تماماً كما قدمت إبداعها بصمت وهدوء ومن دون جلبة؛ تمضي الفنانة التشكيلية غادة دهني على الإيقاع ذاته، بكل هدوء ترحل بكامل حزن البنفسج النبيل الذي لطالما ظهر في لوحاتها، فقبل هذا الرحيل لم تنس دهني أن تزرع حقول بياض اللوحة وروداً وأزاهير تلك الأعمال الفنية التي أوقفت لها كامل تجربتها اللونية.. فلم يُعرف عن غادة أنها خوضت بغير غاية نشر القيم الجمالية الفرحة عبر أبعاد لوحتها.. حتى في اللوحة التي كانت تُشخصُ خلالها المرأة، كانت تُفعمُ نساء لوحتها بالورود..
فخ الورود
اليوم ترحل غادة دهني وقد اطمأنت على سقاية بساتين أزهارها بتلك الألوان التي يُمكن للمتلقي أن يقرأ فيها الكثير من تلك الخفايا الجمالية التي غطتها بالورود، وبهذه المناسبة نلقي الضوء على هذه التجربة اللونية في المشهد التشكيلي السوري، ونذكر أن لوحة الفنانة دهني كانت تنوس بين قياسين، اللوحة الصغيرة، واللوحات التي تنحو باتجاه الكبر بعض الشيء، واللوحات التي تميل لأن تكون صغيرة، وأما لجهة الموضوع فأعتقد أن ثمة «فخاً» نصب لقارئٍ أو متلقٍ متعجلٍ، إذ ستوحي له اللوحات كبيرها أو التي تميل إلى الصغر، بأن موضوعاً واحداً يتم الاشتغال عليه، ألا وهو الأزهار والورود.. على الأقل هذا ما تقدمه بصرياً اللوحات على اختلاف أشكالها وإن لم تكن الزهور، أو قد لا يكون لهذه الزهور مشابه لها في الطبيعة والواقع، أي لم تقدم غادة «زهورها» هنا تصويرياً كما جرت عليه عادة الانطباعيين أو بعضهم، ولاسيما مَنْ تناول منهم موضوعاً محدداً، وإنما قدمت «موضوعها» تعبيرياً، كان يشف أحياناً باتجاه تخوم التجريد، ولاسيما في استخدامها للخلفيات، أو ما جرت تسميته فضاء اللوحة، وإن لم يأتِ الفضاء هنا مفصولاً، وإنما كان دائماً يأتي متماهياً بالزهور، الأمر الذي شكّل انزياحاً، لتشكل هذه «الزهور» حوامل للفنانة، أو مجالاً لسفح أحاسيسها، وتفجير مكنوناتها ودواخلها على القماش، باتجاه مواضيع أخرى، هنا لا تعدو الزهور أن تكون سوى «البرادي» أو الأستار الشفيفة لها، أي لا يتم الأمر تسجيلياً أو توثيقياً، ذلك لأنه بشيء من التأمل، لابد من أن يسأل مشاهد هذه اللوحات، وعند الانتهاء من تأمل آخر لوحات المعرض، هل غادة دهني رسمت أزهاراً حقاً..؟!! ‏
بجوار الطبيعة
أي إن قراءة الوردة كوردة في هذا المعرض قد تكون صحيحة لجهة الرؤية البصرية، لكن كإحساس نكون بذلك قد ابتعدنا، ربما كثيراً، عن عين الصواب..!!
مع ذلك، فإنّ غادة دهني لم تبتعد عن الطبيعة، بل كانت الأخيرة المنهل لكل حالاتها التعبيرية اللونية، و..هي من شاكلة فان غوغ الذي قال يوماً: من جهتي، لا أعرف سوى أي سبيلٍ آخر سوى العراك مع الطبيعة لغاية أن تُفضي لي بسرها.. بدورها كان على غادة دهني أن تُقيم مثل هذا «العراك» مع الطبيعة، لتُفضي لها بهذا السر الذي تُبيحه لوناً وضوءاً شفافين، غادة دهني التي كانت تؤكد دائماً أنها تُحب الطبيعة لأنها البيئة والمدرسة الأولى للإنسان كما أنّ الطبيعة تُسكنها وتلهمها لرسم حالات تعبيرية وإنسانية متنوعة، مشيرة إلى أنها تهتم برسم وجه المرأة أيضاً لكونه التوءم الحقيقي لأنواع الزهور من حيث قدرته الإيحائية بتلك المشاعر والمعاني التي تلامس أعماقها.
صحيح أن غادة دهني تؤنسن بعض الزهور والفازات، كالزهور الحانية كأم أو المتألقة كأنثى أو الفازة التي تحضن باقة الورد وغير ذلك، لكن ليس لهذا الأمر دور كبير في القراءة- خلف بصرية أو ما بعد بصرية للوحة، وإنما بعدم تركها المتلقي حيادياً تجاه لوحاتها، ذلك بألا تجعل لوحتها أو لا تسمح لوحتها لمشاهدها بأن يمر عابراً من دون أن يقيم صلات حميمية معها.. لذلك عمدت الفنانة إلى طرح ألوانها ومزجها معاً حيث تنزاح عن دلالاتها الأولى باتجاه مشاعر أخرى قد تكون جديدة عن المشاعر الأولى التي كانت تحرض عليها ألوانها في الحالة العادية.. حتى إن ثمة من رأى في شغل غادة التشكيلي، ولاسيما في تجسيداتها الأنثوية، أنها « تُعيدنا إلى التماس بعض تأثيرات الفنون القديمة، وهذه الحالة نجدها في الاستطالات الطولانية التي تعالج بها الوجوه أحياناً، والتي تمنح اللوحة المزيد من التتابع الإيقاعي الروحاني، وهذا ما يُعطيها القدرة على الاستفادة أو التأويل من معطيات الفنون القديمة، ويحقق الاندفاع التشكيلي الذي يجمع ما بين معطيات التلقائية والعفوية في صياغة اللوحة الحديثة من منطلقات الفنون الأوروبية والشرقية في آن واحد.‏ «
امرأة الزهور
هنا ستعتمد الفنانة على دفء الألوان وحرارتها، وستركز في هذه اللوحات على الأحمر والأصفر بالدرجة الأولى، وستشتغل هنا على التداخل والتباين اللوني ضمن العنصر الواحد حيث يتحول الأصفر بعد المعالجة مع الأحمر لشيء من البرودة مثلاً وهما المعروفان كلونين حارين في الحالة العادية أو المتعارف عليها، وهذا أمر يحسب لهذه الفنانة.. تذكر غادة في ذات حوارٍ لي معها: اللون هو الذي يعطي الانطباع عن فكرة اللوحة ومضمونها، لكن أحياناً تخرج عن المألوف باستخدامه، كما فعلت في بعض أعمالها حين وضعت اللون الأحمر الحار لزهرة ليس هو لونها الحقيقي لكنه تجاوب مع الانفعال والهيجان الداخلي لافتة إلى أن الموضوع والحالة النفسية هما اللذان يحددان درجة اللون وطريقة التعاطي معه.
هذا لجهة الألوان التي تحكي حكايتها خلف «مشربية» الزهور، وأيضاً لجهة الضربات السريعة التي تأتي، غالباً، كانفعال أو تعبير عنه، ما يدلل على امتلاك أدواتها التقنية التي تخدم موضوعاً يبدو صعباً بتقديري وهو الزهور، والذي ينجو من مطب التكرار، وذلك من خلال التنوع الكبير الذي تخلقه، والذي يعود في الأساس لخصوصية الحالة النفسية عند الاشتغال في كل لوحة على حدة، فتأتي كل لوحة حالة مفردة بتعبير مغاير برغم وحدة «الحامل» الموضوع والتكنيك.. هنا بالتنوع من حيث الضربات للريشة الناعمة، لكنها تميل إلى السماكة ولين الضربات الواسعة
البسيطة، أي إن الإحساس فحسب، هو ما يُنقذ اللوحات من مطب التشابه والتكرار.. الأمر الذي يوحي مع التأمل بالجدة في كل لوحة عن سابقتها بحركية الألوان والخطوط لتكون كلها مجالاً أو لتشكّل فضاء المشاعر الدافقة، ذلك أن كثرة الورود وضغط الزهر يفسرهما البعض بأنهما حالة تمتلك الفنانة، هذا تعبيرياً، وتشكيلياً يأتي إغناء بصرياً للوحة، ويخدم توازناً لونياً وإن جاء أحياناً على هيئة استعراض لوني في بعض اللوحات، أو فيه شيء من المخملية، ولكن لم يكن في الأمر ضير أبداً !!.. ‏
وبالعودة للوحة الصغيرة في أعمال غادة دهني، فتكاد تكون أكثر ما تشبه ما تفعله كاميرات «الديجيتال» هذه الأيام، إذ بالإمكان أخذ مقطع ما من اللوحة، وإبرازه كرؤية بصرية وجمالية، قائم بذاته، مجتزأ من اللوحة الكبيرة… أو قد تأتي كحقل تجارب للوحة الكبيرة أو، ربما، كإحساس جديد أو حالة جديدة أو لون جديد، إذ يدخل الأمر ضمن مجال الدراسات والتجريب، وهذه ميزة أخرى في لوحات الفنانة دهني، مثال ذلك ما تدل عليه مسحة اللون الأبيض، أي ثمة خروج من طغيان الأحمر في اللوحة.‏