آخر الأخبار
الرئيسية » حديث الصباح الديني » الدين والحداثة (تأثير الشعوب في الدين).

الدين والحداثة (تأثير الشعوب في الدين).

*محمد عبدالله محمد ميهوب.
مما لا شك فيه أن المجتمعات البشرية عرفت عبر العصور والأزمان إيجاد المخرج الحقيقي الذي يوائم بين النصوص المقدسة والتصرفات الآنية لأفرادها، ولعل السؤال الأبرز الذي يطرح نفسه أمام مجتمعاتنا المقيدة بنظام العقائد هو أنه كيف استطاعت على سبيل المثال “المسيحية” أن تنتقل من قمة التعصب إلى قمة التسامح؟! وبالمقابل كيف انتقل “الإسلام” من قمة التسامح إلى قمة التعصب؟! وكون أننا نتكلم الآن أمام ما يسمى اصطلاحاً “الديانتين” اللتين يدين بهما أكثر من نصف سكان الأرض فإننا نسأل هل المسيحية على سبيل المثال لم تمارس التعصب يوماً؟ الجواب بالطبع لا فإن تاريخ الكتب حافل بممارسات كنسية وأفعال كبار “المؤمنين” في القرون الوسطى والتي شرعت تعذيب الناس وقتلهم وسحلهم واسترقاق النساء وغيرها من الممارسات اللاإنسانية وأنقل لكم صورتين من الصراع الذي تمت ممارسته  بين أتباع الديانتين عبر التاريخ الصورة الأولى من اجتياح الجيوش “المسلمة” للقدس التي كان يقطنها المسيحيون وكيف أن التاريخ سجل أن دخول القدس كان بلا بحر من الدماء ولم تحصل فيه إبادات جماعية بحق مسيحيي المدينة المقدسة لدى الطرفين وعلى العكس استطاع الإسلام أن يستوعب غيره من الديانات التوحيدية في كل الأراضي التي سيطر عليها وبالمقابل ننتقل إلى مسلمي صقيلية كيف أُبيدوا عن بكرة أبيهم عندما اجتاحتهم الجيوش “المسيحية” وذُبحوا وأُرغموا على سلوك طريق المنفى أو “تنصيرهم” بالقوة، ولكن وبما أن ذاكرة الشعوب غالبا ما توسم “بالضعف” والقصور فإن الأمور تجري دوما في اتجاه طبع صورة الحاضر وما يرونه على الماضي وعلى تقييمهم الكامل لجماعة ما أو عقيدة ما، واليوم حقيقة نشهد في الغرب ما يصدر إلينا على أن فيه أبهى صور ممارسة الديمقراطية والتسامح فهل تغيرت الديانة المسيحية من العصور الوسطى إلى اليوم؟ بالطبع أيضا الجواب سيكون لا، فما تزال الديانة المسيحية نفسها ولم تتغير نصوصها ولا تعاليمها المقدسة.
ومجمل القول بأنه لا توجد فرقة أو جماعة دينية على وجه الأرض معصومة من التعصب، ولكن لماذا يُسلط الضوء دوماً على تعصب الأفراد المنتمين للإسلام في بلاد الشرق في ممارساتهم وعلاقاتهم؟ ولا نرى بالمقابل أن الوحشية التي حدثت وتحدث على سبيل المثال في غوانتنامو وسجن أبو غريب وفيتنام وغيرها لا نرى كل هذه الممارسات تنسب إلى المسيحية علماً أن أغلبية الجنود الأمريكيين الذين ارتكبوا أفظع الجرائم في التاريخ الحديث هم من المسيحيين فكيف ينسب الأمر هنا إلى الأفراد مجردين عن دياناتهم وبالمقابل ينسب أمر المسلمين إلى ديانتهم لا إليهم كأفراد؟!
وإننا في شرق يعجّ بالأحداث الساخنة وتجري اليوم فيه حرب للمصطلحات غريبة وعجيبة وإن أكثر الأمور استفزازية بالنسبة لي اليوم هو مصطلح التعايش وقبول الآخر، فأنا لا أقبل من أحد أن يمنّ عليّ بفكرة قبوله لي ولا أقبل بمصطلح التعايش كما لو كنا وحوشا نستعد لننهش بعضنا عندما يختل ميزان “التعايش” هذا ولا حل أمام هذه الحرب الدامية التي تشهدها أوطاننا إلا أن ينظر كل منا إلى الآخر على أساس أنه المواطن الكامل أيا كانت معتقداته فالمساواة في المواطنة قد يبدو ثقباً وحيداً يتسلل منه النور إلى هذا النفق المظلم الذي نعيش به في أوطان الشرق الأدنى.
وبات واضحا أن الرأي العام الذي انتشر في الغرب والذي اعتبر أن الإسلام مصدر كل الشرور قد تلقفته الجماعات العربية التي تدعي “العلمانية” وتنادي بـ “الحرية والحداثة والتطور” ونادت به بشكل ببغائي منفصل تماما عن التاريخ على كلا ضفتي “أتباع الديانتين” المتخاصمين مضموناً المدعين بقبول كل منهما للآخر شكلاً.
ومشكلة الصورة القائمة اليوم ومعضلة البحث في هذا المنحى أن أغلب الباحثين يناضلون في أبحاث تأثير الدين في الشعوب، غافلين تماماً عن تأثير الشعوب في الدين ودور هذه الشعوب التاريخي في إحداث تغييرات بدت للوهلة الأولى منافية للحقائق الإيمانية، وناضلت ضدها الكنيسة ولكنها سرعان ما خضعت للعلم المنتصر بحقيقته فتمكن هنا الغرب ككل من إعادة إنتاج صورة الكنيسة والدين كما هي حاجته تماما وبما يلائم تطور منحى الحياة فيه، ولا ننسى هنا أن ذلك لم يأت صدفة ولا بسرعة إنما كان حصيلة نضال طويل دفع فيه مفكرو تلك الشعوب دماء غالية واستطاعوا عبر ضربات الإزميل الخفيفة والمتتالية من إحداث الخرق دون أن يهدموا الكنيسة ولا الدين، وهنا لا يمكنني أن أنسى ماجلان عندما قال على سبيل المثال: “الكنيسة تقول بأن الأرض مسطحة، وأنا أعلم أنها كروية لأني أستطيع رؤية ظلها في الفضاء وإن إيماني بهذا الظل هو أقوى من إيماني بالكنيسة”.
وأما على مقلبنا سواء العربي أو الإسلامي فإن من وسموا أنفسهم بسمات “الحداثة والتحرر والعلمانية وغيرها” لم يذهبوا إلى ما ذهب إليه مفكرو العالم الغربي بل ذهبوا مباشرة في ندائهم إلى ضرورة هدم المسجد والدين، وليس إحداث خرق فيه ينقلنا من ضفة التخلف إلى ضفة التطور، هم بطبيعة الحال صورة أشد تطرفا جاءت كردة فعل على ذلك التطرف الذي اتخذ النصوص الدينية شعارا له والتي ينبغي التأكيد هنا بأن الوقت قد حان لمراجعة فعلية وحقيقية وعقلانية لمجمل تلك النصوص ودراسة تأثيرها على المجتمع الإسلامي سواء في تلك العصور التي مارس فيها هذا المجتمع أكثر الصور المتقدمة في التسامح واستيعاب الآخرين عندما شعر بأنه يحقق الانتصارات ويسيطر على العالم والتي ترجم فيها الفكر الإغريقي والفارسي والهندي فأبدع في مجال العلوم والفلسفة، أو في هذا العصر الذي يشعر فيه المجتمع بكم هائل من الإذلال والقهر والعبودية للغرب المتقدم والمنتصر بعلمه ومن حجم لا يطاق من الاضطهاد يدفعه في كل يوم نحو مزيد من التعصب الأعمى وعدم قبول التغيير إطلاقا كجزء عدم القبول بالمساومة على الهوية التي يريد إزالتها بشكل كلي أولئك الذين يدعون “العلمانية والفكر والحداثة” وهذا الصراع سوف لن يقود إلى شيء سوى إلى مزيد من التخلف والرجعية ومزيد من إراقة الدماء والتي ربما ستكون في قادم الأيام بين المدافعين عن الهوية وبين الرافضين لها.
وليس هذا الجمود هو بسبب الدين فليس هناك من دليل أن الدين لا يقبل الحداثة بل حقيقة إن المجتمعات الإسلامية هي التي لم تواكب الحداثة ولم يفهم منظروها سواء في الشقين الديني أو اللاديني حقيقة ما قام به الغرب، ولم يتعلموا منه شيئاً، الغرب لم يهدم الكنيسة ولم يلغ الدين ولا يستطيع ذلك أساسا باعتبار أن الدين حاجة روحانية للشعوب وليس أفيون هذه الشعوب إلا عندما يكون العقل معطلا تماما كحال مجتمعاتنا، الغرب وبكل بساطة عبر المدى الطويل استطاع إعادة إنتاج صورة جديدة للدين تواكب تطلعات العصر ومستلزماته، وما زلنا في عالمنا العربي والإسلامي نتخبط صباحاً ومساء في كل يوم وليلة بين من يتمسك بتفسير نصوص ذكرت الحمير والبغال والأنعام على أنها هي الحمير والبغال والأنعام ولا يمكن بأي حال من الأحوال تقبل أن تفسير النص يمكن أن يطور ليكون السيارة والسفينة والطائرة، ما زلنا نتخبط بين هذا الاتجاه والاتجاه الآخر الذي لا يسعى أساسا لتغيير تفسير النص على سبيل المثال إنما يذهب في عدائيته وتطرفه إلى طلب إلغاء النص كلياً، يجب وبكل مسؤولية وجدية أن يبدأ تغيير الاعتقاد السائد بأن استقبال التغيير والتطوير والتحديث هو جزء من التخلي على الكيان والهوية ولا أحيل سبب ردة الفعل هذه إلا إلى حجم الهزيمة الداخلية في نفوسنا والتي رسخها حكام العالم الإسلامي بأسلوب الحكم المعظم للأشخاص لدرجة القداسة، فصارت الأنا في نفس كل واحد فينا جزءاً من ثقافته ونظرته إلى الحياة في مقابل انتفاء التكامل بيننا جميعا، إن في أعماق كل واحد فينا وحشا يستيقظ بلحظة اذا ما شعر بأن (أناه) قد مُسَّ بها، ولا ننفك ننسب الجهل لديننا وواقع الحال أن الجهل كامن في نفوسنا لا في ديننا الذي أجزم أنه يقبل كل تطوير اذا ما قبلنا بالتنازل عن إعطاء هذه الهالة من القداسة لنصوص هي بالأساس ليست من الوحي ولا من عند الله.
وأختم مستحضرا قول سماحة الإمام الجد الشيخ عبد اللطيف إبراهيم قدس الله روحه كداعم إثبات على أن العلماء والمصلحين غالبا ما نادوا بذلك، فقال: «العقل والدين والعلم هم الثالوث المقدس الذي يجب أن يتمشى مع الحياة الكريمة جنباً إلى جنب».
أجل فالعلم يجب أن ينتصر لنتطور ونطور صورتنا الدينية ولا أقول نلغيها إنما نطورها، والله الموفق للخير.
(سيرياهوم نيوز22-2-2019)

3
Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما حكم قولنا : رمضان كريم

هذه العبارة ‘رمضان كريم” من العبارات التي يكثر تداولها بين الناس في شهر رمضان وهي جملة خبرية، ولعل قائلها يقصد بها الدعاء فكأنه يدعو لغيره ...