في وحدة بسمة التخصصية لعلاج الأورام عند الأطفال التي افتتحتها جمعية بسمة في أيار من العام 2009 ضمن أروقة مشفى البيروني اجتمعوا، أطفال بعمر الورود، تقاسموا آلام وأوجاع العلاج الكيميائي والشعاعي، وتشاركوا الأحلام والطموحات، في عيونهم نظرات حزن حملت الكثير من الدموع التي أبت أن تنزل، وعلى وجوههم ارتسمت ابتسامات بريئة تحدوا من خلالها مرض السرطان وأصروا على متابعة العلاج للوصول إلى مرحلة التعافي ورسم البسمة على وجوه ذويهم الذين يحدوهم الأمل بشفاء فلذات أكبادهم من مرض السرطان الذي وصلت نسبة الشفاء منه إلى 80% عالمياً، وفقاً لمديرها الطبي- الدكتور خالد غانم الذي التقته «تشرين» خلال وجودها في وحدة بسمة لمواكبة الحملة التي تطلقها جمعية بسمة بمناسبة اليوم العالمي لسرطان الأطفال في 15 شباط وقد اتخذت من «الأمل يبدأ من بسمة» شعاراً لها في هذا العام، لتسليط الضوء وحشد الدعم على مشروع التوسع في وحدة بسمة التخصصية ليصبح لديها مع منتصف العام 36 سريراً داخلياً بدلاً من 18، و15 خارجياً بدلاً من 7 أسرة، لتصبح من أكبر الوحدات المتخصصة بسرطان الأطفال في المنطقة وذلك حسبما أوضحت ريما سالم- المديرة التنفيذية للجمعية.

إرادتهم أعطتنا القوة
قبل الدخول إلى إحدى غرف الوحدة، حيث يجلس عدد من الأطفال على أسرتهم، أحسست برجفة في القلب، فكيف لهؤلاء الأطفال تحمل أوجاع وتأثيرات علاج يعجز عنها الكبار في معظم الأحيان، ولكن ابتسامة الطفلة بتول ذات الـ 15 ربيعاً بددت تلك المخاوف فكان معها حديث مفعم بالأمل والتفاؤل، بدأته بتول وبإصرار شديد على كسر حاجز الخوف من مرض السرطان الذي أوهن عظمها الطري بالقول: «أنا أقوى من السرطان.. سأكمل رحلة علاجي.. وسأعود إلى مدرستي وأتابع دراستي وأتخصص في طب الأورام لمعالجة الأطفال»، وأضافت: عندما قرأت على أوراق انتسابي إلى جمعية بسمة لعلاج الأطفال المصابين بالسرطان، تضايقت كثيراً ليس لأن الله ابتلاني بهذا المرض، بل بسبب محاولة أهلي إخفاء حقيقة مرضي عني، فهذا الأمر الذي ضيع الفرصة على جسمي للدفاع عن نفسه ومقاومة السرطان، وبعد تنهيدة استطردت: منذ تسعة أشهر تقريباً أتلقى العلاج في وحدة بسمة، لن أنكر مرارة العلاج، ولكنني وجدت أن الإرادة القوية والتمسك بالحياة دوافع تلغي عوامل اليأس والإحباط، وبعبارة الحمد لله عبّرت بتول عن تقبلها لتساقط شعرها وغيره من آثار العلاج الكيماوي للتخفيف عن نفسها وعن والدتها رفيقة دربها في رحلتها وتجربتها مع مرض السرطان. عبارة تشاركت فيها مع زميلها في الغرفة الطفل أحمد من الحسكة، صاحب الوجه الطفولي الأشقر والعينين الجميلتين اللتين حارت نظراتهما بين والدته الواقفة إلى جانبه والسيروم الذي أصبح جزءاً من واقعة بعد أن داهمه مرض سرطان «ساركوما» العظم، فقال وبكل براءة: «أنا عم آخد دوا وماني مزعوج وبقول لكل الولاد تعالوا تعالجوا».
أما الطفل حسن من جبلة، الجالس على السرير المقابل لهما، الذي حاول من خلال نظراته المتتابعة إلى ساقه المبتورة إخفاء حزنه، لأن المرض حرمه من اللعب وممارسة هواياته الرياضية كبقية أقرانه، فقد انطبقت على ابتسامته الطفولية عبارة: «إن أجمل ابتسامة هي التي تمر عبر نهر من الأحزان»، وما قاله بصوت قوي: «بدي صير ممرض لمعالجة مرضى السرطان، بعد الدوا بتوجع بس «بضلني» عم اضحك ومبسوط مشان ما تبكي ماما»، وهنا تدخلت والدته لتشرح أن حسن طالب في الصف السادس أصيب بسرطان «ساركوما» العظم، وبعد علاج بالجرعات استمر مدة ستة أشهر قرر الأطباء بتر قدمه اليسرى حفاظاً على حياته، في البداية كان الأمر صعباً جداً عليه ولم يتقبل الكرسي المتحرك، ولكن بفضل الكادر في وحدة بسمة تقبل الوضع الجديد وعاد اجتماعياً كما كان، وتضيف: مرض السرطان لم يعد ذلك المرض المخيف بفضل العلم والتطور، ووجود وحدة متكاملة مثل وحدة بسمة هون علينا الأمر كثيراً.
تفاؤل لم يفارق وجه أم الطفلة بتول، وكذلك والدة الطفل أحمد مدرسة الرياضيات والمعلوماتية التي بينت أنه وبعد وقوع أحمد مرتين قاموا بتصويره وبعد إجراء الخزعة له تأكدت إصابته بالمرض وبدأت رحلة العلاج في وحدة بسمة التخصصية، مطالبةً الأمهات بأن يكن صابرات ويعملن على الالتزام بتعليمات الفريق الطبي لتخطي فترة العلاج، وذكرت أنها تقوم بتدريسه ليتمكن بعد خروجه من الوحدة من اجتياز السبر والعودة إلى مقاعد الدراسة.

خدمات مجانية وكادر متكامل
بعد خروجنا من غرف المرضى اختلطت مشاعرنا بين الإعجاب والاستغراب، وهي حالة لم ينكرها المدير الطبي للوحدة- الدكتور خالد غانم عندما ذكر بأنه رغم آثار العلاج الجانبية هناك أطفال تآلفوا مع فريق الوحدة وبعضهم يطالبون ذويهم باصطحابهم إليها وعدم التأخر عن العلاج، مشيراً إلى أن السرطان يمكن أن يصيب الأطفال من عمر يوم واحد أو ساعات وحتى الـ18 سنة، وأن هناك بعض الأورام النادرة التي تخلق مع الأطفال، ويعدّ اللوكيميا «سرطان الدم» وأورام الدماغ أكثر الأورام شيوعاً عند الأطفال، لافتاً إلى أن 90% من سرطانات الأطفال لا تتعلق أسباب حدوثها بالمحيط، مقابل 10% تكون أسبابها وراثية كسرطان شبكية العين، أضف إلى أن بعض الأورام تتحرض بفيروسات معينة أو بعلاجات سابقة كيماوية مثل اللوكيميا الثانوية أو شعاعية مثل نسبة قليلة من أورام العظم.
وعن العلاج وبروتوكولاته قال د. غانم: بعد أن ينحصر الشك في وجود ورم عند الطفل نقوم بإجراء الاستقصاءات الأولية من خزعات أو بزل أو صورة طبقي محوري، وإذا اضطر الأمر يتم إجراء صورة متقدمة لتحديد المرض ووضع خطة علاج تتناسب مع مرحلته وخطورته، وينقسم العلاج إلى عدة أنواع منها الكيميائي والشعاعي والجراحي، وهناك في بعض دول العالم علاجات متقدمة كزرع نقي العظم والعلاجات المناعية التي أصبحت مشهورة وهي علاجات ذكية ليست لها آثار سمية كبيرة على الخلايا السليمة بالجسم، وأضاف: في الوحدة نطبق البرتوكولات العالمية المتوافقة مع البنية التحتية ونعطي العلاج الكيماوي ونحول الجراحي إلى مشفى الأطفال كما نقوم بإجراء بعض العمليات في مشفى البيروني أو في المشافي الخاصة على نفقة جمعية بسمة، أما الشعاعي فيعطى في مشفى البيروني الجامعي.
ورداً على سؤاله عن تأثيرات العلاج الشعاعي أفاد د. غانم بأن هناك توجهاً اليوم للتخفيف من العلاج الشعاعي ومن جرعاته نظراً لعدم اكتمال أنسجة وأعضاء جسم الطفل وخاصة الدماغ والجهاز العصبي، متابعاً: قديماً كانوا يعتمدون كثيراً على العلاج الشعاعي الوقائي في اللوكيميا لمنع رجوع الورم في الدماغ وأنسجته والسائل حوله، ولكن الأمر كان يترافق بظهور مشكلات غددية عند الطفل وتأخر في الذكاء والاستيعاب الدراسي، اليوم صرنا نستغني عن الشعاعي ونعطي الكيماوي في قلب السائل الدماغي الشوكي فجاءت النتائج نفسها مع الحفاظ على نمو الطفل وذكائه، وهذه خطة علاج موجودة في وحدة بسمة وكل العلاجات الشعاعية ببروتوكولاتها القديمة والحديثة تتم بالتنسيق مع استشاري الأشعة في الوحدة.
وعن كيفية تعايش الطفل مع الآثار الجانبية للعلاج الكيماوي والشعاعي وضح د.غانم أن أجساد الأطفال أكثر مقاومة من الكبار، لأنها لم تتعرض لأمراض القلب والسكري وغيرها من الأذيات الأخرى ولكن فيما يتعلق بتساقط الشعر وغيره من الآثار الجسدية والاجتماعية كبعده عن إخوته وزملائه، فنحن، كفريق عمل متكامل، نعمل على دعم الطفل لتقبل العلاج والاستمرار فيه، بالتعاون مع المرشدة النفسية التي تتعرف على مشكلات الأطفال وتنقلها إلينا لمناقشتها ووضع خطة لتجاوزها كما تعمل على كسر خوف الأطفال من المرض وآثاره، ولاسيما عند الشباب والصبايا ممن هم في مرحلة المراهقة، وبالنسبة للأهل نقوم بدعمهم نفسياً واجتماعياً وتزويدهم بالمعلومات التي تقويهم وتزيد من وعيهم بكيفية التعامل مع الطفل داخل الوحدة وخارجها، من دون إخفاء أي معلومة عنهم مهما كانت حدتها، ومستقبلاً سنقوم بجمعهم مع عائلات تماثل طفلها للشفاء للاستفادة من تجربتهم، أضف إلى مساعدتهم مادياً بنسبة معينة وتقديم المساعدات والمعينات من كراسي متحركة وعكازات، ليختم بالقول: صحيح إن نسب الشفاء عالية من مرض السرطان عند الأطفال ولكن الأمر يحتاج إلى وجود فريق عمل متكامل من أطباء وممرضين وموظفين يتمتعون بخبرة خاصة وأطباء مساعدين للوصول إلى النتيجة المرجوة من العلاج وهو ما يتمتع به فريق وحدة بسمة.
بدورها أمال الصفدي- رئيسة التمريض في الوحدة أشارت إلى أن النظرة إلى مرض السرطان اختلفت، فهو كغيره من الأمراض يحتاج إلى المتابعة والاهتمام بالمريض الذي لم يعد في ظل نسب الشفاء العالية مجرد رقم، فكلما كان الكشف مبكراً كانت نسبة الشفاء أكبر وأسرع، وهذه الثقافة نعمل على تعميمها في وحدة بسمة وفي المجتمع ككل.

الأمل يبدأ من بسمة
«نعمل لنعيد الابتسامة» شعار أطلقته جمعية بسمة التي رأت النور في نيسان من عام 2006 كمنظمة أهلية غير حكومية تطوعية واندرجت كعضو في الاتحاد العالمي لجمعيات سرطان الأطفال وأهاليهم منذ عام 2008، وهي تعمل منذ تأسيسها كما أكدت ريما سالم- المديرة التنفيذية على تحسين الواقع الصحي والاجتماعي للأطفال المصابين بالسرطان في سورية عبر دعم الوحدات الطبية، وإنشاء وحدات جديدة لمعالجة سرطانات الأطفال تطبق معايير طبية عالية بشكل يماثل المراكز التخصصية في الدول المتطورة. كما تعمل على دعم عائلات هؤلاء الأطفال مادياً لتحمل نفقات المعالجة، إضافة إلى تقديم الدعم النفسي والمعنوي للأطفال وأهاليهم خلال فترة العلاج، وإلى نشر التوعية المجتمعية بمرض السرطان عند الأطفال، وقد استطاعت في سنتها الثالثة عشرة أن تخدم أكثر من 7000 طفل في كل برامج الجمعية منهم 5689 طفلاً في برنامج دعم الدواء الذي يؤمن جميع الأدوية الضرورية وغير المتوافرة في وحدات معالجة سرطانات الأطفال في دمشق «مشفى الأطفال– مشفى البيروني– مشفى المواساة– الأسد الجامعي» الذي يعد من أكبر البرامج التي تقوم بتشغيلها بسمة.

أول وحدة تخصصية
وتضيف: قامت بسمة بتوقيع مذكرة تفاهم بين مشفى البيروني بإشراف وزارة التعليم العالي لتجهيز وتشغيل أول وحدة تخصصية لعلاج الأورام عند الأطفال بهدف بناء خبرة نموذجية وتجربة قابلة للتكرار لتحسين واقع الأطفال المصابين بالسرطان وقبول أكبر قدر ممكن من الحالات للوصول معها إلى بر الشفاء، وقد تم الافتتاح في أيار من عام 2009 بسعة 18 سريراً داخلياً و7 أسرة خارجية، كما يبلغ عدد الموظفين ضمن الوحدة 55 موظفاً حتى نهاية العام 2018 يرأسهم طبيب اختصاصي أورام عند الأطفال يحمل شهادة الماجستير في طب الأورام عند الأطفال من مركز سانت جود، ويتضمن الفريق كادراً تمريضياً ودعماً اجتماعياً وإدارياً داعماً، وتعمل الجمعية في هذه الوحدة على تطبيق معايير طبية عالية المستوى بما يسهم في تحقيق نسب الشفاء العالية. وتشرف بشكل كامل على تشغيلها بتكلفة شهرية تتجاوز الـ 17 مليون ليرة سورية.
وبالنسبة لأهم الصعوبات والتحديات التي واجهت عملهم أثناء الحرب لفتت سالم إلى أن وقوع وحدة بسمة على خط ساخن وتماسٍ كان يشكّل خطراً على سلامة الأطفال والطاقم الذي استمر بالحضور يومياً إلى الوحدة لعمله واستقبال الأطفال وعدم إغلاق الوحدة طوال سنوات الحرب، أضف إلى أن قلة الموارد المادية والبشرية خلال الحرب شكل تحدياً آخر على الجمعية ولاسيما أن علاج السرطان هو علاج مكلف وأعداد الحالات زادت في مدينة دمشق مع خروج مشافي بعض المحافظات من الخدمة وقدوم مرضى أكثر إلى دمشق للاستشفاء.
وتشرح عن آلية القبول: إن الجمعية تقبل الحالات المشخصة جديداً وغير المعالجة أو المشتبه بإصابتها بالسرطان وقد تم قبول 960 حالة مع بداية العمل بالوحدة في أيار 2009 وحتى نهاية عام 2018.
لتختم حديثها بأن الهدف من الحملة التي تطلقها بمناسبة اليوم العالمي لسرطان الأطفال هو التوعية لتقديم الدعم والرعاية لهؤلاء الأطفال وتالياً حشد المجتمع بشأن هذه القضية لدعمها لأن قضية سرطان الأطفال قضية مجتمع ولكل منا دور.