مضى بعض المبدعين والمبدعات في استخدام صفحات حسابهم على «فيس بوك» لنشر إبداعاتهم القصصية أو الشعرية أو لوحاتهم ومنحوتاتهم أو مقالاتهم التحليلية، وهم بذلك قد استغنوا بشكل كامل أحياناً عن النشر في الوسائط الإعلامية التقليدية. فما الذي دفعهم لاعتماد هذا النشر هل لعدم إيمانهم بالوسائط الإعلامية التقليدية؟ أم لإثبات أن هذه المنصة يمكن لها أن تقوم بالدور ذاته، ولا يهمهم سوى من يتابعهم من خلالها؟ أم الجمع بينها وبين ما هو تقليدي؟ عن أسباب ذلك وعن حرصهم على الحضور بشكل متواتر، وعما إذا كان التفاعل مع ما ينشرونه بالقدر الذي ينالونه يرضيهم، وأهم نتائج النشر على هذه المنصة، يجيب المبدعون الذين اختارتهم «تشرين» وهم: الشاعر والصحفي إبراهيم المصري (مصر)، الشاعر والقاص حسان الجودي، والقاصة سلوى زكزك (سورية)، والفنانة التشكيلية العراقية روناك عزيز.
نعمةٌ كبيرة
لا ينشر الشاعر إبراهيم المصري قصائده فقط على صفحته بل رأيه في بعض ما تحنط من أفكار مجتمع بلده وعاداته وتقاليده، بشكل ساخر أحياناً. يقول عن نشر الشعر على (فيس بوك): «بالرغم من الاتهامات التي لا تتوقف للفيسبوك بتسطيح الإبداع والشعر عموماً، فإنه يظلُّ مع ذلك ومن وجهة نظري، أهم منصة نشر للشعر الآن، حتى إن الكثيرين يعيدون نشر روابط النصوص التي ينشرونها في الصحافة الثقافية في صفحاتهم الفيسبوكية، ويُستفاد من ذلك أن الفيسبوك أسرع في نشر النصوص والتفاعل معها، وتلك ميزةٌ كبيرة لا تتوافر عادةً في النشر الورقي. وكان المصري قد دخل الـ «فيس بوك»عام 2008 « يوضح قائلاً «ظلَّت صفحتي خاملة ثلاثة أعوام، حتى اندلعت أحداث ثورة 25 يناير 2011 في مصر، وحينها دعاني صديق إلى الفيسبوك، لأشارك في الحوار الذي اندلع هو الآخر أثناء وبعد الثورة. ومع التفاعل الفيسبوكي إن جاز التعبير، بدأت بنشر نصوصٍ لي، لتتحول الصفحة من الحوار أو الشجار بشأن ما يجري، إلى منصة نشر، لا أستند في استخدامها إلى أي أفكار مسبقة عن النشر العربي بشكل عام، لكن يمكن القول بقدر من اليقين إن الفيسبوك يجلب قدراً من الاهتمام بالنصوص، قد لا يتوافر في الصحافة الثقافية الورقية أو في أي منصات نشر أخرى»… وعن أسباب المضي في هذا النشر يقول المصري «إن نشر النصوص على الفيسبوك، يحرر الكاتب إلى حد كبير، من قيود النشر في الصحافة الثقافية، ويدفع الكاتب أو الشاعر كذلك إلى المشاركة في محتوى تفاعلي على مدار الساعة، ويُساهم هذا في إنضاج النصوص والتجارب الشعرية، أو على الأقل في رؤية خريطة تقريبية للشعر العربي بتعدد الشعراء والبلدان والتجارب». أما ما الذي جناه من هذا النشر فيقول المصري «لقد وصل صوتي عبر الفيسبوك إلى قراء، ما كان ليصل إليهم عبر وسائل النشر التقليدية، كما وصلتني أصوات عبر الفيسبوك، ما كان لي أن أعرفها من دونه، لأنه أيضاً، ومع القيود المفروضة عربياً على المطبوعات والكتب، يصبح النشر مسألة شاقة كعرض محتوى إبداعي وكمادة خاضعة دائماً للرقابة. وفي هذا الإطار، فإن النشر في الفيسبوك «نعمةٌ كبيرةٌ» بالفعل».
تواصل مع المهمَّشين
القاصة سلوى زكزك لا تنشر إبداعها القصصي بل تنشر مشاهداتها اليومية التي تلتقط فيها آلام الناس وأوجاعهم وأحلامهم المؤجلة، ولا تنسى أن تطرزها بمشاعرها الإنسانية التي هي تتماثل مع الموقف الأدبي، ما يساعدها فيما بعد على تحويل بعض المشاهدات لنصوص قصصية مزدانة بمفارقات فنية أصغينا إليها ذات أمسية. تستهل سلوى مساهمتها بالقول: «بالنسبة لي الجمهور المتلقي هو الأساس، ليس بدافع كسب التأييد أو الإعجاب فقط، بل لأنني أكتب يوميات أهل الهامش كما أسميهم. فالمنابر التقليدية غير مقروءة لأسباب عدة، وتالياً تفقد عملية المتابعة جوهرها التفاعلي ويكون التواصل رسمياً أو مخصصاً، وهذا يتنافى مع المتابعة اليومية والتفاعل المباشر. وهناك قضية أخرى هي سهولة التواصل عبر منصة الفيس، فبمجرد جلوسنا في أي مكان نفتح الشاشة لتصلنا كل التحديثات مباشرة». وتوجّه سلوى لشريحة محددة تكتب عنهم ومن ثم تنتظر تفاعلهم، دفعها لاختيار اللغة العامية للكتابة، وعن ذلك تقول « اخترت اللغة العامية لأنها لغة أبسط للتواصل ومعبّرة أكثر، وهذا شرط غير مقبول في وسائط الإعلام التقليدي، ربما التفاعل المباشر يغني الحالة الوجدانية. ولابد من الإشارة إلى أن الكثير من التعليقات تغني الموضوع وتمنحه أبعاداً إبداعية أو إخبارية وتزيد من التفاعل العام، وهذا ما أطمح له صراحة، وهو حصادي من النشر على هذه المنصة».
لكن برغم ما سبق ما الذي تفضله سلوى« مازلت أفضل القراءة على الورق.. ومازال للورق سحره الخاص، لكن السهولة والسرعة والرغبة في إرضاء جمهور عفوي غير قارئ أصلاً، هي مسببات واقعية حسب رأيي». وقد لاحظت سلوى من خلال التفاعل « أن الناس تستسيغ نتاج الكتّاب غير المختصين..الهواة، المنفعلين، لأنهم يشعرون حينها بصدقية اللحظة وراهنية الخبر أو التفاصيل، فيتبادل القارئ والكاتب أدوار اللاعبين الأساسيين والمباشرين، وكأنهما معاً في ساحة الحدث».
الزمن الآخر
الشاعر حسان الجودي لا يكتفي بنشر قصائده بل ينشر قصصاً بنكهة مميزة منسوجة أحياناً على خيوط علمية، ويحاول حتى في منشوراته تفكيك المقدّس، وتلقى كتاباته مثل كتابات زملائه متابعة فاعلة. لكن ما علاقة عين ( رع ) بالمسألة؟ يقول الشاعر الجودي «إنَّ خلو الفضاء الأزرق من مقصّات الرقابة العربية، هو ما يدفعني إلى نشر نصوصي فيه. والأمر ممتع من دون شك، حين تستطيع الإبحار في الأبديةِ من دون عين (رعْ) اليقظة. لقد شكّلَ نشاطي هذا بديلاً نهائياً عن النشر بالوسائط التقليدية، وهي التي تحتفي بالزمن منجزاً ورقياً، وتقدّمه وفق شروط الوصايات السياسية أو الدينية أو الأيديولوجيات صاحبة النصّ المقدس. لذلك أحضرُ دائماً في الفيس بوك، لأنني لا أرغب في الخروج من الزمن الآخر البديل، المعادل الموضوعي للحرية». أما ماذا تشبه متعة النشر هذه، فيقول: «أستمتع بنظام المكافأة الذي يقدمه الفيس بوك. فحالما تنشر نصاً، تحصل على التفاعل الفوري من القرّاء، وهذا يشبه تماماً الحصول على أي متعة أخرى كالطعام، التي تثير الشهية مرة تلو الأخرى. لكنّ المسألة الأهم من ذلك، هي سؤال أعاد الفيس بوك طرحه على الكاتب؛ لمن أكتب؟ ومن هم قرّائي؟» وهل هذه الأسئلة فرضت على الجودي شيئاً ما، يجيب «لقد وضع الفيس بوك أمامي نماذج محددة تتلقى نصوصي، وأقصد بذلك أصدقاء الصفحة. وأثّر ذلك بلا شك في نوعية النصوص التي أكتبها، وصرت مهتماً بردود الأفعال، وصرت أحرص أحياناً على الكتابة بشكل يرضي أصدقاء الصفحة. لكنني غير راض عن ذلك قطعاً! لأنَّ التلقي مسألة حساسة، وما يعجب فلاناً قد لا يعجب آخر. والإخلاص لشروط الكتابة الإبداعية هو أهم وأجدى من الإخلاص لذائقة المتلقين على الفيس بوك». ولماذا لا يقع الجودي أسير ضجيج هذا الجدار، يقول «رغم ما سبق، نقبّل يديه امتناناً، ونحن نحتفل بتلك الضلالات اللذيذة وأهمها الاعتقاد بالنجومية قياساً إلى مئات اللايكات الزائفة التي يمكن شراؤها بالنقود أيضاً مثل الكولا والبيتزا والحبوب الزرقاء. أعتقد أخيراً أنَّ الفيس بوك هو شركة ربحية قبل كل شيء، ولا علاقة لها بالشأن الثقافي. ولا يمكن أن تكون منصة ثقافية. لذلك في كثير من الأوقات أعود إلى الداخل، لأنَّ ضجيج الفيس بوك لا يحتمل. وأكتفي به ساعيَ بريدٍ لإدارة الشؤون الثقافية والعاطفية».
نحو الجنون
الفنانة روناك عزيز تنشر إضافة إلى لوحاتها نصوصاً شعرية، واحتفاءات الأصدقاء بلوحاتها التي تحوّل بعضها أغلفة لكتب أدبية. بدأت بالنشر على الـ «فيس بوك» بعد أن هاجرت إلى السويد منذ ثماني سنوات، فبعد التواصل مع الأهل، تقول وجدت فيه «ما لم أجده في الواقع، بصراحة كنت أنشر ما أريده من نصوصي وصوري من دون أن يستوقفني أحد، ففي الفيس أنت مدير صفحتك أنت المشرف والمتصرف فيه. ثم بدأت بنشر أعمالي والصور الفوتوغرافية التي كنت التقطتها كل يوم. وأعتقد أنني ربما أشبه بعض الفنانات والشاعرات، إذ لا يهمني عدد الإعجابات بقدر ما يهمني أن أنشر إعلاناً للوحاتي وأن نشاطي مستمر وأني على قيد الحياة». والـ «فيس بوك» يقدّم لنا مفاجآت ربما تكون صادمة، تقول الفنانة روناك «انتبهت إلى أنني عندما أنشر نصاً تعبت عليه جداً أنتظر بشغف لأرى مدى تفاعل الناس معه في العالم الافتراضي، لكن للأسف فالحقيقة الصادمة أن هناك تفاعل قليل مقارنة مع ما أنشره لأي صورة لي وأنا ابتسم. فالناس تحب الصور والإعلانات، وإعجابات الفيس شيء لا يعول عليه. فمن يتفاخر بذلك أعده نوعاً من الغباء، لأن الفيس كما يعلم الجميع عالم افتراضي ممكن إزالته بكبسة زر» وعن الوجه الإيجابي تقول روناك «لكن هذا العالم الافتراضي أيضاً قادني إلى أن أعرض لوحاتي في صالات عرض في النمسا، وفرنسا، وألمانيا. وكذلك حرضني على جمع نصوصي لنكون ديواناً جميلاً». وروناك تؤمن بوسائل النشر الأخرى لكنها غير متاحة وسهلة كما هو الـ «فيس بوك»، فتلك تحتاج كتابة رسالة إلكترونية وديباجة لمسؤول النشر فيها، بينما الفيسبوك لا يحتاج علاقات ووساطة أحدهم، كما هو سائد على الأغلب، فأنت تنشر فوراً من دون أي إعاقة. وتختتم روناك مساهمتها بالقول: «الـ «فيس بوك» شر لابد منه إن أخذنا الأمور ببساطة… لدي الآن صفحة عامة وأخرى خاصة يتابعها أكثر من خمسة آلاف شخص. ولا أدّعي أبداً، إذ إنني أصبحت أعرف أكثرهم، فيا إلهي هذا هو هوس العالم الافتراضي الذي قد يقودنا إلى الجنون».