مؤخراً، وبسبب مفرزات الحرب على سورية، صرنا نسمع كثيراً عن موضوع الدعم النفسي الذي كان قبل 2011 يعد نوعاً من أنواع الترف الاجتماعي أو الصحي، فالجمعية الفلانية تقدم الدعم النفسي، والمنظمة الفلانية تقدم الدعم النفسي، وفلان مختص بالدعم النفسي، وفلان يخضع لجلسات دعم نفسي.
وعند العودة للاختصاصيين وأهل الشأن، تبين أن الموضوع ليس بالبساطة والسهولة التي تخول الآلاف للعمل به، وأنه علم دقيق وحساس جداً، ولا بد من ضوابط له، خاصة حين نتحدث عن التوجه للأطفال.
(تشرين) زارت أهم الجهات التي تضم في برامجها موضوع الدعم النفسي، والتقت مختصين، ليقدموا للقارئ معلومة صحيحة وممنهجة فيما يتعلق بالموضوع.

الاستشارية في العلوم السلوكية والتدخل المبكر ومديرة مركز قاسيون لتنمية الطفولة روعة كنج التي شاركت في استجابة الغوطة العام الماضي مع إحدى الجهات وكانت شاهداً عليها، قالت: (كان من المفروض أن تكون التجربة السورية في الدعم النفسي أفضل مما تم تقديمه بكثير، وعلى الرغم من أن وضع البلد لم يكن يسمح بكثير من الأمور، لكننا لو أخذنا استجابة الغوطة في العام الماضي وما حصل خلالها في موضوع الدعم النفسي بالتحديد كمثال، يحق لنا أن نتساءل: ألم تكن السنوات الخمس أو الست التي سبقت عودة الغوطة إلى سابق عهدها كافية ليتدرب مقدمو الدعم النفسي على أرض الواقع بعيداً عن المكاتب والقاعات والمحاضرات؟ لأن ما جرى عكس نقصاً في الكوادر والتخطيط الاستراتيجي ومعالجة الأخطاء).
وأكدت كنج أن كثيراً من مقدمي الدعم النفسي بحاجة إلى دعم نفسي وإلى دعم فكري وعاطفي، ولا تكفي شهادة الإرشاد النفسي لممارسة هذا العمل الخطير، فالكم المعرفي لا يكفي لإدارة خطة دعم نفسي، وهناك مساحة مهمة للإمكانات والمهارات التي يمتلكها الشخص نفسه الذي توكل إليه مهمة الدعم النفسي، لذا رأينا الكثير من المتطوعين الذين كانت إمكاناتهم ومهاراتهم ضعيفة جداً من حيث إدارة الحوار وأسلوب المخاطبة الذكي، والتعبير السليم من حيث لغة الجسد، وغير قادرين على استيعاب حجم ما سيواجهونه خلال الاستجابات التي عملوا فيها، وكثير منهم لا يعرفون شيئاً عن الأشخاص الذين سيقدمون لهم الدعم النفسي، وهذا خطأ كبير، فمن أهم شروط تقديم الدعم النفسي الصحيح، معرفة الآخر الذي سيقدم له هذا الدعم، ولاحظنا خلال استجابة الغوطة أن الكثير ممن جاؤوا لتقديم الدعم النفسي من مختلف الجهات، كان يتملكهم شعور بالخوف من الآخر ومن الوضع العام، أو شعور بالشفقة، وكانت لديهم انطباعات غير موضوعية تحول دون العمل بموضوعية وحرفية عالية.

الحاجات الأساسية أولاً
وشددت كنج أنه وقبل كل شيء، يجب توفير الحاجات الأساسية للإنسان المراد تقديم الدعم النفسي له من مسكن وغذاء ودواء ونظافة.. الخ، ومن الممكن بعدها أن يشعر هذا الشخص بشيء من الطمأنينة، وتالياً نستطيع تقديم الدعم النفسي له، موضحة أن هناك أموراً بسيطة جداً تتسبب في حصول عكس النتيجة المراد الحصول عليها خلال تقديم الدعم النفسي، مثل الأسئلة الكثيرة التي تأخذ شكل الاستجواب، وتُشعر الطرف الآخر بالقلق، لذا، فإن ما جرى في بعض الاستجابات، هو أن مقدمي الدعم النفسي تحولوا الى تلبية الحاجات الأساسية، أو تدوين المعلومات التي قد تكون مغلوطة أو منقوصة.
وتضيف الاستشارية كنج: إن هناك أمر آخر، بعض المناطق التي تمت الاستجابة لخروج أهاليها، شكّلت مجرد رؤية نساء يختلطون بالذكور تردداً وعدم ارتياح، فهل كانت كوادرنا مؤهلة وعلى علم بهذه الفرضيات سلفاً لتستطيع التعامل معها؟
وأشارت كنج إلى أن مقدم الدعم أيضاً مصابه جلل من ناحية الألم الذي تخلفه رؤية مشاهد حرجة، وهو أيضاً بحاجة لدعم، لأنه تدرب ضمن قاعات ولم يتعرف على الوضع الحقيقي على الأرض من قبل، وعلى مقدم الدعم النفسي أن تكون لديه خبرة أيضاً في الإسعاف الأولي، ليس من أجل علاج شيء صعب بالتأكيد، وإنما من باب طمأنة أم أو أب طفلهما حرارته مرتفعة مثلاً، أو يعاني ألماً بسيطاً، لذا، فإن الدعم النفسي يحتاج خبرات كبيرة، وبمنتهى الوضوح، الدعم النفسي في بعض الاستجابات لم يكن فائضاً عن الحاجة فقط، بل زاد الطين بلة، وذلك نظراً لنقص الخبرات وعدم توافر مقومات تنفيذ وتطبيق الدعم النفسي لعدة أسباب أهمها عدم رغبة الآخر بتلقي هذا الدعم، والقلق من المجهول بالنسبة إليه، ومن الأفضل أن يتحول الدعم النفسي لأمور أخرى في بداية الاستجابات.
وعن إمكانية العلاج النفسي للأطفال الذين تعرضوا لأحداث كبرى، شددت كنج على أنه حتى لو لم يكن ينفع معهم العلاج النفسي، علينا إقناع أنفسنا بالعكس، مبيّنة أن لدى كل إنسان قدرة على مقاومة الأحداث الكبرى، وهي تختلف من شخص لآخر، وتتم تنميتها منذ الصغر، مثال: هناك طفل إن وقع على الأرض يقف ويكمل، وهناك أطفال يبكون، لذا هناك أطفال ممكن أن تكون استجابتهم سريعة للعلاج النفسي وتكون نتائجهم مرضية، وعلينا أن نؤمن أنه مع الجهود المكثفة والمدروسة، من الممكن الخروج من الظلامية، وخاصة أن الطفل لديه مرونة كبيرة.

تحويل الدعم النفسي إلى ثقافة
وختمت كنج بأن الدعم النفسي يحتاج رعاية مستمرة وملائمة لحاجات الشخص ذاته من دون غيره، إذ تختلف حاجة كل فرد واستجابته ومرونته ولياقته النفسية. مضيفة أنه لابد من الإيمان الكامل بأهمية الدعم النفسي لإعادة خلق التوازن الداخلي للأفراد والتوازن ضمن المجتمع وتحسين العلاقة مع الذات والمحيط وأن يكون مستداماً وليس استجابة لحدث ما فقط ويتم نسيانه، مشددة على ضرورة أن يتحول الدعم النفسي بعد سنوات الحرب إلى ثقافة مجتمعية، لأننا جميعاً نمارسه بشكل ما – ولو من دون حرفية – من حيث ندري أو لا ندري.

البداية عام 2007
وفي مقدمة الجهات التي اضطلعت بمهمة تقديم الدعم النفسي في سورية، منظمة الهلال الأحمر العربي السوري، وقد التقت (تشرين) مديرة قسم الدعم النفسي الاجتماعي والحماية في المنظمة الدكتورة فايزة العبد الله (دكتوراه في الإرشاد النفسي ماستر في الدعم النفسي الاجتماعي والحوار) التي أوضحت أن المنظمة بدأت بتقديم الدعم النفسي الاجتماعي منذ العام 2007 مع وصول العراقيين المهجرين نتيجة الحرب إلى سورية، وكانت الخدمات تقدم في كل أماكن وجودهم على كامل مساحة سورية، إضافة إلى استهداف السوريين في تلك المناطق أيضاً، لأن المجتمع المضيف يتأثر بما يجري. وكانت البداية عبر المراكز صديقة الطفولة والمراكز المجتمعية، وهي مراكز مؤهلة ومجهزة بشكل جيد لتقديم مختلف الخدمات، وكان التركيز ينصب على الأنشطة الإبداعية والأنشطة الموجهة ذات الهدف.
وأضافت د. العبد الله أن الهلال الاحمر استمر في تقديم الخدمات المذكورة حتى عام 2011 ،وعند بدء الأزمة في سورية، كانت هناك ضرورة لتعديل المقاربة التي يتم العمل وفقها، فما عاد كافياً العمل في مراكز ثابتة، ولأن الهلال الأحمر هو جهة تلتزم الحياد حسب مبادئها، وتالياً هي أكثر قدرة على الوصول إلى مختلف المناطق ومختلف الفئات والمستفيدين، فقد ازدادت مسؤوليتها تجاه الأحداث، فبدأت المنظمة بتنفيذ فكرة الفرق الجوالة، وهي فرق من المتطوعين والاختصاصيين المدربين والمؤهلين، يصلون إلى المستفيدين حيث يكونون.
قدمت هذه المراكز والفرق ولا تزال تقدم عبر متطوعيها خدمات تستهدف كل الفئات العمرية (الأطفال – اليافعين – الشباب – مقدمي الرعاية)، وهي في أغلبيتها خدمات لها علاقة مباشرة بحاجات الفئات التي يتم الوصول إليها مثل الأنشطة الموجهة، وبرنامج المرونة عند الأطفال، ومهارات الحياة لليافعين والشباب، ومؤخراً برنامج مقدمي الرعاية، إضافة إلى خدمات التوعية مثل التوعية من مخلفات الازمة، ومواضيع الحماية عند الأطفال، ومواضيع أخرى يتم طرحها بناء على المستفيدين، والتعليم غير الرسمي مثل (مقهى لحل الوظائف، دورات محو الأمية، صفوف تقوية غير رسمية للتركيز على بعض المهارات) وبعض التدريبات المهنية للشباب ومقدمي الرعاية وخدمات إدارة الحالة.

شروط يجب توافرها
وعن الدعم النفسي الاجتماعي تحديداً، والشروط والمواصفات الواجب توافرها في مقدمي هذه الخدمة، قالت د. العبد الله: (فيما يخص الدعم النفسي الاجتماعي، لدينا مختصون في دراسة الحالات، هؤلاء، حكماً يجب أن تكون شهاداتهم العلمية (علم نفس أو إرشاداً نفسياً)، وهم مدرَبون على المتابعة التقنية وإدارة الحالة للمستفيدين وللفرق العاملة، ويخضعون لدورات مستمرة ليعملوا وفق المقاربة المعتمدة من قبل الهلال الأحمر، أما المتطوعون، فأغلبيتهم العظمى طلبة جامعات، وقبل التحاقهم بأي نشاط أو عمل – في حال اختاروا العمل في الدعم النفسي الاجتماعي يخضعون لورشة تعريفية بمنظمة الهلال الأحمر وخدماتها، ثم يخضعون لمقابلة مبدئية، ويقبل عددٌ منهم وبعد ذلك يتم إخضاعهم لتدريب آخر بشأن مبادئ الدعم النفسي الاجتماعي والإسعاف النفسي الأولي.
بعد ذلك، يتم العمل على بناء قدرات هؤلاء المتطوعين، من أجل التعمق وتلقي تدريبات في المواضيع التي تم ذكرها سابقاً.
وأشارت مديرة قسم الدعم النفسي في المنظمة إلى أن هناك ما يقارب 750 متطوعاً يعملون بالدعم النفسي الاجتماعي، و77 مركزاً وفريقاً جوالاً، لذا فإن بناء قدراتهم مستمر دائماً، إن كان في المركز الرئيس في دمشق، أو في فروع المنظمة في بقية المحافظات.

تدريب الكوادر لا يتوقف
وعن الاستمرار في تدريب وتأهيل هذه الكوادر، قالت د. العبد الله إنه وفي العام الماضي 2018، تم وضع خطة لإخضاع هؤلاء المتطوعين لدورات إعداد مدربين (TOT)، وعن الأمور التي سيتم التدريب عليها، وتم اختيار الخاضعين لهذه الدورات حسب شروط معينة، أولها أن تكون سيرة المتطوع الذاتية المقدمة جيدة، وعمره الهلالي وعمله في الهلال يمنحانه أهلية اتباع هذه الدورة، بعد ذلك يخضع المرشحون لدورة إعداد المدربين كمرحلة أولى، ومن يتجاوز هذه المرحلة ينتقل إلى المرحلة الثانية، وهي اختبار كتابي في المواد التي يتم إعطاؤها، ليتم التأكد تقنياً من أن هذا الشخص قد تلقى المعلومة بشكل صحيح، وسينقلها بشكل صحيح، وعادة يتم التركيز في تقييم المتدربين على مهارات التدريب، والمعلومات التي يمتلكها، ويترافق كل ما سبق بالمتابعة والإشراف عند قيامهم بإجراء التدريبات لمتطوعين آخرين بغرض معرفة أين يحتاج المسار إلى تصويب.
من ناحية أخرى، شددت د. العبد الله على أن مقدم الدعم النفسي ليس فقط مقدماً للخدمة، بل هو متلقٍ للضرر أيضاً، فهو جزء من هذا المجتمع.. وفيما يخص هذا الأمر، لدى منظمة الهلال الأحمر العربي السوري ضمن خطته لرعاية المتطوعين والموظفين مشروع اسمه دعم الأقران بدأ منذ ثلاث سنوات، ويعتمد على تدريب كوادر من الهلال الأحمر، لتكون داعمة للمتطوعين والموظفين في فروع المنظمة، عبر إقامة جلسات للحديث عن مختلف الضغوط النفسية التي يتعرضون لها.
أما عن الطريقة التي يستعلم عبرها الهلال الأحمر عن وصول خدمات الدعم النفسي التي يقدمها، أو ما يُدعى التغذية الراجعة، أوضحت مديرة قسم الدعم النفسي أنه، لدى قسم الدعم النفسي الاجتماعي اختبارات قبلية، واختبارات بعدية، إذ يتم تطبيق هذه الاختبارات لقياس مدى تحسن الرفاه النفسي الاجتماعي لدى المستفيدين، ومدى تحسن المعافاة لديهم.

ما الدعم النفسي؟
وللاستفاضة أكثر، التقت (تشرين) روان قطيفاني (ماجستير صحة نفسية عامة) ومسؤولة برنامج الدعم النفسي والحماية من العنف القائم على النوع في الأمانة السورية للتنمية التي تضم في برامجها تقديم الدعم النفسي التي أكدت في بداية حديثها أن لكل مرحلة نمائية في حياة الإنسان توجهها الخاص، فنحن نستطيع دعم صديق بكلمة، وطفل بلمسة على كتفه، ودعم أولادنا بألف طريقة، وهذا كله يعد دعماً نفسياً، لكن عندما نريد الحديث عن الأمر من الناحية التخصصية، فإن الأمر يختلف، وأول شروط الدعم النفسي المنهجي هو أن يكون الطرف المتلقي للدعم هو من قام بطلبه، فحتى نستطيع تقديم دعم ناجح لشخص، يجب أن يكون هذا الشخص لديه استعداد داخلي للخلاص من مشكلته، ولا يجوز فرض المساعدة النفسية على شخص لا يريدها ولم يطلبها، لأن الدعم النفسي الناجح هو اتفاق بين شخصين، كذلك يجب أن يكون مقدّم الدعم منهجياً وقادراً على الفصل بين مشاعره الخاصة وما يجري في جلسات الدعم، أي قادراً على تحصين نفسه والفصل بين مشاعره والحالة، فمسموح القليل من التأثر والتعاطف، لكن من دون عطف وشفقة.

العلاج النفسي الجماعي خاطئ
وشددت قطيفاني على أن من الأخطاء التي نراها اليوم في موضوع الدعم النفسي، العلاج الجماعي، وجلسات الدعم النفسي الجماعية، فالعلاج الجماعي يتم التوجه عبره لأصحاب الاضطرابات البسيطة، مثل الضغوط النفسية التي يتعرض لها أصحاب مهنة ما مثلاً، فيتم التوجه لهم بجلسة إرشاد جماعي، لكن لا نستطيع التوجه بعلاج جماعي لأشخاص يعانون الرهاب الاجتماعي مثلاً، لأنه من الممكن أن يتأثر المتلقي سلبياً، وما يُقال عن أن مقدم الدعم النفسي إن لم يكن متمرساً ولم يقدم فائدة فإنه لن يتسبب بضرر، مفهوم خاطئ جداً، لأنه قد يتسبب بضرر كبير، وأكبر الأضرار ما تتركه وعود الشفاء التي يقطعها بعض من يمارسون العلاج النفسي، خاصة أن بعض الأمراض والحالات النفسية لا علاج نهائياً لها، والمريض النفسي أو المضطرب نفسياً، هو أساساً شخص هش من الداخل، ويتمسك بأي وعد وأمل. كذلك على الاختصاصي النفسي أن يكون مدرباً جداً على عدة أمور، منها التفوه بكلام مدروس ومحدد، وأن يمتلك الكاريزما للجذب الصحيح، وأن يتمتع بالفصل وتحصين النفس تجاه المريض، ولديه مهارات تواصل جيدة، من ضمنها المقدرة على قراءة لغة الجسد.

فوضى بحاجة لضبط
وأسفت مسؤولة الدعم النفسي في الأمانة السورية للتنمية لوجود فوضى في موضوع الدعم النفسي، واصفة إياها بالـ (موضة)، إذ صار في الإمكان اتباع دورة بسيطة، ومن ثم المباشرة عبر بعض الجهات بتقديم الدعم النفسي، وترى أن الحل يكون بإنشاء اختصاصات ممنهجة، فالعلاج النفسي شيء، والطب النفسي شيء، والدعم النفسي شي آخر، كذلك من المهم جداً تقسيم العمل، فمهمة دارس الحالة تنتهي بإعطاء تقييمه، ثم يأتي دور المعالج ليشخص الحالة، ومن الضروري لكل العاملين في الدعم النفسي أن يعرفوا أساليب ومقاييس التشخيص وأن يتدربوا عليها، إضافة إلى ضرورة الابتعاد عن تحويل العلاج النفسي إلى تجارة، فالبعض يتقاضى مبالغ كبيرة للجلسة الواحدة.
وأشارت قطيفاني إلى أننا في سورية ليس لدينا اختصاص علاج نفسي، لدينا طب نفسي وإرشاد نفسي وعلم نفس، متسائلة: هل خريج الإرشاد النفسي وعلم النفس قادر على المعالجة؟ خاصة أن هناك قراراً يمنع افتتاح عيادة علاج نفسي لمن لا يحمل على الأقل شهادة ماجستير في الإرشاد النفسي؟ فما المانع من افتتاح اختصاص علاج نفسي؟ خاصة أننا وبسبب الأزمة والحرب صرنا بحاجة كبيرة له، والطبيب النفسي غير المعالج النفسي، فالطبيب يبحث عن نقطة الضعف ويعالجها مثل بقية الأطباء البشريين، بينما المعالج النفسي يبحث عن نقطة القوة ويقوم بتوسيعها ويتابع العلاج على أساسها، ويتبع تقنيات علاج كثيرة؛ سلوكية معرفية، واستراتيجيات كثيرة أخرى.
وعن طريقة التأكد من تحقق الغاية المرجوة من الدعم النفسي المقدّم، أوضحت قطيفاني أن نتيجة العلاج يتم التأكد منها من خلال التغير الإيجابي في سلوكيات المريض، ويتم التعرف عليها من خلال متابعة الحالة عبر المحيطين بالمريض؛ الأهل، الأصدقاء، المدرسة، فدراسة الحالة لها أسس، أولها جمع المعلومات عن المريض، وهذه المعلومات لا يتم جمعها من الشخص نفسه، بل عن طريق المحيط، وبسرية تامة، كذلك فإن خطة الاستجابة تتضمن التقييم الأولي للحالة، فإن كان الشخص يحتاج علاجاً تخصصياً، يتم وضع التشخيص المبدئي، وهناك التشخيص الفارقي، والتشخيص النهائي، وهناك الإحالات والمتابعات وخطوات كثيرة، وهناك أمر أساس، وهو أنه لا يجوز الحديث عن تأمين الدعم النفسي للإنسان قبل تأمين حاجاته الأساسية.

منارات «الأمانة السورية للتنمية»
وعن الأسلوب المتبع، والكوادر المعتمد عليها في تقديم الدعم النفسي في الأمانة السورية للتنمية، قالت قطيفاني، إن لدى الأمانة 24 منارة موزعة على أغلبية المحافظات، وهي مراكز اجتماعية تحتضن الأنشطة والبرامج الخاصة بالأمانة، في دمشق أربع منارات (باب شرقي – السيدة عائشة – دمر – برزة) ريف دمشق (قطنا – المعضمية – دير علي – التل)، وفي اللاذقية (الفاخورة القطيلبية – الشيخ ضاهر – الصليبة)، ومنارة السلمية، ومنارة دريكيش في طرطوس، ومنارة الشهبا في السويداء، وتسع منارات في محافظة حلب.
وتابعت: (الدعم النفسي هو برنامج من برامج المنارات، مقسم على أربعة قطاعات؛ (حماية الطفل) الذي يُعنى بكل المخاطر التي تحيط بالطفل، و(الدعم النفسي التخصصي)، وهو الذي يتعامل مع الحالات التخصصية التي تحوّل للمعالج ومن ثم للطبيب، فالأمانة متعاقدة مع معالجين وأطباء نفسيين، وقطاع (الحماية من العنف القائم على النوع)، وقطاع (برنامج التأهيل المنزلي)، الذي تعمل فيه الأمانة مع أهالي الأطفال المصابين بالتوحد ومتلازمة داون، ويتم عبره العمل على تدريب الأهالي على التعامل الصحيح مع المصاب، عبر برامج عالمية ممنهجة.

كوادر الأمانة اختصاصيون
أما الكوادر العاملة في قطاع الدعم النفسي، فمقسمة إلى مديري الحالة الذين يقومون بدراستها ويكونون نقطة الاتصال الأولى معها، وهم حصراً خريجو إرشاد نفسي وعلم نفس، وبعد التقييم، إن كانت الحالة لا تحتاج علاجاً نفسياً تخصصياً، يعملون معها على خطة استجابة معينة، ثم يأتي دور المعالج النفسي الذي تتعاقد معه الأمانة بشكل خارجي، ويجب أن يكون حتماً حامل شهادة ماجستير أو دكتوراه في اختصاصه، مع خبرة لا تقل عن أربع سنوات في التعامل مع الحالات، وعلى الأغلب هم أساتذة في جامعة دمشق ومؤهلون بشكل كبير، ويتصدون -على الأغلب – للحالات التخصصية التي تحتاج خطة علاج كاملة.
المرحلة الثالثة هي الطبيب النفسي، وأيضاً هناك تعاقد مع عدد من الأطباء في مختلف المحافظات، ودورهم يكون بوضع خطة استجابة كاملة (إرشادات مع الأهل – علاج سلوكي – وإرشادات سلوكية إضافة إلى الدواء)، إضافة إلى منسق التأهيل المنزلي لذوي أطفال التوحد، وهو خريج تربية خاصة، ويمتلك خبرة لا تقل عن سنتين في العمل مع أطفال التوحد. وأوضحت قطيفاني، أن الأمانة السورية للتنمية ليس لديها متطوعون يقدمون دعماً نفسياً، وهذا أمر غير مُفضل، لكن يمكن تدريب المتطوعين على تيسير جلسات التوعية ونشاطات أخرى، وهذا ليس انتقاصاً من معلومات أو قيمة أحد، لكن لأن الدعم النفسي أمر حساس جداً، ويفضل أن يضطلع به المختصون فقط.