أصيب هادي بمغص معوي فجأة، قام أهله بإسعافه إلى إحدى العيادات، وطلب منهم إجراء فحوصات وتحاليل وصور طبقي محوري، وكانت الصدمة كبيرة، إذ تبين أن الشخص مصاب بسرطان القولون بالجهة اليمينية والإصابة بأولها ، وإمكانية علاجها بسيطة، ليقرر الطبيب إجراء عملية جراحية لاستئصال الورم وقطع جزء من القولون لإنهاء وجود المرض حضر المريض للعمل الجراحي في مشفى خاص، وعلى وجه السرعة قام طبيب الجراحة الذي لم يطلع على الصور ليعرف جهة المرض فقام بفتح الجهة اليسرى للمريض وقام بقطع جزء كبير من القولون وأرسله للتحليل، ليتبين لهم فيما بعد عدم وجود المرض بالجزء المستأصل من القولون، وبدأ بطن المريض ينتفخ وتسوء حالته الصحية، والقصة لم تنته هنا..
أعيد للمشفى وأجري له عمل جراحي آخر وهو تنظيف البطن من المفرزات والإنتانات وقطع الجزء المصاب من الأمعاء.. المريض لم يشفَ أبداً وحالته استمرت بالتدهور، وتم نقله إلى مشفى حكومي، وقرر الأطباء هناك أن حالته مستعصية ولا أمل بالشفاء، بسبب الإنتانات والخطأ الطبي الذي حدث معه.. وتوفي المريض بعد أربعة أشهر من العمل الجراحي الأول.
وبعد رفع دعوى قضائية والدخول في متاهة القضاء وبعد الاطلاع على كل تفاصيل أسباب الوفاة مرفقة بالتقارير الطبية وتقرير الخبرة المتضمن نتيجة الوفاة الناجمة عن خطأ طبي، تم تعويض أهله وعقوبة السجن شملها العفو.. هكذا بكل بساطة العالم..!.

تقول المحامية هيام وهبة الموكلة عن أهل المريض: إن الدعوى أسست بناء على الخطأ الطبي الذي أفضى إلى الموت، وتحكمه المادة ٥٥٠ عقوبات عامة، وتنص على أن كل من سبب موت أحد عن إهمال أو قلة احتراز أو عدم مراعاة القوانين أو الأنظمة عوقب بالحبس من ستة أشهر الى ثلاث سنوات، مبينة أن هذه العقوبة غير كافية لكن هذا ما نص عليه قانون العقوبات، ويجب أن تكون رادعة لتصل إلى حد سحب الشهادة.
وفي قصة أخرى يروي أقارب المريضة (م. د) البالغة 23 عاماً أنها دخلت منذ حوالي عام، غرفة العمليات بأحد المشافي في محافظة حماة، لإجراء عملية انحراف وتيرة وتجميل أنف، لكن الأمر انتهى بها إلى دخولها بحالة غيبوبة، ولايزال طبيب التخدير والجراح متواريين عن الأنظار منذ ذلك الحين، ويرجح أهل المريضة أن الخطأ تخديري نتيجة جرعة تخدير زائدة.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد فما أكثر الأشخاص الذين دخلوا غرف العمليات وعادوا إليها بعد فترة وجيزة بسبب نسيان «شاش طبي» في بطن المريض أو استئصال للزائدة الدودية بناء على تشخيص خاطىء وهم ليسوا بحاجة لذلك، أما خارج غرف العمليات فحدّث ولا حرج عن الإهمال الطبي الناجم عن تقييم خاطىء لكثير من الحالات المرضية، وما يتبع ذلك من إعطاء دواء خاطىء تنجم عنه مضاعفات خطرة، ناهيك بابتزاز ممنهج لدى البعض بهدف كسب المال،
كل هذا يدفعنا للاستنفار الكامل، وقرع جرس الإنذار لإيقاف هذه الفواجع بالأرواح ورفع الصوت عالياً عن الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة من الانحطاط الطبي، بسبب ثلة قليلة من الذين يسيئون إلى أقدس مهنة، وحتى لو كانت نسبتهم ضئيلة جداً، فلماذا يسمح لهذه القلة بالإساءة لسمعة الطبيب السوري الذي يشهد القاصي والداني بكفاءته العلمية وإنسانيته؟!.
ثقة معدومة
حتى الشارع أبدى استياءه من الاستهتار بأرواح الناس، إذ يقول المواطن مازن الديري أن السبب الرئيس لانتشار الخطأ الطبي هو الإهمال والاستهتار بالأرواح، مع ضعف بالرقابة والمحاسبة، فلو أن الطبيب والكادر المساعد لديه تصور مسبق بوجود جهات لا تتهاون في المحاسبة في حال الخطأ لتفادينا الكثير من الأخطاء. وأضاف: إن مهنة الطب مهنة إنسانية، وعلى الطبيب أن يحكّم ضميره قبل كل شيء، مبيناً أن المواطن لا يتقدم بشكاوى لأنه على يقين مسبق أنه لن يستفيد شيئاً وأن الجهات المعنية ستقف إلى جانب الطبيب على حساب الضحية.
واستغرب الديري من أن أغلب الأخطاء الطبية تحدث فقط مع المرضى «المعترين» والفقراء بينما أصحاب النفوذ والمال لاتحدث معهم أخطاء طبية!. أما رابية العلي فتبين أن الثقة اليوم معدومة بين الطبيب والمريض وأنها خلال سنوات الأزمة اعتادت مراجعة أكثر من طبيب في حال اشتكت من أي عارض صحي، وأحيانا تلجأ إلى الإنترنت للتأكد من المعلومات التي ذكرها الطبيب، مبينة أن ما تسمعه من قبل الأصدقاء والأقارب حول الإهمال الطبي وعدم الاكتراث بشأن المريض أمر مخيف.
عارٍ عن الصحة
يبذل القائمون على نقابة الأطباء قصارى جهدهم للدفاع عن زملائهم الأطباء في معرض ردهم على تفشي حالة الإهمال الطبي السائدة لدى البعض، وعدم الرضى من قبل المواطنين، إذ ينفي نقيب أطباء سورية عبد القادر الحسن ما يتم تداوله (قيل عن قال) حول الأخطاء الطبية، وكذلك الأمر بالنسبة للأخبار التي تنشر عبر المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن الهدف تشويه سمعة الطبيب السوري المشهود له بالكفاءة على مستوى العالم.
وأضاف: إن عدد الشكاوى التي وردت إلى النقابة خلال العام الحالي لا تتجاوز الـ6 شكاوى وبعضها مدور من العام الذي قبله.
ولفت إلى ضرورة التمييز بين الخطأ الطبي والاختلاط الطبي الذي يكون خارج الإرادة، وبأن الاختلاطات الطبية لدينا ضمن المعدلات الطبيعية مقارنة بالنسب العالمية.
وأشار إلى أن أي شكوى ترد للنقابة يدرسها الفرع، وإذا لم يتم حلها تحول إلى المجلس المسلكي المركزي والذي يرأسه قاض برتبة مستشار وأعضاء من المجلس النقابي ومن وزارة الصحة والقطاع الخاص، وينظرون بالحالة إذا كانت تحتاج خبرة فنية فيشكلون لجنة من ذوي الاختصاص لهذا الغرض وتنظر بالمسألة وتعطي الرأي.
وشدد الحسن على أن هجرة الكوادر لم تؤثر في الواقع الصحي وأن الطبيب السوري يمتلك خبرة متميزة والدليل أنه خلال سنوات الحرب بقي القطاع الصحي يقدم خدماته على مستوى رقعة الوطن، وأعقد العمليات لا تزال تجرى في المشافي، والأدوية واللقاحات متوافرة، وبأننا لم نشهد حدوث أوبئة كما في اليمن الآن.
لا أحد يشتكي
بدوره الدكتور يوسف الأسعد رئيس نقابة أطباء دمشق يشير إلى أن الخطأ الطبي يرتكب نتيجة انعدام الخبرة أو الكفاءة من قبل الطبيب الممارس أو الفئات المساعدة وربما يكون السبب هو المريض لعدم إحاطة الطبيب إحاطة كاملة بقصته المرضية، موضحاً أن الاختلاط الطبي وارد في كافة أنحاء العالم.
وأشار إلى أن هناك لجنة في نقابة الأطباء تضم ثلاثة أطباء على الأقل الاختصاص نفسه ويرأسها قاضٍ هي التي تحدد في النهاية من المسؤول عن الخطأ الطبي سواء أكان الطبيب الجراح أم المخدر أم الكادر التمريضي، وهي أيضاً تحدد إن كان اختلاطاً أو خطأ طبياً، موضحاً أنه في حال ثبت الخطأ الطبي، فهناك إجراءات قانونية تتخذها النقابة بحق الطبيب عن طريق المحكمة التي يرأسها قاضٍ، وهناك مجلس تأديب وعقوبات تتدرج من التنبيه إلى الإنذار إلى التعويض المادي أو إغلاق العيادة أو منع مزاولة المهنة.
وأشار الدكتور الأسعد إلى أن النقابة لايمكنها أن تعلم بوجود أخطاء طبية ترتكب إلا إذا تقدم المتضرر بشكوى وقدم الوثائق والمعلومات، مبيناً أن ثقافة الشكوى معدومة ويجب تعزيزها بهدف ضبط هذه الأخطاء في حال وجدت.
خبرة المخدر
من جملة الأخطاء الطبية التي نسمع بها يعود سبب أغلبيتها لخطأ بالتخدير، لذلك توجهنا إلى الدكتور عبد الناصر حوراني اختصاصي تخدير للسؤال عن دور طبيب التخدير في الخطأ الممكن حدوثه أثناء العمل الجراحي فأجاب: إن الأخطاء الممكنة خلال التخدير قد تنجم عن الحالة الصحية للمريض، أو عن قلة خبرة المخدر، مضيفاً إنه في حال كان المريض بديناً ورقبته قصيرة، فتكون هناك صعوبة في وضع أنبوب رغامى لوصله على دارة التنفس الاصطناعي أثناء العمل الجراحي، ويترتب على ذلك الاستعانة بأجهزة قد لا تكون متوافرة، أو تبديل طريقة متابعة التخدير، وهذه المرحلة حرجة وتحتاج لخبرة واسعة لتدبيرها.
أما الاحتمال الآخر فهو قلة خبرة المخدر، وبالتالي فشل وضع الأنبوب في الرغامى، ووضعه خطأ في المري، وإن لم يتم تدارك هذا الخطأ بسرعة فحياة المريض ستكون في خطر.
وأضاف: إنه يمكن أثناء مباشرة التخدير، أو أثناء الصحو من التخدير حدوث تشنج حنجرة، وبقدر ما هو بسيط فهو خطر وقد يؤدي للوفاة إن لم يتصرف الطبيب المخدر بحكمة في دقائق معدودة.
أما بالنسبة للأمراض التي تشكل خطراً على حياة المريض في حال إجراء التخدير العام، فأشار الدكتور حوراني إلى أنها تتمثل باعتلال العضلة القلبية المتقدم والقصور التنفسي المتقدم وتشمع الكبد واضطرابات التخثر، وبعض أورام الدماغ من حيث موقعها، وبعض الإصابات الوعائية الخطرة مثل أمات الدم الدماغية، أو أم دم أبهر بطني متمزقة، عدا عن الإسعافات الحرجة المهددة للحياة.
وأشار حوراني إلى جهل المرضى بشكل عام بماهية التخدير، وأنه يترتب على طبيب التخدير مقابلة مريضه قبل الجراحة، وتحضيره نفسيا،وطمأنته، وشرح نسبة الخطورة في حال وجودها، وكيفية تدبير الاختلاطات في حال حدوثها.
وعن الأثر الخطر للجرعة الزائدة من المخدر على المريض، أكد أن هذه معلومة غير دقيقة، ولا توجد زيادة جرعة دواء مميتة، مبيناً ضرورة وجود لجنة طبية تتحلى بالحيادية والخبرة، مكونة من طبيب تخدير وجراح وطبيب داخلية، تعطي سبباً محدداً للحالة سواء كان خطأ مخدر أو جراح أو إهمال!!.
قلة الكوادر التدريسية
تلعب الكليات الطبية دوراً كبيراً في تأهيل الأطباء لجهة عدم التساهل في إعطاء لقب طبيب إلا لمن يستحق ذلك بجدارة، وربما من الآثار السلبية للأزمة، وجود طفيليين في كلياتنا يلهثون وراء الواجهة الاجتماعية لكلمة «دكتور فلان» فقط، إضافة إلى أن ظروف الأزمة كان لها الأثر السلبي حتى في الجادين في التحصيل العلمي الطبي، كل ذلك يرفع جرعة الخوف والقلق من أن نكون أمام مستقبل أسوأ لجهة أخطاء طبية أكثر.
يجيب الدكتور قصي بربندي عضو مساعد في الهيئة التدريسية بجامعة دمشق – مشفى التوليد، بأنه لا يمكن أن ننكر بأن الأزمة التي مرت فيها البلاد خلال السنوات الماضية تركت ندبات كبيرة وخاصة على القطاع الصحي ونحتاج إلى وقت لترميمها، مشدداً على أن الجامعات السورية ستعود للمكانة التي كانت عليها، وربما أفضل، مبيناً أن تأهيل الكوادر بشكل صحيح يؤدي لقلة الأخطاء، مرجحاً أن سبب ضعف الأداء يعود لقلة الكوادر وكذلك للتراجع الواضح بالبرنامج حيث لا جدوى منها ومضيعه للوقت، وأن علينا التوجه نحو البحث العلمي الممنهج والدراسة المثبتة بالدليل وليس «قيل عن قال».
وأشار إلى ضرورة زيادة رواتب المدرسين العاملين في الكليات الطبية بحيث تتناسب مع خبراتهم العلمية، واختيار الإدارات القادرة على تحقيق الريادة في العمل وإبعاد المحسوبيات. ولفت إلى أهمية التعلم المستمر للطبيب والتطوير الدائم لطلاب الجامعات والاختصاصات والدراسات العليا، من خلال بحوث علمية مستمرة وليست مكررة، وتقديم كافه وسائل الإيضاح والتحديث، وعدم السماح للمعلم أو الاستاذ الجامعي بتشتيت جهوده بين الجامعات الخاصة والعامة، والعمل الدائم على إيصال الحديث من معلومات علمية في الوسط العالمي من خلال شبكات مجانية للانترنت توضع في الجامعات لخدمه العلم والتعليم.
خريج الطب قبل الحرب لا يقارن بخريج اليوم!
ولفت إلى أن وزارة التعليم لم تقصّر وهي تبذل جهوداً مستمرة في هذا الإطار، لكننا نطالب بالمزيد والأزمة أثرت بشكل كبير وسلبي في واقع التعليم في الجامعات وخاصة أن هناك كليات خرجت عن الخدمة في بعض المحافظات، ما أدى لاستضافة طلاب هذه الكليات في جامعة دمشق، حيث كان الأستاذ يلقي المحاضرة على 20 طالباً فأصبح عددهم اليوم 200 طالب، لذلك فإن خريج كلية الطب البشري قبل عام 2011 لا يمكن مقارنته من حيث الكفاءة بطالب الطب الذي تخرج خلال سنوات الحرب.
ولفت إلى الآثار السلبية لهجرة الكفاءات وتسرب الموجودين إلى الجامعات الخاصة، فالأستاذ الجامعي يحصل على إعارة 5 سنوات، مبيناً أنه في كلية الطب في جامعة دمشق هناك أقسام لا يوجد فيها أستاذ، مبيناً ضرورة الحفاظ على الكفاءات وإعطائها الأولوية في الأجور منعاً من هجرتها.
وأردف: إن المناهج العلمية بحاجة الى تطوير وتحديث والأهم وجود شبكة إنترنت مفتوحة داخل الكلية ليتسنى للطلاب الاطلاع على المستجدات والأبحاث العلمية والطبية والمحاضرات التي تلقى في كبرى الجامعات العالمية.
وتساءل: كيف لطالب يقطن المدينة الجامعية بدخله المحدود أن يتابع هذه الأمور التي من المفترض أن توفرها الكلية؟!
ظروف قاهرة
بدوره الدكتور سمير مرعي، أشار إلى أن القطاع الطبي مثله مثل كل القطاعات تأثر تأثراً كبيراً سلبياً من هذه الحرب القذرة، فبعض الأطباء استشهد والبعض الآخر اضطر للانتقال إلى منطقة أكثر أمناً، والبعض غادر البلاد طلباً للرزق أو لأسباب أمنية، أو اصطف بالطرف المعادي للوطن وهذا أدى إلى نقص عدد الأطباء وخسارة العديد من الكفاءات. ونوّه بالضغط الكبير على المشافي في المناطق الآمنة مع نقص عدد الأطباء والتمريض وعناصر الشباب التي التحقت بالجيش والقوات المسلحة بحيث صار المشفى الذي كان يخدم 500 ألف مواطن يخدم أكثر من مليوني مواطن مهجرين من المناطق الساخنة، وفي هذه الظروف لن يكون العمل مثالياً مثل السابق.
وأضاف: الطبيب والممرضة والعامل الصحي مظلومون مادياً مثلهم مثل المواطن، حيث يعملون براتب لا يكفيهم يومين أو ثلاثة أيام ويقعون تحت ضغط نفسي كبير، ولا أحد يحمي الطبيب ولا الممرضة، فالحرب القذرة جعلت معظم الناس متوترين وعصبيين.
وأضاف: من المعروف أنه في ظل الحروب والحصار الخانق تزداد نسبة الفوضى والفساد وتنشأ طبقة من الطفيليين والفيروسات والجراثيم الانتهازية، فكيف الحال في ظروف أقذر حرب وأطول حرب شهدتها البشرية؟.
وأوضح أن الجامعات جزء من مؤسسات الدولة التي تأثرت أيضاً، إذ غادرت نسبة كبيرة من أعضاء هيئة التدريس القطر للأسباب التي ذكرتها سابقاً، ولم ترمم الوزارة النقص على الرغم من وجود كوادر جيدة تملك الشهادات والكفاءات، وتم رفضها في مسابقة القبول في الإعلان الجامعي، مستغرباً أسباب الرفض.
بالمقابل بيّن أن خروج بعض الجامعات مثل دير الزور وحلب وفروع درعا وإدلب أدى إلى ضغط كبير على الجامعات الأخرى، فصار عدد أعضاء هيئة التدريس لا يتناسب أبداً مع عدد الطلاب ومع سعة المخابر والمدرجات وزيادة عدد الطلاب في كل مجموعة في التدريب السريري في المشافي وهذا يؤثر سلباً على التدريس.
وأشار الى أن السبب الرئيس الذي أدى لتراجع جامعاتنا هو البحث عن لقمة العيش من أعضاء الهيئة التدريسية، ما دفع الكثيرين إلى العمل في الجامعات الخاصة كإعارة أو دوام جزئي أو العمل بدوام جزئي في الجامعة والمشافي ومتابعة العمل في العيادة أو المشفى الخاص في ظل غياب قانون تفرغ جامعي أو قانون تفرغ صحي عادل ومنصف في مشافي التعليم العالي والصحة.
وتساءل الدكتور مرعي: كيف سأطلب من طبيب في مشفى وأستاذ جامعي أن يداوم 7 ساعات يومياً ومناوبات براتب لايتجاوز 50 الف ليرة؟ في حين يحتاج شهرياً إلى أضعاف هذا المبلغ ليعيل أسرته ويدفع إيجارات ويدرّس أكثر من ابن بالجامعة؟.
وأوضح أنه على الرغم من هذه الظروف الصعبة فالشريحة الكبيرة من الأطباء والأساتذة استمرت بالعمل والعطاء في الوطن محققة الحد الأدنى من تحقيق لقمة العيش وتقديم الخدمة المناسبة في القطاع الصحي والتعليم العالي، ومنهم من يعالج بصمت وتحت الأضواء كل أولاد الشهداء والجرحى مجاناً ومدى الحياة, ولا يخلو الأمر من بعض السيئين أيضاً الذين يبتزون الناس أو يقبلون مرضى بدون مبرر في المشافي لغايات مادية ويتبعون أساليب غير نزيهة في المهنة مثلهم مثل باقي القطاعات.
غيرة وطنية
ليس الهدف تشويه صورة الطبيب بل على العكس الهدف هو الحفاظ على سمعة وشهرة الطبيب السوري على مستوى العالم، ومن أجل ذلك لا بد من التصويب وإعادة التقويم وتفعيل مبدأ المحاسبة والرقابة وعدم التساهل، فليس من المعقول ألا تتحرك النقابة إلا في حال وردت شكوى، ولنتذكر الطبيب السوري سهيل نجار الذي سافر من جامعة دمشق إلى مشافي الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تمكن من تشخيص مرض «سوزانا كالاهان» بعد أن فشل كل الأطباء الآخرين في تلك المهمة لتتحول قصة نجاح هذا الطبيب السوري إلى فيلم عالمي.