تعد سورية ذات وضع زراعي فريد، وقطراً زراعياً.. حقيقة أثبتتها المعطيات البيئية والتاريخية والبشرية، ويرجح أنها الموطن الأول لزراعة الحبوب، واستئناس الكثير من الأنواع والعروق الحيوانية، وتتنوع فيها البيئات الزراعية بين الجبلية والساحلية والداخلية والمراعي الطبيعية، وتبلغ نسبة الأراضي المنبسطة 80% من إجمالي مساحة سورية، في حين تشكل الأراضي الهضابية والوديان 15%، والجبال والمرتفعات 5%، وهذا يشير إلى إمكانية التوسع والاستغلال الزراعي بشكل كبير حتى في كثير من المناطق الجبلية والهضابية، وقد أمكن استصلاح وزراعة واستثمار مساحات كبيرة من الهضاب والجبال في كثير من المحافظات وخاصة في المناطق الجنوبية والوسطى والساحلية. وتساهم الزراعة بثقل معنوي في بنية الاقتصاد الوطني السوري، سواء من حيث حصتها في الصادرات السورية أو من حيث نصيبها من القوى العاملة في القطر أو مساهمتها في الدخل القومي، إذ تعد من بين أهم الدول العربية من حيث مساهمة الناتج الزراعي من إجمالي الناتج المحلي.

الزراعة والتصنيع الزراعي
لم يكن مصادفة أن يعقد ملتقى الحوار الاقتصادي السوري عن الاستثمار في الزراعة والصناعة في سبيل تحقيق الأمن الغذائي برعاية السيد رئيس مجلس الوزراء، وحضور حكومي كثيف على مستوى الوزراء، ورئيس هيئة التخطيط والتعاون الدولي، ومعاوني الوزراء لوزارات الزراعة، والصناعة، والاقتصاد، والمالية، ورؤساء الاتحادات التجارية والصناعية والزراعية والمصدرين، والمديرين العامين لعدد من المؤسسات الزراعية، والصناعية والخدمية، والتمويلية الحكومية المعنية، والمديرين المركزيين في عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى جانب حشد واسع من رؤساء جامعات خاصة ورؤساء تنفيذيين لمجموعات استثمارية قابضة ولبنوك ومؤسسات تمويل خاصة ومديرين عامين لشركات صناعات زراعية خاصة، وعدد كبير من الاستشاريين والفنيين العاملين في قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي وخبراء في الجودة، ولم يكن مستغرباً وقوف ذلك الصناعي الشاب في الملتقى ليعلن أن منتجات مؤسسته للصناعات الغذائية الزراعية يتم تصديرها إلى أكثر من 183 دولة في العالم، كما لم يكن مستغرباً تأكيد رئيس اتحاد المصدرين السوري وجود حجم طلب خارجي مرتفع على عدد كبير من منتجات الصناعات الغذائية والزراعية السورية، وكان طبيعياً مطالبة عدد من الصناعيين بضرورة معالجة الصعوبات التي أفرزتها الأزمة ليتمكنوا من متابعة دورهم في إيصال منتجاتهم لتكون سفيراً اقتصادياً لسورية في أسواق العالم مع أهمية تصميم شعار خاص بالمنتج الزراعي الصناعي السوري..

صمام أمان
أثبتت الزراعة السورية خلال سنوات الحرب أنها صمام الأمان الذي يدعم الأمن الوطني ويصون استقلال البلاد، وتشكل مظلة حماية اجتماعية لطبقات المجتمع الأكثر عوزاً في زمن الأزمات وذلك بما وفرته من وسائل صمود عبر تأمين أغلب احتياجات سكان القطر من المواد الغذائية والمنتجات الزراعية المتنوعة، وتحقيق نسب مرتفعة من الاكتفاء الذاتي لعدد من المنتجات الزراعية النباتية والحيوانية، بل تصدير حجم مهم من تلك المنتجات وفق ما أتاحته الظروف الأمنية في المنافذ الحدودية، رغم الحصار الاقتصادي الشديد الذي تفرضه دول الهيمنة الاستعمارية على البلاد، وما أقدمت عليه المجموعات الإرهابية المسلحة من إعاقة تنفيذ الخطط الزراعية وتخريب البنى التحتية للقطاع الزراعي ومؤسسات توفير مستلزمات الإنتاج، وهيئات وجهات التسويق.

الأمن الغذائي
لقد ركز منظمو الملتقى على الاستثمار في الزراعة والصناعة في سبيل تحقيق الأمن الغذائي، ولابد هنا من توضيح كلٍّ من مفهومي الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، حيث يُشير مفهوم الأمن الغذائي إلى ضرورة توفير ما يحتاجه المواطنون من المواد اللازمة من منتجات غذائية، وقد يكون هذا التوفير يعتمد على التعاون مع الأقطار الأخرى أو بالاعتماد على الذات فقط، وهو معيار لمواجهة الانقطاع المستقبلي أو عدم التوافر الحاد للغذاء بسبب عوامل مختلفة منها الحصار الاقتصادي، الجفاف، مشكلات الشحن، نقص الوقود، الحروب.
والأمن الغذائي هو إما أن تنتج البلد كل حاجاتها من الغذاء الأساسي أو يكون في استطاعتها شراؤه من الخارج تحت أي من ظروف ارتفاع أسعار الغذاء العالمية، ويحدث أن يصبح الأمن الغذائي غير مكفول وعلى الأخص في البلاد التي تخضع لحصار اقتصادي أو الدول الفقيرة المعتمدة على الأمطار في إنتاج محاصيل غذائها وغذاء الماشية لديها عندما يقل المطر ويعم الجفاف، فلا تستطيع تغذية سكانها وتكون عاجزة بسبب الفقر عن الاستيراد.

محفزة للاستثمار
تؤكد الوقائع أن معظم الدول العربية تقع في منطقة التبعية الغذائية ذات المخاطر المرتفعة، ويعد العرب أكبر مستوردي الغذاء في العالم، حيث بلغت قيمة واردات العرب الغذائية والزراعية حوالي /199237/ مليون دولار عام 2017، منها /78/ مليون دولار قيمة حبوب ودقيق و/1172/ مليون دولار قيمة أعلاف، و/ 16515/ مليون دولار قيمة منتجات غذائية مصنعة. وجاءت السعودية في مقدمة الدول العربية استيراداً للغذاء تلتها الإمارات العربية ثم مصر.
ويواجه العالم العربي تحديات خطيرة في مجال الأمن الغذائي بعد اتساع دائرة الفجوة الغذائية فيه (ويتم احتسابها على أساس الفرق بين إنتاج الوطن العربي من السلع الغذائية وما هو متاح للاستهلاك مع عدم تضمين التجارة العربية البينية الزراعية من تلك السلع) وتزايدها في منتصف التسعينيات، فبعد أن كانت قيمة الفجوة الغذائية في العام 1990 حوالي «11.8» مليار دولار أمريكي، ارتفعت في العام 2011 إلى حدود «34.3 » ملياراً وقدرت عام 2012 بـ« 36.7» مليار دولار وتراجعت إلى /34.4 / مليار دولار عام 2013 وإلى /34.1/ مليار عام 2014، نتيجة انخفاض الأسعار العالمية للسلع الغذائية الرئيسة وتطور إنتاج بعض السلع محلياً، وبالرغم من الثروة الضخمة في الوطن العربي فإنها لا تفي بالحاجات المتزايدة للسكان العرب.

بالأرقام
تواجه الدول العربية عجزاً غذائياً واسعاً في السلع الغذائية الرئيسة اللازمة لتغذية الانسان وتلك اللازمة لتغذية الحيوان، كالقمح والدقيق والذرة والشعير والسكر والزيوت، وتنحفض إنتاجية الحبوب في الوطن العربي عن الدول المتقدمة بنسبة 218.75 % كما تنخفض إنتاجية الهكتار من القمح في الوطن العربي 189.3% والشعير 433.2 % والذرة 173% عن متوسط إنتاجية الدول المتقدمة.
(7) من كل ( 10) أرغفة يتناولها المواطن العربي، مستوردة
( 8) من كل (10) ليترات من الزيوت يتناولها المواطن العربي، مستوردة
( 6) من كل ( 10) كغ سكر يتناولها المواطن العربي، مستوردة
( 7) من كل ( 10) كغ ذرة تتناولها الدواجن والحيوانات في الوطن العربي، مستوردة
( 7) من كل ( 10) كغ ذرة تتناولها الحيوانات في الوطن العربي، مستوردة.وتعتمد الدول العربية على الخارج في تأمين /62.87 % / من حاجتها من الحبوب، و/ 66.07 %/ من حاجتها من القمح والدقيق، و/78.96 % / من الزيوت و/59.22 %/ من السكر، كما تعتمد على التوريدات الخارجية في تأمين /68.03 %/ من حاجتها من الذرة الصفراء و/71.39 %/ من الشعير، وهذا يشير إلى درجة عالية الخطورة من التبعية الغذائية للخارج في وقت أصبح فيه الغذاء أداة ضغط سياسي تستخدمه الدول التي تملكه لتفرض شروطها ومواقفها على الدول التي تحتاج الغذاء.

نافذة أمل
إن الرؤى والاستراتيجيات التي قدمها السادة الوزراء والمسؤولون الحكوميون ورؤساء الاتحادات المعنية في ملتقى الحوار الاقتصادي السوري لتطوير القطاع الزراعي والنهوض بالصناعات الزراعية والغذائية، والتعمق في تحليل الواقع الراهن لعدد من المنتجات الزراعية مثل الزيتون وزيت الزيتون وقطاع إنتاج منتجات الدجاج، وكذلك تسليط الضوء على سياسات وبرامج الدعم الذي تقدمه الحكومة للمنتجين الزراعيين وللعاملين في الصناعات الغذائية والزراعية وتأكيد دور المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر وأثرها التنموي وآليات تمويلها للخروج من الأزمة ودور التشريعات الاقتصادية والسياسات المالية في تشجيع الاستثمار في الزراعة والصناعة وكذلك دور غرف الزراعة والصناعة والتجارة في دعم قطاع الأعمال، جميعها عوامل تبعث على الاطمئنان لمستقبل سورية الزراعي، كما أن عمل أجهزة الدولة مجتمعة على إصلاح القطاع الزراعي وزيادة المساحات المروية، وترشيد استخدام المياه في الزراعة، عبر متابعة تحقيق إلزامية التحول إلى الري الحديث، وإعادة دراسة إمكانات سورية الزراعية، ووضعها في الشروط والظروف المنتجة، من خلال رفع مستوى التأهيل الفني لقوة العمل الزراعية وزيادة معارفها بأصول الزراعة الحديثة، وتعزيز كفاءة الإرشاد الزراعي، وحسن توزيع الفنيين الزراعيين على مناطق الإنتاج وإعادة تشجيع اليد العاملة الزراعية وخاصة العناصر المثقفة للعودة إلى الريف، جميعها تشكل فرصة لرفع كفاءة الزراعة السورية وزيادة إنتاجيتها لتتابع سورية مسيرتها نحو مكانتها الفريدة في أن تكون ممولاً رئيساً بالمنتجات الزراعية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ولابد من التنويه بالدور المهم جداً بمنظمي الملتقى مجموعة دلتا للاقتصاد والأعمال للأفكار البناءة التي طرحتها والجهود الكبيرة التي بذلتها لظهور الملتقى بالشكل اللائق بما يحقق غاياته.