بعد الشهادتين الإعدادية والثانوية أصبحت الدروس الخصوصية للصفوف الانتقالية وعلى وجه التحديد صفوف الحلقة الأولى موضة عند الأغلبية العظمى من أهالي التلاميذ، فبينما يشتكي الأهالي صعوبة المنهاج والتقصير في إيصال المعلومات للتلاميذ بسبب الازدحام الطلابي في الشعبة الصفية الواحدة ووصولها لأكثر من40 طالباً في أكثر الأحيان ـ نجد التلاميذ لا حول ولاقوة لهم، فهم أصحاب القضية ولكن لا قرار لهم فيها.
أما أكثر ما يشجع على انتشار هذه (الموضة) هي الإعلانات التي ينشرها بعض المدرسين حيث تغرق جدران الأبنية وأسوار المدارس وحتى المحال التجارية وأعمدة الكهرباء بإعلانات ورقية يتعهد فيها مدرسون بتدريس التلاميذ في مرحلة التعليم الابتدائي وتدريبهم على كتابة الوظائف وتسميع الدروس بشكل يومي وبأسعار مغرية ومشجعة كما يكتبون في إعلاناتهم الورقية.

أعمالنا تشغلنا عنهم
أكد كل من علي نبهان أب لولدين في الصف الثاني والرابع الابتدائي، وقصي غالب أب لثلاثة أبناء في الصفين الثاني والثالث والخامس الابتدائي أن انشغالهما في العمل فترات طويلة وعدم قدرة الأمهات على متابعة واجبات أبنائهم المدرسية لصعوبة المنهاج، كما يقولون، جعلهما يفكران بوضع مدرسين خصوصيين لأبنائهم لمساعدتهم في تجاوز صعوبة المنهاج.
ورغم حيازتها شهادة جامعية تعتمد السيدة منال (ق) على مدرسة خصوصية في المنزل لمتابعة واجبات ابنها وابنتها التوءم في الصف الرابع والسبب، كما تقول, أن ضخامة المنهاج وكثافة المعلومات تحتاج وقتاً مضاعفاً من الدراسة والتركيز وهي وبحكم عملها خارج المنزل لن تتمكن وحدها من إتمام واجبات ولديها.

ما عندي طولة بال
أما الأمر بالنسبة للسيدة عنود والدة لثلاثة أبناء في صفوف (الثالث والخامس والسابع ) والتي تعمل سكرتيرة في عيادة طبيب مختلف تماماً فكما تقول ليس لديها (البال الطويل) لتدريس أبنائها و لا تريد أن تتعب أعصابها في تدريسهم وخصوصاً أن أحدهم في الصف الرابع وغير مبال ولا يحب الدراسة وتقول: مادامت المعلمة تتكفل بكل واجبات أبنائي والتحضير وقت الامتحان بالشكل المطلوب فسيكون اعتمادي عليها دائماً، وتوافقها الرأي أم كريم أم لخمسة أولاد التي فقدت صبرها في تدريس أبنائها الأربعة ـ وأضافت: إن المعلمين والمعلمات في المدارس يبخلون على التلاميذ بالمعلومات كي يستدرجوهم لأخذ دروس خصوصية في المنزل بعد انتهاء الدوام المدرسي.

حائزون شهادات ولكن..
وتدفع السيدة حنان (س) مبلغاً وقدره 10 آلاف ليرة شهرياً لابنها ذي الثماني سنوات في الصف الثالث لقاء دروس خصوصية بحجة أن المناهج صعبة، وهي الحائزة شهادة معهد في الحاسوب، غير قادرة على مواكبتها. كما ترى السيدة سمية شعيب أن المناهج الحالية ضخمة ولا يمكنها، وهي الحائزة الشهادة الثانوية أن تواكب حداثة المناهج وضخامتها وتستعين بمدرسين خصوصيين كي لا تكون مقصرة تجاه أبنائها وكي لا يشعروا بالنقص تجاه غيرهم من التلاميذ، كما يواجه السيد (علي .غ ) صعوبة في تدريس أبنائه، بالرغم من أنه حائز شهادة جامعية، لهذا لا يمكنه أن يبتعد هو وغيره عن الدروس الخصوصية المساعدة لولده في الصف الرابع.

مناهجنا مرنة
وأمام هذا الواقع والآراء التي يبرر أصحابها لجوءهم للدروس الخصوصية يبقى السؤال هنا: هل فعلاً المعلمون مقصرون في واجباتهم أم المستوى التعليمي لثقافة الأسرة هو الذي شجع على هذه الموضة؟.
بهذه الآراء وهذا السؤال توجهنا إلى مديرية التربية في اللاذقية، والتقينا الموجه التربوي ورئيس شعبة التوجيه التربوي في المديرية- نظير حميرة الذي وافقنا الرأي بوصف هذه الظاهرة بـ(الموضة) مؤكداً أن المناهج المطورة مع بداية عام 2010 وحتى تاريخه هي مناهج مرنة جعلت التلميذ محور العملية التعليمية والتعلُمية (أي يكون فيها التلميذ صانعاً لمعلومته من جميع المواقف المعيشة خلال يومه المدرسي وصولاً إلى المنزل مروراً بالشارع و بالعودة) . وأضاف: ان هذه الموضة الدارجة و التقليد الأعمى من أولياء أمور التلاميذ الذين ينقسمون إلى نوعين: الأول منهم (مشغول بتأمين احتياجاته) ولقمة عيشه وبالتالي لا وقت لديه لمتابعة أمور أبنائه التي تفرض عليه مناهجنا الجديدة أن يكون شريكاً في العملية التعلمية فضلاً عن أنه قد لا يكون ذا خلفية علمية تمكنه من المتابعة، والنوع الثاني (المثقف) الذي يريد أن يكون ولده نسخة طبق الأصل عنه، وأورد مثالاً عن (الطبيب الذي يريد أن يكون ولده طبيباً) وهذا التطبع للتلميذ هو دفن لمواهب وإمكانات قد تكون أكثر فاعلية للمجتمع ولنفسه إن تركت هذه الإمكانات والملكات تنمو النمو الطبيعي، وبين حميرة أن الميول يجب أن تكون محل اهتمام من أولياء الأمور والمدارس والعمل على اكتشافها ورعايتها وتنميتها.

رسالة إلى…
وفي هذا السياق وجه رسالته لأولياء الأمور (بأن الوقت المدرسي كاف لطفلكم بحسب المنهاج ولا داعي لأن يكون فوق يومه المدرسي وقت إضافي في المنزل)، كما توجه برسالة لجميع المعلمين من الزملاء والزميلات (أن تكون الخدمات التعليمية المقدمة من قبلكم بالجهد الذي يمنع حاجة الأهل لدروس داعمة لا تفي بالغرض ولا تعطي الثمرة).
وتابع حميرة قوله: مادامت وزارة التربية بالتعاون مع المركز الوطني لتطوير المناهج ومديرية التقنيات في وزارة التربية لم توفر جهداً في تأمين كل مستلزمات العملية التعليمية من وسائل تعليمية ومنصات لعرض المقاطع التعليمية ودورات مناهج مستمرة ومراكز مصادر تعلم ليواكب هذا المعلم مستجدات العملية ونقل هذه الخبرات إلى الحجرات الصفية بأمانة واستثمار كامل وقت الحصة الدرسية واليوم المدرسي وتوظيفه في نقل المعارف والخبرات إلى الأبناء التلاميذ وبالتالي سنكون عندها بالغنى عن كل دقيقة داعمة لهؤلاء الأبناء الذين من الواجب أن يكون لديهم الوقت الكافي للانتباه لميولهم وحاجاتهم وتلبيتها إن كانت (نفسية أو اجتماعية) أو غير ذلك.
وختم بالقول: نحن لا نستطيع أن نجعل من الطفل رجلاً راشداً في عام دراسي واحد وإنما نستطيع أن نضعه على الطريق الصحيح ليكون رجلاً صالحاً لنفسه ولمجتمعه من خلال إيصال هذه الرسالة الإنسانية الرائدة (التعليم) بأمانة إلى مستحقيها.