت وأضاءت في النفوس التواقة إلى الحق، لذا كان يُعد في حياته أكثر الشعراء صوفية و أكثر الصوفيين شاعرية وفي ذلك دلالة على ما بلغته نفسه من صفاء ونقاء وصدق وما وصلت إليه روحه من ارتقاء.
أنشد للحياة قائلاً: «أصبحت متفائلاً بطريقتي الخاصة إذا لم أستطع العبور من أحد الأبواب فسأقصد باباً آخر أو أصنعُ باباً، سيأتي أمرٌ رهيب مهما كان الحاضر مظلماً.
عند شروق الشمس افتح قلبك وارفعه كزهرة تتفتح وعند الغروب احن رأسك، وفي الصمت أكمل عبادة اليوم».
وتابعت عباس: حين تقترب من طاغور يّناسم روحك شعورٌ أنك في معبد‘ فتتكلم هامساً وإن أتيح لك بعد هذا أن تتملى قسمان وجهه الدقيقة الأبية، فإنك واجدٌ خلف موسيقى خطوطها الأحزان التي هيمن عيلها والنظرات التي لم يداخلها الوهم والذكاء الجريء الذي يواجه صراع الحياة في ثبات.
كان غنياً غزيراً  بإنتاجه وأذكر من مؤلفاته:
روائع في المسرح والشعر (جني الثمار) وهكذا غنى طاغور وذكرياتي والبستاني. نال طاغور جائزة نوبل للسلام في الآداب عام 1913. وقدم للتراث الإنساني أكثر من ألف قصيدة وحوالي 25 مسرحية ومجلدات قصصية وروايات، إضافة إلى عشرات الكتب والمحاضرات في الفلسفة والدين والتربية والسياسة والقضايا الاجتماعية، وإلى جانب الأدب اتجهت عبقريته إلى فنّ الرسم الذي احترفه في الستين من عمره، وأنتج آلاف اللوحات، كما كانت له صولات إبداعية في الموسيقى وألّف أكثر من ألفي أغنية أضحت أثنين منهما النشيد الوطني للهند والنشيد الوطني لبنغلادش.
إن الذي يملأ نفسك في حضرة طاغور روحً نقية شغوفٌ بالجمال في كل مكونات الكون باحثاً عن تفاصيله وعن اليقين والصفاء قائلاً:
– لم انطفأ المصباح؟
لقد حطتهُ بمعطفي ليكون بمنحى من الريح/ ولهذا فقد انطفأ المصباح
– لم ذوت الزهرة؟
لقد  شددتها إلى قلبي في شغف وقلق/ ولهذا فقد ذوت الزهرة
– ولم نضب النهر؟
لقد وضعت سداً في مجراه لأفيد منه وحدي/ ولهذا فقد نضب النهر.
– لم انقطع الوتر؟
لقد حاولت أن أضرب عليه منغماً أعلى ما تطيقه قدرته/ ولهذا فقد انقطع وتر العزف.
وفي مثال آخر نقرأ لطاغور:
في رؤيتهخ لحب الطبيعة وحب الله يقول في ذكرياته:
كانت الشمس تشرق بتؤده فوق أوراق الأشجار، وفجأة بدا وكأن نقاباً انزاح من أمام ناظري، لقد أبصرت العالم كله مغموراً بمجد يفوق لم يكن ثمة شيء أو أحد لم أكن أحبه في تلك اللحظة، وفي كلية رؤياي لاح لي أنني كنت شاهداً على حركات جسم الإنسانية بأسرها شاعراً بموسيقى الكون وبإيقاع رقصة سرية.
إنه طاغور الشاعر الذي تغنّى بأشواق الروح ليطهر الجسد ويعلن نداء الخير ليسكت صرخة الشر ويشهد بجمال الموت ليسمو بجمال الحياة ويهدهد أحلام القلب لينير جلال العقل، نعم إنه فيلسوف يتسامى إلى ما وراء الطبيعة لا يكن يهجر بيتها بل لكي يستجلى أسرارها على هوى من الإشراق الإلهي.
إنه الصرفي الذي يلبس عباءةً من لونٍ جديد في دنيا الصوفية لون محبب للنفس والعقل معاً فكان يرى المخيلة تختال وتصنع الواقع والخيال.
المرأة والحبّ والفن والجمال في فلسفة طاغور
أخذت المرأة حيزاً كبيراً في فلسفة طاغور فقد جعلها في الحياة ميزاناً للإنسانية ثار على التقاليد البالية ورفض أن تكون الزوجة سجينة بالبيت بل هي رفيقة درب تساعد الرجل في السرّاء والضرّاء وتجاريه في نظرته إلى الحياة لذلك أرادها حرة وطلب من القوانين والرجل أن تتساوى به، فدعا إلى تعليم المرأة والإصلاح الاجتماعي.
في ديوانه (جني الثمار) تحدّث طاغور عن الحبّ والحرص على الحبّيب والسعادة الزوجية والتجدد الدائم في الحياة.
لقد اعتقد أن الله لم يخلق المرأة إلا بعد أن جمع ما جمعه من الطبيعة فأخذ من القمر استدارته… ومن النجوم لمعانها ومن البحر عمقه ومن الشمس وهجها ومن الرياح تقلبها ومن النهر هدوءه ومن العاصفة عنفها ومن الأمواج مدها وجزرها ومن النسيم رقته ومن الورد لونه وعطره  ومن الذهب لمعانه ومن العسل شهده ومن العلقم مرارته.
ثنائية الحياة والموت
كان طاغور دائماً يحاول اكتشاف سرّ الموت إلا أنه كان موقناً إن الكلمة الأخيرة ستكون دائماً للحياة والحبّ مما جعله يهتف في إحدى قصائده «أيها الموت لا وجود لك»
كان لديه اعتقاد مطلق بالتقمّص وأن الروح تنتقل بعد الموت إلى جسد آخر وأن صاحب هذه الروح يتمكن من جديد من الحياة وكلّ ما كان يتمناه بلوغ النفس كما لها وعودتها النهائية إلى الخالق وانتقالها من جسد إلى جسد إلى النجاة والسعي للوصول إلى الارتقاء وبلوغ الحقيقة، ففي ذلك يتخلص الإنسان من الحقد والكذب ويستعيض عن ذلك بالطهر والمحبة.
طاغور الوطني المصلح
أولى الريف الهندي عناية كبيرة وثار على الظلم والتعصب ما وثق علاقته بغاندي وقد بلغ إعجاب طاغور بمحرّر الهند أن أطلق عليه لقب (المهاتما) أي الروح العظيمة أو النفس الكبيرة واتفق كلاهما على تحرير الهند غير أن اندماج طاغور الوطني  لم يحل دون شجبه تقاليد راسخة عدها هي علة تخلف الهند  لاسيّما الحواجز القائمة بين طبقات المجتمع والتي تؤدي إلى تجزئته وإضعافه فضلاً عن تعدد الديانات والمذاهب.
فأكد بلا وجل أن افتخار الهندوسية بتقاليدها هو افتخار باطل وأن تشبثها بها هو سبب انحطاطها معلناً أن الاستقلال الحق هو استقلال الفكر والنفس ودعا إلى تأسيس أعياد يحتفل بها بمواسم الحياة اليومية مثل: عيد الربيع- عيد الزرع- الغرس والحصاد) بدل طقوس دينية فقدت معناها وبراءتها ووضع لهذه الأعياد المستخدمة أناشيد خاصة بها ومسرحيات مستوحاة من رموزها.
لقد كان غاندي يتغنّى بأغنية طاغور دائماً والتي تقول في مطلعها:
 أنا هذا البخور الذي لا يضوع عطره مالم يحُرق.
 أنا هذا القنديل الذي لا يشع ضوؤه مالم يشعل.
طاغور المربـّي والمعلّم:
كان لدى طاغور قناعة تامة أن إصلاح وطنه لا يتحقق إلا بتعليم سليم يضمن تنمية كاملة لكل مواهب الإنسان الذهنية والعاطفية والسلوكية، ورأى أن الاتصال الدائم بالطبيعة هو عنصر أساسي من عناصر النمو الإنساني.
فدعا إلى قرن الجمال بالأخلاق وإلى رفد مبادئ الأخلاق بحسّ الجمال كما دعا إلى ارتباط التعليم المدرسي بحياة الشعب الاجتماعي والاقتصادية.
وفي سبيل ذلك نشر تطلعاته الإنسانية وترسيخها بغية القضاء على الجهل في وطنه، فبنى في مطلع القرن العشرين مركزاً تربوياً أسماه (مرفأ السلام أو منزل السلام) أخذ طاغور على المدارس العامة محاكاتها لمصانع تفتح في ساعة معينة وتغلق في ساعة محددة  توزع منتجاً واحداً لجميع التلاميذ لا يراعي فيها قدرات كل تلميذ وتطلعاته وتفتقر إلى تناسب العلم الموزع مع احتياجات المجتمع، فالمعلّم في معظم الحالات هو تاجرُ معلومات لا همّ له سوى تسليمها و قبض أجره وبذلك تنتهي علاقته بالتلاميذ.
لذلك أولى طاغور اهتماماً لانتقاء معلمين مؤمنين برسالتهم ومالكين لكفاءات رفيعة ويقرنون المثالية بالكفاءة العلمية لأنه كان مؤمناً بأن التربية  لا تبلغ غايتها إلا عندما يتحقق التواصل الفكري والروحي بين المعلم و التلميذ على نحو ما تضاء شمعة من شمعة أخرى.
نهــــــاية المطاف
في الثامن من آب عام 1941 خطف الموت روح الشاعر العظيم من بين رفاقه وأفراد أسرته وكان يعلم أنه مغادر، فكتب قبل أيام من رحيله قائلاً:
– أنا أعلم أنه سيأتي يوم أضيّع فيه هذه الأرض عن ناظري، إن الحياة تغادرني في صمت بعد أن تسدل على عيني الستار الأخير.
وقبل أن يرحل، قدّم عصارة فكره وذكرياته: سأضع أمام زائري كأس حياتي المترعة وكلّ قطوف كرومي وكل حصاد السنين الدؤوب، أنا لا أظفر بالراحة، أنا ظامئ إلى الأشياء البعيدة المنال، إن روحي تهفو تواقة إلى لمس طرف المدى، بعد موتي احفظ لي في صمتك أيها العالم كلمة واحدة لقد أحببت.
وهكذا غربت شمس (رابندرا) كما اسماه والده وانطفأ النغم الرائع وفقدت الهند بغيابه الأبدي، أكبر شاعر عرفته عصورها كلّها.
(سيرياهوم نيوز/٥-الوحدة١٢-١٠-٢٠١٨)
Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الفنان «فؤاد معنَّا»

* هفاف ميهوب ٢٤-١١-٢٠١٨ عشقَ المسرح، حدَّ إيمانهِ بأنه المعبدُ الذي ترتَّلُ فيه النصوص الخالصة لنبضِ الوطن وحياته الثقافية والوجدانية.. عشقهُ وآمنَ به، سبيلاً لترسيخِ ...