كان يا ما كان أن حدثتْ هذي الأحدوثة حقّاً وفعلاً من دون أي بهارات تخييلية أو نكهات ميلودراميّة بكائيّة أو حتى قصائد الإطناب والتفخيم الفارغة. حدث أن قال السائق ممازحاً الشابَ إلى جواره: «وهل وجدتَ القطعةَ الناقصة؟»، «لا، لكنهم وصفوا لي مستودعاً في الشّام وها أنا ذاهبٌ لأشتريها»، ثم علق السائق بنكهة محرِّضة: «يعني بعدها شغّالة؟»، «أي نعم الحمد لله لكن البراغي ليست أصليّة، صدأتْ وصار بدها تبديل».

اعتقدتُ للحظة أنهما يتحدثان عن دميةٍ أو «بسكليت» ولم أنتبه للحظة، بسبب تلك السلاسة والخفّة المرحة في نبراتهما، إلى أن المقصود بالبراغي والقطعة الناقصة هو يد الشاب الاصطناعية التي ركّبها عوضاً عن يده الحقيقية التي دفع بها شرّاً وبلاءً وموتاً أسود.

نمرّ يومياً بالكثير من هؤلاء الجبابرة الذين طوّعوا حديد الحياة الصلب وحوّلوه بهمّة عالية إلى منتجاتٍ صغيرة يصنعونها بروحهم وعقلهم وليس فقط بأعضائهم المبتورة… وبرغم كل الجهود التي تُقدّم لهم عبر فكرة «المشاريع الصغيرة» الصائبة والمهمة والمثمرة لكن هناك مِن «ذوي الحاجات الخاصة» المدنيين مَنْ طواهم «الزهايمر» البيروقراطية واللامبالاة وبقيتْ وعودُ مساعدتهم على شؤون وتفاصيل معيشتهم اليومية وحاجاتهم الأكثر إلحاحاً مثل الشوك تحت جلد الانتظار.

حين سمعتُ حواريّة السائق والشاب تذكرتُ ما تقوله الأغنية: «إذا فقد الجندي ساقيه في الحرب؛ يستطيع معانقة الأصدقاء، إذا فقد يديه؛ يستطيع الرقص في الأفراح، إذا فقد عينيه؛ يستطيع سماع موسيقا الوطن، إذا فقد سمْعه؛ يستطيع التمتع برؤية الأحبة، وإن فقد كل شيء يستطيع الاستلقاء على أرض وطنه، أما إذا فقد وطنه؛ فماذا بمقدوره أن يفعل؟».

عسى أيها الجبابرة/الشهداءُ الأحياء ألا يجعلكم أصحابُ الشأن المعنيون تحلمون بأوطان بديلة متخيّلة… فأحاديثُكم وحكاياتُكم هي ما يُستحَقُّ الإصغاءُ إليه والكتابةُ عنه وله.