ليست ككل الجرائم.. فالقاتل مجهول وهو ذاته لا يعرف أنه أصبح قاتلاً!
«لو أنه ذهب إلى ميدان الحرب أو إلى خط النار، أو إلى منطقة تماس مع المسلحين، لكان الأمر أقل وطأة، لكن أن أخسر ولدي برصاص طائش من حامل سلاح يحتفل برأس السنة مثلاً فهذا ما يزيد من فظاعة الكارثة التي ألمت بعائلتي».
المقدم حسن سلوم فقد ابنه البكر مجد برصاصة طائشة سقطت بشكل حر واستقرت في دماغه، لتنهي حياة فتى في السابعة عشرة من عمره.
لا يعلم قاتل هذا الشاب أنه أصبح مجرماً وقاتلاً، وهو يضغط على الزناد احتفاء بقدوم العام الجديد، أو أي مناسبة أخرى، كما لا يعلم القاتل قصة الشاب الوحيد لأهله الذي رحل وهو في الخامسة عشرة من عمره بسبب الرصاص الذي احتفل به بقدوم العام الجديد في اللاذقية، كما أن قاتل الطفلة الصغيرة التي كانت تنتظر نضوج اللحمة المشوية إلى جانب والدها لا يعرف أنها رحلت قبل أن تتذوقها، ليحول ذاك الرصاص الطائش رأس كل عام عند هؤلاء المفجوعين إلى يوم أسود في حياتهم.
وكانت وزارة الداخلية قد أهابت في بيان لها بالمواطنين الامتناع عن إطلاق الرصاص
في كل مناسبة نسمع تعميماً صادراً عن وزارة الداخلية «يهيب بالمواطنين الامتناع عن إطلاق العيارات النارية والمفرقعات العشوائية وأي مظاهر أخرى تعكر صفو هذه المناسبة»، ولكن على أرض الواقع يتبين أن هذا الكلام يأتي بمفعول عكسي، فهل يتمرد مطلقو النار على قرارات وزارة الداخلية، أم إنهم يعتقدون أنها غير جادة فيما تقول؟!!

يا للكارثة!!
وقف مجد وأخواه في أرض المنزل في مساكن جنود الأسد في دمر الشرقية، وما هي سوى لحظات حتى بدأ إطلاق النار بكثافة تكفي لفتح أكثر من جبهة كما يقول الوالد، وكان نصيب مجد أن تخترق رأسه الفتي تلك الطلقة الطائشة.
كان والد مجد مناوباً في عمله الميداني في محاولة لحماية أطفالنا من نيران المسلحين الغادرة، وإذا بطلق ناري يقتل ولده وهو في بيته، وممن… ولماذا؟؟
أمضت العائلة خمسة أيام تتابع حالة الفتى الذي لم يخرج من غيبوبته، ليعود إليهم مجد في كفن بعد خمسة أيام على إصابته!
لم يكن مجد الضحية الوحيدة للتعبير عن الفرح بالرصاص الحي، فمن الحالات أيضاً، وصول أهل بحالة هستيرية إلى المستشفى الوطني في اللاذقية يحملون ابنهم الوحيد في محافظة اللاذقية وقد اخترقت صدره رصاصة طائشة أطلقها محتفل بالعام الجديد.. كان صراخ والدته يملأ المكان كيف أنها أيقظته من نومه ليشهد قدوم العام الجديد، وكانت النتيجة خسارته حال خروجه إلى الشارع!
يقول المقدم حسن والد الضحية مجد إنه في البداية تقبل موضوع رحيل ابنه بهذه الطريقة إيماناً منه بالقضاء والقدر، لكن العائلة والأقارب مازالوا في حالة صدمة كبيرة لخسارة ابن كان يعقد عليه الكثير من الآمال، وبسبب الطريقة التي تسببت بخسارة فتى كان في الأمس يملأ البيت والمكان المخصص له في قلوب أهله وأقاربه.
ومن قلب يفيض بالقهر والوجع تحدث أبو مجد عن ضرورة إيجاد حل جذري لظاهرة إطلاق النار العشوائي في المناسبات، كي لا تتكرر فجيعة ابنه مع أحد، ويرى أن المشكلة في طريقة التعامل مع السلاح، فهنالك من يطلقون النار للتعبير عن المشاعر في الأعراس، والعزاء، والجنازات، وأثناء مباريات المنتخب، وعندما يغضب أحد من الآخر لأي أمر حتى لو كان يتعلق بركن السيارة. يقول: إن استخدام السلاح أصبح بديلاً عن العقل والمنطق، وكل هذا يستدعي حلاً لهذا الأمر، لكيلا يتحول استخدام السلاح إلى عادة عند كل منطقة!
يتمنى المقدم سلوم أن يعامل ابنه معاملة الشهداء المدنيين، ويؤكد أنه سيلجأ لمقاضاة كل من وزارتي الداخلية والدفاع لأن مسؤولية ضبط استخدام السلاح تقع على عاتقهما.
استنفار قبل كل مناسبة
مدير المشفى الوطني في اللاذقية الدكتور لؤي سعيد أكد أنهم يأخذون الكثير من الاحتياطات قبل المناسبات لأنهم يتوقعون حصول إصابات، ويتابعون برنامج المناوبات على مدار 24 ساعة، مع تأمين كميات إضافية من المواد الطبية المطلوبة للإسعاف والعمليات، ويضعون فريقاً طبياً جاهزاً احتياطياً لطلبه عند الحاجة. أضاف د. سعيد أن عدد الإصابات التي سجلتها مديرية صحة اللاذقية في ليلة رأس السنة 40 إصابة، منها 16 وصلت إلى المستشفى الوطني، ناتجة عن طلق ناري وألعاب نارية، وتراوح نوع الإصابات بين البسيطة ليصل بعضها إلى الوفاة، كحالة الفتى ابن الخمسة عشر عاماً وحيد أهله، بعدما استقرت الرصاصة في قلبه، وطفلة أخرى، علماً أن هنالك إصابات لا تصل إلى المشافي كما أكد د. سعيد.
أما مدير قسم الإسعاف في مستشفى دمشق د. صلاح اسماعيل فيؤكد أن عدد الإصابات التي وصلت المستشفى بلغت 61 إصابة، اثنان منهما فارقا الحياة، بسبب إصابة بالغة في الرأس، وأن ثلاث حالات إصابتهم في البطن وخضعوا لعمليات جراحية في البطن. أضاف د. اسماعيل أن المصابين في عمر الشباب وتتراوح أعمارهم بين 18- 35 عاماً، وأكد أن المشفى في حالة تأهب دائم ولاسيما منذ بداية الحرب، ولكنهم يكثفون عملهم في المناسبات كرأس السنة، والمباريات الرياضية، وبعض الأحداث الأخرى التي يحتفلون فيها بإطلاق الرصاص وينتهي أغلبها بضحايا.
شرطي لكل مواطن
معاون قائد شرطة دمشق العميد وليد الخبّي أكد ازدياد ظاهرة إطلاق الرصاص العشوائي خلال فترة الحرب على سورية، للتعبير إما عن الحزن وإما عن الفرح، وحصد في السنوات الماضية أرواح الكثير من المواطنين وخاصة من الأطفال، وأنهم نظموا من بداية العام الماضي وحتى تاريخه في دمشق 150 ضبط إطلاق نار عشوائي، كانت ضحاياها 4 وفيات وأكثر من 100 إصابة.
وعن أسباب عدم تطبيق التعاميم التي تصدرها قيادات الشرطة على امتداد القطر لقمع هذه الظاهرة من خلال الدوريات الموجودة في جميع المناطق، أكد العميد خبي أن دورياتهم منتشرة في أغلب المناطق، إضافة لشرطة النجدة وشرطة المرور، وأن هنالك 21 قسم شرطة في دمشق وحدها استنفروا جميعهم، ولكن لا يستطيعون وضع شرطي لكل مواطن، وأن التأثير على عدم استخدام السلاح ليس مسؤوليتهم وحدهم، بل يجب أن يشارك الإعلام ووزارة التربية في التوعية بمخاطر هذه الظاهرة، وهناك نحو 25 موقوفاً قدموا للقضاء المختص، سواء العسكري أو المدني. يسهب العميد في الحديث عن دور الإعلام والتوعية من خلال دعوة أكثر من طرف للحديث في الأمر أحدها الأطباء النفسيون.
وأكد أن العقوبات التي تطول المخالفين شديدة، قد تصل إلى السجن مدة 15 عاماً.
وأن الضبوط المسجلة في عام 2017 كانت أعلى في إشارة لتراجع هذه الظاهرة، وأنه تم التشديد على منح رخص حمل السلاح، وتتم مصادرة السلاح غير المرخص الذي يحمله بعض الأشخاص، فالشرطة سلطة مانعة قامعة ولكن عملها وحدها لا يكفي، ولاسيما مع انتشار العديد من المفاهيم المغلوطة في المجتمع.
وعند سؤال وزارة الصحة عن إحصاءات المصابين والقتلى بسبب إطلاق النار العشوائي، أوضح المكتب الصحفي أن الاصابات توزعت على كل المشافى من دون الإعلان عن أرقام إجمالية.
الردع ثم الردع
وعن كيفية قراءة الأكاديمي والكاتب السياسي د.بسام أبو عبدالله لظاهرة إطلاق النار العشوائي في المناسبات، برغم التحذير من وزارة الداخلية بعدم استخدام الرصاص الحي، شدد أبو عبدالله على ضرورة الردع بقسوة لكي لا تتعرض حياة الناس للخطر بسبب استهتار البعض بالأنظمة والقوانين والتصرف العشوائي، ووصفه بالجريمة وبأنه تصرف خارج عن القانون، بل يعبر عن «الهمجية» أيضاً، ولاسيما مع انتشار السلاح على نحو كبير خلال سنوات الأزمة، ما يتسبب «بكوارث» كثيرة.
والخطورة في رأي د.عبدالله أن إطلاق النار يتم من أشخاص يتمتعون بالنقوذ وليس المواطن العادي، وهؤلاء تجب محاسبتهم، من قبل وزارة الداخلية والدفاع وكل من هو معني، خاصة أن الجميع رأى نماذج تؤدي لردع النار بشكل أكبر في حال تطبيق القانون، ويتم ذلك أيضاً حسب د.عبدالله بالتوعية، من حيث التركيز على فكرة منع هدر الرصاص ومحاسبة مطلق النار، وهذا في المحصلة يحتاج عمل كل الأجهزة من وزارات الداخلية والدفاع والجهات المعنية، ومحاسبة الناس المخالفين للقوانين، إذ إن القانون في بادئ الأمر يطبق بصرامة، ومن ثم يتحول إلى ثقافة يعتادها المجتمع، فإطلاق النار لا يدل على بعد حضاري أو إنساني ولا حتى وطني، بل هو دليل على عدم مسؤولية الفاعل.
وركز عبد الله على أهمية التعاون بين الأجهزة المعنية خاصة مع وجود أطراف كثيرة نشأت خلال الأزمة، وتنبيه كل جهة على عناصرها المسؤولة عنها بعدم إطلاق النار، ويعتقد أن معاقبة وتغريم الفاعل سيؤديان للقضاء على هذه الظاهرة، إضافة لتعاون وزارة الأوقاف عن طريق نشر التوعية في الخطب الدينية، ويرى أن كل هذا قد يحول هذه الظاهرة إلى حالة شاذة يرفضها المجتمع.
ويجد عبد الله صعوبة في محاولة تفسير هذه الظاهرة نفسياً، متسائلاً: لماذا يطلق الإنسان الرصاص فرحاً وحزناً وفي كل مناسبة للتعبير عن أي حالة؟ ورأى أنها دليل «عطب» ووجود عنف داخلي لا يستطيع التعبير عنه إلا بعنف، مع ارتباطها بعادات وتقاليد لا نعلم إن كان لها أساس، وفي كل الأحوال هو ظاهرة لابد من منعها وقمعها واجتثاثها من المجتمع على نحو كامل.
جريمة يعاقب عليها القانون
كقانوني وعضو في مجلس الشعب يرى د. محمد خير العكام أن انتشار هذه الظاهرة يشير إلى أن الوزارات المعنية في هذا المجال لم تقم بواجباتها لتطويقها، وأنه لابد من مراجعة المنظومة القانونية، ورفع العقوبات المتعلقة بإطلاق الرصاص العشوائي في أي مناسبة كانت.
أضاف العكام أنه على الصعيد القانوني هناك منظومة قانونية تعد إطلاق الرصاص العشوائي جريمة يعاقب عليها القانون، ومع ذلك، يعتقد أن هذه القوانين غير رادعة، ودليله على ذلك انتشارها مع كل ما تحمله من مخاطر.
ويرى أنه لابد من متابعة الفاقد الاقتصادي بعد الاستخدام غير الضروري للطلقات عند إطلاق النار العشوائي، فنحن في سورية أحوج ما نكون إلى هذه الرصاصات التي استخدمت في غير مكانها في هذا الوقت من الحرب، ومكانها أن توجه إلى العدو الإسرائيلي أو الجماعات الإرهابية لا أن تكون سبباً في قتل أبرياء من الأهل والجيران!
يضيف د. العكام أن الشعوب المتحضرة لا تعبر عن فرحها أو حزنها بإطلاق الرصاص هذا من الناحية الحضارية، وهو أمر سلبي يشار له بالبنان من جهة ثانية. ويرى أن وزارة الداخلية تطبق القانون، وعلى وزارة العدل أن تراجع المنظومة القانونية المتعلقة به التي تتطلب تشديد العقوبة على هذا الجرم.
وعن رأيه في عدم التزام المواطنين بالكثير من التعاميم أكد د.العكام أهمية الإعلام من حيث نشر التوعية بأخطار الرصاص العشوائي، وإظهار الدور الذي قامت به وزارة الداخلية، ولكنه يؤكد أن عدد الضبوط التي حررتها الداخلية في دمشق غير دقيقة مقارنة بحجم ما حدث في ليلة رأس السنة.
ودعا كلاً من وزارتي التربية والتعليم لتغير الأفكار السيكولوجية لدى الناس عن إطلاق النار من خلال المنظومة التعليمية والمناهج.
وعن دور وزارة الدفاع في هذا الإطار بين د.عكام أنه يجب على وزارة الدفاع أن تقوم بدور فاعل، وإذا كان جزء من عناصرها قاموا بذلك فعليها التحقيق معهم وتغريمهم «أضعف الإيمان» بالذخيرة التي استخدموها في غير مكانها.
ويجب أن تتصدى الحكومة كل من موقعه لهذه الظاهرة، إذ لا يمكن أن نقول إن الحكومة نجحت في عملها إلا عندما تخبو هذه الظاهرة السلبية.
وعن خطابه كعضو في مجلس الشعب للمواطنين، أوضح أنه يتمنى عليهم التحلي بالكثير من الوعي، حتى لو كانت «عين الرقيب» بعيدة عنهم، فيجب أن يكون المواطن رقيب نفسه، والتحلي بالوعي الكامل، وأن يضع كل مطلق نار نفسه مكان من تضرر أو خسر ابنه!
وعن ظاهرة انتشار السلاح نتيجة الحرب وكيفية الحد منها؟ قال إننا مازلنا في حالة حرب، والقضية ليست الحد من حمل السلاح، بل تنظيمه، ومعرفة من يحمل السلاح وسبب حمله، وإن كان مرخصاً؟ وذلك من خلال قيام كل جهة بواجباتها لحصر حيازة السلاح بموجب القانون.
ما زلنا ننتظر!
كان للكثير من المواطنين نصيبهم من الإصابات، ولكن ليس بالرصاص الحي فقط، بل بالألعاب النارية والمفرقعات الممنوعة أصلاً من الاستيراد، ولكنها موجودة بأشكال ونوعيات ونماذج تنافس ما يتم استخدامه منها في هوليوود، ولمعرفة كيفية دخول هذه المواد، ورأي الجمارك في وجود هذه الأنواع كان علينا تأجيل نشر هذا الموضوع أسابيع بانتظار معرفة رأيهم، معتمدين الطريقة التي اعتمدوها للتعامل مع الإعلام، لكن من دون جدوى حتى تاريخه!!