ليست حملة مكافحة الفساد وليدة اليوم، فمنذ عقود طويلة نسمع عن نية الحكومات القضاء على هذا الداء وقطع دابر منظومته التي باتت «متشرشرة» في المؤسسات العامة حد العظم، مع تكريس هيئات ولجان عدة لهذا الغرض، لكن إلى الآن لم نسمع عن نتائج مبشرة في هذا الملف الشائك، أقلها محاسبة علنية لبعض رؤوس الفساد الكبيرة وسؤالهم عن مصدر ثروتهم المفاجئة تطبيقاً لشعار «من أين لك هذا»، الذي رفع أيضاً في وقت من الأوقات ولم يطبق أيضاً، وهنا يحق لنا التساؤل عن أسباب الإخفاق الذريع في مكافحة طاعون الفساد، فهل ذلك يرجع إلى إعلامية الحملات المعلنة من دون وجود خطة واضحة للتنفيذ تضمن محاسبة الفاسدين الكبار وحتى من بدأ يحبو في فلكهم، أم إن منظومة الفساد باتت متغلغلة ومتحكمة بصناعة القرارات على نحو لم تعد هناك قدرة على ضبطها وردع من يحميها، ولكن أياً تكن الأسباب، فإن الفساد بات يقصم ظهر الاقتصاد المحلي وفقرائه، ما يتطلب قراراً جريئاً في مكافحته مع تحديد برنامج زمني واضح تقطف من خلاله ثمار معاقبة ومحاسبة الفاسدين علانيةً وبلا تهاون.

فتح ملفات الفاسدين!
على ذمة أحد خبراء الاقتصاد فإن تحصيل أموال الفاسدين كفيل بحل معضلة زيادة الرواتب والأجور عبر رفد الخزينة بمليارات الليرات، ما يمكّن الحكومة من تسجيل إنجازها في هذا الشأن، لكن للأسف، لم يتم حتى الساعة التحرك نحو فتح ملفات الفاسدين الكبار واسترداد الأموال المسروقة من المال العام، وهذا لا يتحقق من دون إصلاح إداري ينقذ المؤسسات العامة من حالة الفوضى والهدر والتسيب وانتشالها من فخ الخسارة والتخسير، وهذا واقع تظهره مؤشرات أدائها حتى لو ادعى مديروها تحقيقها مبيعات وأرباحاً جيدة، لن تحصل في حال استمرار تحكم الفساد بكل أشكاله في مفاصلها.

يد من حديد
«تشرين» حاولت تسليط الضوء على الآلية الصحيحة المفترض اتباعها لضمان تحقيق نتائج ملموسة في مكافحة الفساد وقطع رؤوس منظومته أو على الأقل التخفيف من سطوتها قدر الإمكان، وهنا تضع الدكتورة رشا سيروب وهي باحثة اقتصادية يدها على الجرح تماماً، إذ تؤكد أنه إذا كانت الغاية من مكافحة الفساد تحسين الخدمات العامة وأحوال المعيشة، فيجب العمل على محورين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، الأول ضرب الفساد الكبير بيد من حديد، وتقصد هنا الحرب وتجار الأزمات ومحتكري السلع، والمحور الثاني محاسبة كل من قصر في أداء مهامه في إدارة المال العام والخدمات العامة، وتحديداً مسؤولي القطاع العام في المستويات الإدارية العليا الذين أخفقوا في إدارة المؤسسات العامة (بقصد أو عن غير قصد).

قرار عالي المستوى
بسبب تدهور المستوى المعيشي لمعظم المواطنين ووصوله إلى مستويات خط الفقر ودونه، أصبح الفساد في المستويات الإدارية الدنيا كالرشوة وتعطيل المعاملات اليومية بغية الحصول على رشوة ظاهرة مقبولة ومسوغة اجتماعياً، في الوقت ذاته تحول الخلل في المستويات الإدارية العليا بشقيه الفساد وإهمال الإدارة العامة ليصبح شرطاً لازماً وضرورياً للترقية والترفيع ما يعكس متانة العلاقة بين كبار المسؤولين وكبار الفاسدين، حسب د.سيروب التي أكدت أنه لا تمكن محاربة شبكة الفساد بوضع الاستراتيجيات والخطط وإصدار تشريعات وقوانين أو حتى تشكيل لجان وهيئات، بل بات الأمر يتطلب وجود قرار عالي المستوى وإجراءات فورية من دون أي تمهيد، خاصة أن الفساد أصبح واضحاً جداً وجلياً ولا يحتاج توافر أدلة وبراهين كثيرة ولن يستغرق الكثير من الوقت لكشفه.

تعديل القوانين
الفساد لم يأتِ من فراغ، إذ أصبحت له بيئة بعد استفحاله بهذا الشكل، حسب رأي بشير الحلبوني- أمين الشؤون الاقتصادية والقانونية في اتحاد العمال الذي أكد أن السيد الرئيس بشار الأسد طرح مشروع الإصلاح الإداري من أجل محاربة هذا الداء، وهو مشروع كبير، لكن للأسف الحكومات أو الوزارات والمؤسسات أخذت المبادئ التي تحدث عنها في إطار الإصلاح ومكافحة الفساد وتم الاقتصار على ورشات عمل فقط، لكن المطلوب بعد إقامتها نتائج على الأرض، وهو ما لم يتحقق، لافتاً إلى أن مكافحة الفساد تتطلب إصلاح البيئة التي يعتاش عليها الفاسدون، عبر إصلاح بيئة التشريعات والقوانين، والرواتب والأجور والتعويضات، ووضع حد لارتفاع الأسعار وقلة فرص العمل وإصلاح القطاع العام وغيرها، مشدداً على أهمية تعديل وإصلاح القوانين والأنظمة، ولعل أول قانون بحاجة إلى تعديل هو قانون العاملين الأساسي، وقد شكل لجنة مختصة شارك فيها الاتحاد والوزارات والهيئات المعنية والمختصون والخبراء، علماً أنها استهلكت وقتاً طويلاً منذ عام 2015 وإلى الآن، وقد يكون مسوغ التأخير هو عدم وجود ملاءة مالية وخاصة بعد طرح مشروع الإصلاح الإداري، إذ إن جميع الأمور المتعلقة بهذا الشأن معاً، معترضاً على ذلك بقوله: لا يعقل بعد كل هذا الجهد والتعب ضياع ما أنجز، وفي حال حصول ذلك فإنه يعد قمة الفساد، فهدر وقت المسؤولين المختصين طوال هذا الوقت يعد فساداً أيضاً».
وأكد الحلبوني إنجاز مشروع التأمينات الاجتماعية وقانون العمل رقم 17 المعني بالقطاع الخاص، مشيراً إلى وجود الكثير من القوانين التي تحتاج تعديلاً، وقد تم التوجيه بذلك، وهذا يستلزم وقتاً طويلاً، من دون نكران وجود بطء يفترض عدم تحميله للحرب، وخاصة أن سورية مقبلة على مرحلة إعادة الإعمار، ما يتطلب مرونة أكبر.

ضعف الرواتب سبب أساس!
الفقر وضعف الرواتب والأجور أحد أسباب انتشار الفساد، وهو ما ذهب إليه د.محمد كوسا محلل اقتصادي ومختص في مجال الإدارة العامة، بتأكيده أنهما يقفان وراء خرق الاخلاق العامة وتحمل مخاطر العقاب بمفاضلة غير واعية بين ألم الجوع والم الضمير، مطالباً بزيادة الرواتب والأجور كنقطة مهمة لمكافحة الفساد.
يوافقه الحلبوني في عدّ ضعف الرواتب أحد أسباب ارتفاع نسب الفساد، طبعاً هذا لا يعني شرعنة الفساد، لكن كما يقال الجوع كافر، ما يتطلب معالجة السبب عبر زيادة الرواتب والأجور، التي يعدّ اتحاد العمال أنها أصبحت مطلباً أساسياً ومن أولى الأولويات بسبب تآكل القدرة الشرائية من جراء ارتفاع الأسعار ويفترض العمل على ضبط أسواقها، وإذا لم يعمل على ذلك فلن يكون هناك إصلاح، وهذا يتطلب زيادة الرقابة على الأسواق مع عقوبات رادعة بشكل ينصف المواطن والتاجر النظامي، كما يفترض أيضاً العمل على مكافحة التهريب وضبط الحدود، فالمهربات تعد حرباً اقتصادية من نوع آخر لأنها تؤثر في المنتج الوطني وصحة المواطن والتاجر الشريف، مشيراً إلى أهمية تصدير المنتجات المحلية تصديراً وليس تهريباً.
تؤيدهما د.سيروب في هذه النقطة مع تفضيلها الدخول في التفاصيل بغية تحقيق نتائج فعلية في مكافحة الفساد، إذ تؤكد أن معالجة الفساد الصغير وإهمال الإدارة العامة، تتطلب العمل على مسارين، الأول يعالج المسببات التي بدورها ستحد قدر الإمكان من نسبته وحجمه، عبر رفع رواتب وأجور موظفي القطاع العام إلى مستوى يضمن حياة كريمة لهم ولعائلاتهم، إذ يؤدي انخفاض الأجور إلى جعل الموظف مضطراً للبحث عن مصادر دخل غير رسمية على حساب الوظيفة العامة، وهو ما يزيد من سوء نوعية الخدمات العامة، إضافة إلى ضرورة استخدام التكنولوجيا وإطلاق الحكومة الإلكترونية خاصة في المعاملات اليومية، ونظام المشتريات والعقود، والرقابة المالية والضريبية، للحد قدر الإمكان من وجود علاقة بين المتعامل والموظف، مع العمل على تعديل سياسات التعيين والترقيه وفقا ًللأداء وليس الولاء والمحاسبة والعقاب وفقاً للأداء وليس للمزاج.
أما المستوى الثاني- والكلام لسيروب- فيكون بوضع آليات الكشف والردع من خلال تفعيل الرقابة الشعبية عبر إشراك المواطنين في الكشف أو الإشارة إلى مكامن الفساد، وهذا يتطلب الشفافية والنزاهة في الطروحات الحكومية والبيانات والإحصاءات الرسمية ومن حق أي موظف أن يعلم ما هي مصادر وموارد دخل الدولة وأوجه إنفاقها، وتنشيط وتفعيل الصحافة الاستقصائية ومحاسبة علنية للفساد والمفسدين من دون أي مواربة أو دبلوماسية لإعادة ثقة المواطن بالحكومة وأجهزة الدولة ومؤسساتها خاصة الأمن الداخلي والقضاء ولاحقاً مساعدتها في فتح ملفات فساد مختلفة، مع العمل على استقلالية الجهات الرقابية عن السلطة التنفيذية (الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، الجهاز المركزي للرقابة المالية)، مؤكدة عدم الحاجة إلى قوانين جديدة، وإنما الحاجة إلى تطبيق القوانين القائمة وعدم تفصيل قوانين لشريحة معينة.

إصلاح شامل
أولى خطوات مكافحة الفساد تتمثل بتغيير قانون العاملين الأساسي ورفع الأجور والرواتب للقطاع العام أولاً والخاص ثانياً وتحسين بنية الوظيفة العامة حسب رأي د. كوسا، إذ يرى وجوب العمل على إصلاح شامل يشمل الجانب الاقتصادي والمالي والإداري الذي يتم في رأيه عبر تأسيس جهاز لتحسين الخدمة العامة وضمان استقلاليتها عن الوزارات، مع الحد من الاستثناءات والأنظمة واللوائح الحاكمة وخاصة القانون الأساسي للعاملين في الدولة، فإذا لم تكن هناك إرادة في تغييره فيجب تعليق القواعد الخاصة بهذا القانون، مع إعادة بناء هيكلية الوظيفة العامة وبناء قاعدة بيانات خاصة بالعاملين في الدولة من حيث الكفاءة والمقدرة والتناسب مع الأعمال والوظائف، وهذا يقتضي- حسب وجهة نظره حكماً- بناء قاعدة بيانات للوظائف والمواقع الإدارية، مع إعادة النظر في آليات عمل المؤسسات عبر إنتاج نظم عمل متوافقة مع هدف كل مؤسسة أو وقف عام تبعاً لمتطلبات الاقتصاد أولاً ووفقاً لمتطلبات الخدمة العامة ثانياً، مع إعادة النظر في هيكلية كل من الهيئة العامة للرقابة والتفتيش والجهار المركزي للرقابة المالية والعمل على زيادة وتنوع مؤسسات الرقابة والهيئات المتابعة لأعمال الإدارة العامة الحكومية مع إحداث وكالة رقابية متنوعة بالتشارك مع المجتمع الأهلي والمنظمات الشعبية والنقابية.
أما الإصلاح المالي- حسب د.كوسا- فيتم من خلال حماية المال العام عن طريق نظم تتبع للإيراد والإنفاق وخلق برامج رقمية تعتمد الكود وتستبعد العنصر البشري في مراقبة المال العام، مع العمل على خفض العجز في الإيرادات ومخزون النقد الأجنبي وعجز الميزان التجاري بإعادة النظر في الدعم والإعفاءات الضريبية، ما سيوفر إمكانية زيادة الرواتب والأجور والتعويضات في القطاع العام أولاً، لأن الأجر العالي للعاملين في الدولة سيتيح أجراً عالياً في القطاع الخاص وبناء اقتصاد متمكن وقادر على منح الرفاهية لأبناء المجتمع، والأهم في رأيه وضع خطة لمكافحة الفساد في الإدارة يحتوي على قوة العقاب والمحاسبة العادلة.
وفيما يخص الإصلاح الاقتصادي يؤكد د.كوسا ضرورة فصل القطاع الاقتصادي عن الإداري في القانون الأساسي للعاملين في الدولة وإخراجه من هذا القانون مع وضع نظام حوافز مرتبط بطبيعة الإنتاج والنشاط الاقتصادي، ويكون مجزياً وفعالاً في رفع مستوى دخل العاملين في القطاع الاقتصادي.

ليست قضية أشخاص!
لا تزال مختلف السياسات الحكومية تتعامل مع الفساد على أنه قضية أشخاص والمعالجة تتم باستبدال بعض الأشخاص لذر الرماد في العيون، وفق د. عدنان اسماعيل الذي أكد أن الفساد لا يمكن معالجته بهذه الطريقة لأن إعادة التجربة في الظروف المحيطة نفسها لن تعطي نتائج جديدة، خاصة أن الفساد حالياً يطول مختلف المستويات (الوزير-المدير– الموظف الصغير-المواطن…)، وتالياً إذا بدأنا بالمستويات الإدارية العليا وأخذنا الازدواجية الرهيبة التي يعيشها الوزير أو المدير العام (سيارات فارهة- منزل فخم- حاشية – عقود بالمليارات– أفخم المطاعم…. وغيرها من الميزات)، ونحن في نظام اشتراكي نقدم ما لا تقدمه أعتى النظم الرأسمالية لننتقل إلى الوجه الآخر ونقدم لهذا المدير أو الوزير راتباً يتراوح بين 100-200 دولار في أحسن الأحيان ثم بعدها نتساءل عن أسباب فساده.
أما الموظف أو المواطن البسيط فتقدم له راتباً لا يتجاوز أحياناً عتبة الـ80 دولاراً وهي لا تكفيه لولد واحد من أولاده ثم نتساءل لماذا انحرف هذا الموظف .
وأضاف: لمعالجة الفساد يجب الحد من الظواهر الشاذة وتحسين الأجور ورفع مستوى المعيشة ومن ثم على التوازي إحداث تغيير بنيوي في صيرورة العمل الحكومي، فمثلاً الدائرة الحكومية تعلن ماهية أعمالها ومدة كل معاملة وتكاليفها بشكل واضح وبعدها تكون الشكوى ضمن القضاء الإداري مع عقوبة رادعة.
أما التطاول على المال العام -حسب د.اسماعيل- فيجب أن يتم القضاء عليه من خلال إزالة كل الأسباب وإحداث بنك معلومات يرتبط بالجهاز المركزي للرقابة المالية تقوم كل شركة أو مؤسسة بإيداع حصيلة أعماله (مبيعات- مشتريات- نفقات) على نحو يسهل تتبع أي عملية تلاعب من خلال المقارنة على مستوى البلد.

البداية من الذات!
يفضل الدكتور سامر مصطفى في (كلية الاقتصاد- جامعة دمشق) الاتجاه في منحنى مختلف عن زملائه الاقتصاديين بالتأكيد على الأخلاق في مكافحة الفساد، ففي رأيه أن العلاج الرئيس والأساس لمقاومة أي فساد في المؤسسات يبدأ من الذات والضمير الحي، لذا يجب التأكيد دوماً على أهمية هيكل القيم وبنيان المبادئ الحميدة ومثاليات المجتمع، مع العمل على حسن اختيار القادة والرموز ذوي الأيدي البيضاء في المؤسسات، مع حسن الشفافية أي معرفة كل فرد بحقوقه والتزاماته في هذه المؤسسات مع تأمين العدالة في الأجور والرواتب والمكافآت للعاملين في هذه المؤسسات، وخلق رأي عام مناهض للفساد في المؤسسات العامة والخاصة مع الإضاءة على الفساد في المؤسسات في كل المنتديات الفكرية ووسائل الإعلام لتصبح محور الاهتمام الرئيس والعمل على محاربة الفساد في المؤسسات العامة والخاصة بمكافحة تشريعية وسياسية وإعلامية ومصرفية وأمنية.