آخر الأخبار
الرئيسية » تحت المجهر » لماذا وكيف يتدفق نبع الغمقا في صافيتا ؟؟؟

لماذا وكيف يتدفق نبع الغمقا في صافيتا ؟؟؟

د.سعيد ابراهيم
نشاهد هذه الأيام التدفق الغزير والجميل لنبع الغمقا، ولكن ما السبب في حدوث تدفق النافورة بهذا الشكل، وما هو مصدر قوة الضغط التي تؤدي لارتفاع المياه بشكل نافورة غزيرة.
كي نفهم هذا الموضوع لابد من شرح بعض الأفكار بشكل متعاقب.
أولاً- علينا فهم مصدر المياه التي تغذي النبع. حيث تبين لي بعد المراقبة والملاحظة أن المصدر الرئيسي للمياه التي تغذي النهر الجوفي الذي يمتد قادماً من الشرق ويغذي نبعي الشماميس والغمقا هو مياه الأمطار التي تتساقط بكميات كبيرة في منطقة عين الشمس. فالحوض المنخفض المحيط بمنطقتي البيرة وعين الشمس هو عبارة عن حوض مغلق من ناحية الروافد النهرية (أي لا يخرج منه أي رافد نهري) وكل مياه الامطار المتساقطة في هذه المنطقة يتم ابتلاعها داخل الأرض لتتسرب نحو الأعماق وتشكل نهر جوفي يتجه تحت الأرض لجهة الغرب، أي نحو نبعي الشماميس والغمقا. ونشاهد في الصورة الأولى شكل لهذا الحوض المائي المغلق الذي لا يخرج منه أي رافد نهري.
image1.JPG
ثانياً – هذه المياه القادمة من الشرق بشكل نهر جوفي يسير ضمن مغارة بشكل نفق ممتد تحت الأرض. وعند وصول هذا النفق إلى منطقة نبع الشماميس، ونبع الغمقا يحدث اتصال بينه وبين سطح الأرض عبر فتحة معينة.
ثالثاً – في منطقة نبع الغمقا يمكن مشاهدة هذا النفق بشكل واضح عند جفافه في فصل الصيف، وملاحظة كيف يمتد بشكل مستقيم من تحت فوارة نبع الغمقا وحتى أسفل (بير الروزنة)، وذلك كما في الصورة رقم 2.
رابعاً – هذا النفق في الواقع يميل (أو ينحدر) من تحت فوارة نبع الغمقا نحو (بير الروزنة)، أي يميل من الغرب نحو الشرق (وهذا الموضوع يتطلب بعض الشرح، ولكن أتكلم باختصار). حيث يصل عمقه تحت (بير الروزنة) إلى حوالي 20 متر. وهذا يعني أن المياه أثناء حركتها وقدومها من الشرق، وتحركها من (بير الروزنة) وحتى فتحة النقب وحفرة النافورة تتحرك وتصعد عبر هذا النفق من الأسفل نحو الأعلى (وهذا أحد ألغاز نبع الغمقا).
خامساً – عند وصول المياه إلى النهاية الغربية للنفق تجد أمامها ثلاث فتحات. الأولى إلى نبع الشمالي. والثانية إلى نبع الصغير، الأرقام 2 و 3 على الصورة رقم 2 (وهما يقعان في مستوى أخفض من حفرة النافورة)، ويجب أن تخرج المياه المضغوطة منهما. ولكن الإنسان قام بسطم وردم هاتين الفتحتين بالحجارة وذلك كي يجبر المياه على الارتفاع عبر الفتحة الثالثة  والتي هي فتحة النافورة والخروج منها، والسر في هذه العملية هو دفع المياه للذهاب إلى الطاحونة المائية التي لا تزال موجودة بالقرب من المكان. لذلك نشاهد المياه تسيل من نبع الشمالي بشكل انسيابي لأنها تتسلل من بين الحجارة وتخرج إلى النبع بشكل غير مضغوط.
سادساً – عند إجبار المياه للصعود من فتحة النقب إلى حفرة النافورة، فإن هذه الفتحة ضيقة بالنسبة للكمية الكبيرة من المياه القادمة من جهة الشرق. وعند ذلك يحدث انضغاط للمياه داخل النفق وتشكل ما يسمى علمياً (ظاهرة عنق الزجاجة، كما نشاهد في الصورة الثالثة) فتتجمع المياه داخل النفق إلى الشرق من فتحة (النقب) وتأخذ بالانضغاط والارتفاع عبر الفتحات الموجودة في النفق لتظهر في أسفل المغارة. وترتفع في (بير الروزنة لمسافة معينة). وهنا تمكنت من فهم مصدر الضغط والقوة التي ترفع النافورة وذلك من خلال المناقشة التالية:
1- عندما تتوقف النافورة عن الجريان وتكون المياه في حفرة النافورة ساكنة (الصورة الرابعة)، هذا يعني أن مستوى المياه في حفرة النافورة متساوي مع مستوى المياه في (بير الروزنة)، وعند قياس عمق المياه في بير الروزنة تبين أنه يساوي ست أمتار ونصف (كما نشاه في الصورة الخامسة). وهذا يعني أن كل المياه القليلة القادمة من الشرق يتم تصريفها عبر فتحة نبع الشمالي ونبع الصغير الواقعين في الأسفل.
2- عند هطول أمطار غزيرة في منطقة عين الشمس وقدوم كميات كبيرة من المياه سوف يحدث التضاغط الذي تكلمت عنه سابقاً (وتشكل ظاهرة عنق الزجاجة)، وسوف ترتفع نتيجة ذلك المياه في بير الروزنة (وهنا يكمن لغز تدفق النافورة). فارتفاع المياه داخل بير الروزنة نحو الأعلى يقابله فراغ فوق حفرة النافورة (كما في الصورة الثالثة). ولقد تبين نتيجة القياس بأن النافورة عندما تتدفق بقوة يكون عمق مستوى المياه في بير الروزنة 4 أمتار ونصف (أي أن المياه ارتفعت حوالي المترين فوق مستوى النافورة).
3- يؤدي ارتفاع المياه في بير الروزنة لمسافة قد تصل الى مترين او اكثر إلى ازدياد الضغط على فتحة النقب واندفاع كميات اكبر من المياه الى النافورة، وعندما يحصل توازن بين كمية المياه القادمة من الشرق وكمية المياه المنصرفة عبر النافورة يستقر مستوى المياه في بير الروزنة ويتوقف عن الاستمرار في الارتفاع.
4- إن ارتفاع المياه داخل بير الروزنة بهذا الشكل (فوق مستوى النافورة) هو الذي يولد الضغط الذي يدفع مياه النافورة للخروج بقوة نحو الأعلى. ولقد قمت يوم 31- 12-2018) بقياس عمق المياه في بير الروزنة فكان 4 أمتار. أي أن المياه في هذه الأيام مرتفعة متران ونصف في بير الروزنة فوق مستوى النافورة. لذلك نشاهد هذا التدفق الغزير في هذه الأيام لنافورة نبع الغمقا.
5- مع مرور الوقت تتناقص كمية المياه القادمة من الشرق، ويخف نتيجة ذلك ارتفاع المياه في بير الروزنة، ويتناقص الضغط عند فتحة النقب، ويتناقص اندفاع النافورة بشكل تدريجي حتى يتحول الى جريان انسيابي. وعند ذلك يكون مستوى المياه في بير الروزنة قد انخفض ليصبح عمقها حوالي ٦ امتار. وعندما يصبح عمقها في بير الروزنة ٦ امتار و ٢٧ سنتيمتر تتوقف المياه عن الحركة في حفرة النافورة تماما وتتحول الى بركة مياه ساكنة.
هذا ما يحدث باختصار. آمل أن أكون قد وفقت في إيضاح الفكرة.
هذا المنشور قمت بنشره بشكل مقالة علمية محكمة في مجلة بحوث جامعة تشرين، المجلد 40/ العدد 2/ للعام 2018. سلسلة الآداب والعلوم الانسانية.
(سيرياهوم نيوز-صفحة الكاتب٨-١-٢٠١٩)
Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خبير استراتيجي: سوريه أدركت منذ اللحظة الأولى لبدء الازمة فيها ان مقاومة المشروع أقل خسارةً من الاستسلام له، فقاومته ..ومازالت وستستمر

قال العميد المجاز عبد المجيد عبد اللطيف الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية  في لقاء مع وكالة سبوتنيك ان ” سوريا أدركت منذ اللحظة الأولى لبدء ...