لا يزال بناء الجدار على الحدود بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك مثار جدل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب و«الديمقراطيين» في «الكونغرس», فرغم مرور 24 يوماً على الإغلاق الجزئي للمؤسسات الفيدرالية بسبب رفض ترامب التوقيع على الميزانية، إلا أن الأفق خالٍ من أي بوادر تسوية بين ترامب «الجمهوري» الذي يريد تمويل الجدار بقيمة 5,7 مليارات دولار وبين «الديمقراطيين» الذين يصرّون بشدة على رفض هذا المشروع.
واقع الحال هذا ينذر بتأزم أكبر بين الطرفين, وخاصة أن ترامب لم يكتفِ بتهديد «الديمقراطيين» بتمديد الإغلاق الفيدرالي إلى ما لا نهاية حتى يمرر «الكونغرس» مطلبه بتمويل ميزانية الجدار, بل ذهب إلى أبعد من ذلك وهدد باستخدام سلطاته واللجوء إلى فرض حالة الطوارئ ليتمكن من بناء الجدار.
صحيح أن ترامب أعلن عدم نيته حالياً فرض حالة الطوارئ التي تمنحه سلطات استثنائية بانتظار تحرك من «الكونغرس» بشأن تمويل الجدار مع المكسيك، إلا أنه في حال غيّر رأيه كما جرت العادة وأعلن حالة الطوارئ فإنه يستطيع أخذ جزء من ميزانية وزارة الدفاع لتغطية نفقات بناء الجدار الحدودي الذي أصبح بالنسبة لترامب ومؤيديه من الحزب الجمهوري بمنزلة معركة بقاء، لأن عدم تنفيذه سيجعل ساكن البيت الأبيض غير صادق أمام قاعدته التي تشير دائماً إلى وعده ببناء الجدار وكأنها تمسك زلة على ترامب تعيّره بها في كل مناسبة.
رغم أن ترامب يستطيع فرض حالة الطوارئ وقت ما يشاء لأنها ضمن سلطاته, إلا أنه من المستبعد أن ينجح في إعلانها حالياً في ظل المواجهة «الديمقراطية» الشرسة. ناهيك عن أن هذه الخطوة قد تثير استياء أكثر من «الديمقراطيين» وتدفع بعض «الجمهوريين المعتدلين» إلى التصويت لمصلحة عزل ترامب, وهذا أكثر ما يخيف الرئيس الأمريكي ويجعله يعد إلى العشرة قبل الإقدام على أي خطوة قد تطيح به من البيت الأبيض.
وعليه, فإن قضية الجدار باتت محسومة سلفاً، وترامب وضع نفسه في مأزق لا يعرف كيف يخرج منه, والذي يزيد من عمق المأزق ما يواجهه ترامب من عجز في الميزانية وبطء في النمو الاقتصادي الذي سيقلل من الدعم له، وخاصة أن النقطة الرئيسية التي يتفاخر فيها أمام الأمريكيين هي (عافية الاقتصاد). ناهيك عن الإغلاق الحكومي والفضائح المتزايدة والهبوط الحاد في الأسواق المالية وموجة الاستقالات المتتالية وتهاوي شعبية ترامب إلى مستويات قياسية. هذه كلها مؤشرات واضحة تدل على أن رئاسة ترامب في خطر الخروج عن السيطرة.
وبعيداً عن الأزمة الداخلية الأمريكية وما ستسفر عنه معركة عض الأصابع بين ترامب و«الديمقراطيين», يبقى السؤال: ماذا لو بُني الجدار فعلاً؟ ما الذي سيحصل وماذا سيتغير في واقع الحال؟. كلها أسئلة تفضي إلى إجابة واحدة وهي أن هذه الخطوة «الترامبية» -إن تحققت- ستمهد الطريق أمام دول أخرى للقيام بالمثل, وعليه فإن الجدار لن يبنى بين أمريكا والمكسيك فحسب، بل سيبنى في كل مكان, ما يعني أننا في المستقبل سنشهد جدراناً حدودية بين الدول لترسيخ مفهوم العنصرية وتكريس الحدود الجغرافية بعوائق حديدية وإسمنتية تحت ذريعة «حفظ الأمن والاستقرار».