إن المتابع لمسيرة ماكرون يدرك ببساطة أنه قفز قفزات سريعة حتى وصل سدة الرئاسة، من دون أن يكون له تاريخ سياسي عريق كبقية الرؤساء أو السياسيين الفرنسيين.
فمن هو ماكرون وكيف وصل إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية؟
ولد إيمانويل ماكرون في الـ21 من كانون الأول عام 1977 في أميان، أتم دراسته الابتدائية والثانوية في المدينة نفسها، ثم تابع دراسته في باريس في مدرسة هنري الرابع، وحصل على بكالوريا علمية، كما فاز في المسابقة الفرنسية العامة عام 1994.
وقد قبل ماكرون في مدرسة هنري الرابع وفشل مرتين في امتحان القبول في مدرسة الأساتذة العليا، لكنه استطاع دخولها لاحقاً وحصل على درجة الماجستير وعلى دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة من جامعة باريس نانتيير، وفي عام 2001 تخرج في معهد الدراسات السياسية في باريس، وانتقل إلى مدينة ستراسبورغ الفرنسية، ليدرس في المدرسة الوطنية للإدارة بين عامي 2002-2004، وخلال دراسته في المدرسة الوطنية للإدارة أوفدته المدرسة لعمل تدريبي في السفارة الفرنسية في نيجيريا.
تزوج ماكرون من بريجيت ترونيو التي كانت معلمته أثناء دراسته في أميان، وهي تكبره بأربعة وعشرين عاماً، إذ التقى الاثنان أول مرة عندما كان ماكرون طالباً في صفها ويبلغ من العمر 15 عاماً، ولكن أصبحا رسمياً مرتبطين عندما بلغ عمره 18 عاماً.
حاول والداه في البداية إبعادهما عن بعضهما وذلك بإرساله إلى باريس لإنهاء السنة الأخيرة من دراسته، لكن ماكرون استمر في العلاقة مع بريجيت وتزوجا رسمياً بعد تخرجه في عام 2007 وهما يعيشان إلى الآن مع بعضهما ومع أطفال بريجيت الثلاثة من زواجها السابق.
ممالا شك فيه أن حياة ماكرون العملية قد مرت بعدة مراحل، فبعد تخرجه في المدرسة الوطنية للإدارة في عام 2004 أصبح ماكرون مفتشاً مالياً قبل أن يبدأ في عام 2008 عمله الجديد مصرفياً استثمارياً في بنك روتشيلد آن دسي.
أما حياته السياسية فقد بدأت عام 2006 عندما انضم للحزب الاشتراكي وعين بعدها في الـ2012 نائباً للأمين العام لرئاسة الجمهورية الفرنسية لدى الرئيس فرانسوا أولاند، ثم عين وزيراً للاقتصاد والصناعة في حكومة مانويل فالس الثانية وذلك حتى عام 2016.
وفي نيسان من عام 2016 انسحب من الحزب الاشتراكي وأسس حزب «إلى الأمام» ذا التوجهات الوسطية، وأعلن ترشيحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية في الـ 16 من تشرين الثاني من عام 2017 بناء على التبرعات التي كان يجمعها والوعود برعاية حملته، كما انتقل للجولة الثانية من الانتخابات بعد مجيئه في المرتبة الأولى بفارق صغير عن مرشحة الجبهة الوطنية اليمينية مارين لوبان، وحصل على دعم كل من مرشح حزب الجمهوريين اليميني فرانسوا فيون، ومرشح الحزب الاشتراكي اليساري بونوا أمون، وفاز في الانتخابات في الـ7 من أيار عام 2017 بعد فوزه على مارين لوبان بنسبة 66,06 في الانتخابات الرئاسية وأصبح رئيساً للجمهورية وتولى مهامه الرئاسية رسمياً في الـ 14 من أيار 2017.
وكان ماكرون قد نشر في تشرين الثاني عام 2016 أول كتاب له بعنوان «الثورة» طبع منه 200 ألف نسخة وكان من بين أكثر الكتب مبيعاً في فرنسا آنذاك.
وصف بعض المراقبين ماكرون بأنه ليبرالي اجتماعي، بينما أطلق عليه البعض صفة ديمقراطي اشتراكي، وخلال فترة وجوده في الحزب الاشتراكي الفرنسي، دعم اليمين في الحزب الذي ارتبط موقفه السياسي بسياسات «الطريق الثالث» التي طرحها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والمستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرويدر.
كان إيمانويل ماكرون جزءاً من سلسلة خلافات منذ بداية حياته السياسية على الرغم من اتباعه استراتيجية تواصل ضيقة ومحاولاته المستمرة لتجنب تفاعل وسائل الإعلام معه، وأعلن في الـ 30 تموز 2017 بأنه لن يتحدث في يوم الباستيل (الاحتفال باليوم الوطني الفرنسي) مخالفاً بذلك تقليداً رئاسياً قائماً منذ فترة طويلة.. وعلقت صحيفة «لوموند» الفرنسية آنذاك بأن سبب عدم ظهور ماكرون في وسائل الإعلام هو أن طريقة تفكيره كانت معقدة جداً.. بينما نشر موقع «بوفيدنس» الفرنسي مقالة بعنوان «عشر جمل معقدة جداً قالها ماكرون.. عذراً أيها المغفلون»..وأطلقت مجلة «ماريان» الفرنسية مقالة أخرى بعنوان «نحن لا نفهم الرئيس ماكرون».
وأثناء الفترة الأولى من رئاسته اندلعت أعمال شغب فيما يسمى الأراضي البعيدة بسبب الحرمان الاجتماعي، وإهمال الرعاية الصحية والافتقار إلى الرعاية الاجتماعية، ثم ما لبثت أن اندلعت أعمال شغب أخرى بعد أن استبعد ماكرون إرسال مساعدات إضافية أخرى إلى تلك المناطق قائلاً: أنا لست الأب كريسماس.. بابا نويل.
أما سياسته الخارجية، فهي تتلخص بالتمسك ببقاء فرنسا في حلف شمال الأطلسي «الناتو» بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وهو يؤيد فكرة أوروبا الواحدة.
هذا هو باختصار إيمانويل ماكرون الذي يعدّ عمله في مصرف روتشيلد اليهودي مفتاح ظهوره على الساحة الفرنسية والدولية.
عن «إنترناشيونال انتريست»