بين تفاح «مضروب» وزيتون قليل وتبغ متضرر، لم يجد فلاحو سورية بداً من رفع صوت وجعهم عالياً، وخاصة أن نكبتهم هذا العام كانت من العيار الثقيل، بشكل يجعل إنصات أصحاب القرار لشكواهم المحقة والمبادرة إلى التخفيف عنهم ضرورة ملحة، ولاسيما أن كارثتهم الجديدة لم تحمل توقيع المسؤولين بقلمهم الأخضر على قرارات كانت ويلاً وثبوراً على محاصيلهم، وإنما أتت الضربة القاضية من حيث لا يتوقعون عبر غضب في غير محله لأمنّا الطبيعة، من دون اتخاذ إجراءات وقائية لرد هذا البلاء، لكن أياً يكن المسؤول يفترض اتخاذ إجراءات سريعة المفعول تنصف الفلاحين المتضررين عبر مد يد حنونة تنشلهم من واقعهم المتأزم، بدل تركهم لمصيرهم يقلّعون شوكهم بأيديهم -كما يقال- مع إنهم كانوا السند القوي لاقتصاد أنهكته الحرب وقلّمت أظفار قطاعاته الأساسية.

خطوة التعويض عن أضرار بعض المحاصيل بادرت الحكومة باتخاذها عبر تخصيص 2,7 مليار ليرة، وهذه نقطة إيجابية في مسار دعم الفلاحين المنكوبين، لكنها ليست كافية وخاصة أن أزمتهم الجديدة كشفت خللاً كبيراً في التعاطي مع ملف إدارة القطاع الزراعي وتحديداً المحاصيل الاستراتيجية، التي تدل وقائع الميدان أنه لا توجد رؤية استراتيجية في معالجة شؤونها ومشاكل مزارعيها اللهمَّ إلا إعلامياً، فهموم أهل الكار المتراكمة منذ سنوات، شاهد عيان على ذلك، علماً أن وصفة الإنقاذ معروفة للجميع، لكن هناك من يفضل صم الآذن وإعماء العيون لمنح الفلاحين جرعة دعم إضافية كما يستحقون، فاليوم بعد إثبات القطاع الزراعي دوره الفاعل في ترسيخ الأمان الاقتصادي وحماية المستهلك، يجب اتخاذ قرارات وإجراءات تقوي من شكيمة هذا القطاع وتجعله في قائمة القطاعات الداعمة للاقتصاد المحلي كما في سنوات ما قبل الحرب، وخاصة أنه يمتلك ميزات نسبية غير موجودة في قطاعات أخرى عبر إنتاج سلع تنافسية لأنّها غير موجودة في دول أخرى، فكيف لو تم تصنيعها وتصديرها وتسويقها بطرق عصرية لافتة؟.

نكبة فلاحي سورية الجديدة يفترض عدم التعامل معها كأزمة عابرة تضاف إلى سجل خسائرهم المتواصلة، فالمفروض الانطلاق منها نحو معالجة جدية لهموم قطاع استراتيجي وإعادته إلى صدارة الاهتمام, وطي صفحات إهماله خلال العقد الماضي، فحينما كان الفلاح الفقير أولوية كنا أغنياء وأقوياء اقتصادياً، وهنا لن نقف على الأطلال ونتغنى بأمجاد الماضي مادامت استعادة مجد الاكتفاء الذاتي ممكنة، وهذا لا يتطلب سوى إعادة بوصلة الاهتمام إلى الفلاح وأرضه، ومنع تكرار أزماته المتكررة، تحت أعين المعنيين، الذين نأمل تحركهم سريعاً في هذا الاتجاه وخاصة أن الظروف مواتية لذلك لعل الخير يعم عليهم وعلينا ببركة سواعد الفلاح وأرضه الطيبة.