لن يحظى ترامب بمعركة صاخبة على رئاسة البنك الدولي، وهو نمط المعارك الذي يفضله.. إضافة إلى أنه يحتاجه اليوم ليحقق مكاسب داخلية (انتخابية تحديداً).. كما يحتاج حضوراً خارجياً بدأ يتآكل على قاعدة إخفاقه في أكثر من محطة دولية، آخرها القمة التي جمعته مع زعيم كوريا الديمقراطية كيم جونغ أون نهاية شباط الماضي.
لن يحظى ترامب بمعركة صاخبة، ليس لأنه لا يريدها، بل لأن الآخرين قرروا تجاهلها.. فلتأخذ الولايات المتحدة رئاسة البنك الدولي هذه المرة أيضاً.. وفي المرة المقبلة لكل حادث حديث..علماً أن ترامب كان يتوقع معركة طاحنة قياساً بما جرى في انتخابات عام 2012 الذي سُمي حينها التمرد على الهيمنة الأمريكية على البنك الدولي وعلى رئاسته.. و عدا عاصفة الانتقادات في الداخل الأمريكي لاختيار ترامب ديفيد مالباس – الموظف في وزارة الخزانة الأمريكية – لرئاسة البنك الدولي، فإن مالباس وانتخابات رئاسة البنك الدولي تكاد تكون بلا صدى، وكأن مالباس يخوضها منفرداً، وهذا ما يبدو أول وهلة غريباً أو غير متوقع في ظل شراسة المواجهة بين الولايات المتحدة والقوى العالمية الصاعدة.
لكن ما يظهر جلياً – وبقليل من التفكير – أن هناك «تدبيراً مختلفاً» أولاً من الآخرين حيال إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة.. وثانياً من قبل إدارة ترامب حيال ما يتعلق بإدارة عملية وجودها في المؤسسات الدولية، وبما لا يجعلها تسقط لمصلحة القوى الصاعدة التي أبدعت في تشكيل تكتلات ناجحة بخيارات بديلة لا مكان للولايات المتحدة فيها لا ترغيباً ولا ترهيباً.. هذه التكتلات قادرة على إزعاج الولايات المتحدة في أكثر من منطقة، وفي أكثر من مؤسسة دولية ومنها البنك الدولي.. لكنها قررت إرجاء «الإزعاج» على قاعدة «الإمهال وليس الإهمال» ولها في ذلك حكمة لا تعلنها، وإن كان الجميع يستطيع استشفافها وقراءتها فيما تشهده الساحة العالمية من أحداث وتطورات.
في انتخابات البنك الدولي الحالية لكلٍ أهدافه.. إدارة ترامب تجد أنه من المبكر التنازل عن رئاسته حتى وإن كانت لا تؤمن بالتكتلات الدولية وتفضل «الثنائية» عليها.. فالبنك الدولي لا يزال سقفاً يجمعها مع الخصوم والمنافسين من القوى الصاعدة: روسيا، الصين، إيران، الهند.. وغيرها، وبما يمكنها من مواصلة الضغوط عليها، وهي تدرك جيداً – في المقابل – أن هذا الامتياز لن يطول به الوقت ليسقط تحت الضربات التي يوجهها لها هؤلاء ولاسيما على الصعيد الاقتصادي.. هذا الوقت المتبقي تريد إدارة ترامب استثماره كاملاً قبل أن تبدأ خطتها البديلة بتدمير البنك الدولي حتى لا يستطيع الخصوم الاستفادة منه.. أما الخصوم، فاختاروا عدم المواجهة تحت سقف البنك الدولي مادامت «الضربات الاقتصادية» السابق ذكرها تفعل فعلها بالولايات المتحدة وتدفعها نحو أرض مهتزة غير مستقرة، فتسقط وحدها.. أما إذا لم يتحقق هذا السيناريو فلا بأس.. ميادين المواجهة عديدة مع الولايات المتحدة وهي في أغلبها تميل لمصلحتهم.. ولا بأس من ترك الأحداث تسير ببطء، فتأثيرها السلبي فيهم لا يُقارن بتأثيرها الأشد وقعاً على الولايات المتحدة التي تسابق الزمن للوصول إلى نتائج نهائية قبل أن يصبح الخصوم – عدداً وعدة – أقوى من أن تستطيع هزيمتهم أو احتواءهم أو حتى مشاركتهم الغنائم والمكاسب.

لا مفاجآت متوقعة.. طريق الولايات المتحدة لا يزال سالكاً إلى رئاسة البنك الدولي الذي سيختار- في منتصف نيسان المقبل- أمريكياً جديداً رئيساً له هو ديفيد مالباس خلفاً لـ جيم يونغ كيم الذي استقال من منصبه فجأة (في كانون الثاني الماضي) قبل ثلاث سنوات من انتهاء ولايته، من دون إعلان الأسباب، بينما عزت تسريبات هذه الاستقالة إلى ضغوط عليه من قبل إدارة ترامب.. ولم تأخذ هذه التسريبات صدى يُذكر، لأن ترامب هو شخص «علني جداً» في عداواته وصداقاته.. لكن هناك من صدقها عادّاً أن استقالة جيم هي فرصة أمام ترامب ليضع أحد «رجالاته» في البنك الدولي، ولاسيما أن مالباس يبدو الأكثر شبهاً وتشبهاً بترامب وبمواقفه إزاء الآخرين، أي الخصوم، وعلى رأسهم الصين.. وإزاء قضايا العولمة ورأس المال والتكتلات الدولية.. وإزاء البنك الدولي تحديداً.. وهو يشبهه أيضاً حتى في الكذب، إذ استعرضت الصحف الأمريكية الكثير من المواقف التي مارس فيها كذباً بيّناً من دون أن يهتز له جفن.

ترامب ـ مالباس.. المهمة لن تكتمل
قيل الكثير بشأن مالباس ولماذا اختاره ترامب، بدءاً من أنه فاشل وغير كفء، وانتهاء بأن وجوده على رأس البنك الدولي سيقوض دوره ومهامه، وسيؤجج نار الخلافات مع الدول ولاسيما مع الصين.. وربما هذا هو المطلوب، ألم يقل ترامب إن مالباس هو الأفضل لرئاسة البنك الدولي؟.. ولكن كيف يكون الأفضل وهو يعد دور البنك الدولي «تطفلياً» ويتهمه (بالتبذير لمصلحة الصين) ويطالب بإصلاحه وتفعيل نظام محاسبة الدول (الأخرى وليس الولايات المتحدة طبعاً).. ألا يمكن عدّ تصريحات مالباس هذه «أجندة» عمل بعد وصوله إلى رئاسة البنك الدولي.. أليست أجندة عمل عدائية ضد مؤسسة نقدية دولية لطالما كانت ذراع أمريكا الضاربة لإخضاع العالم ونهب ثرواته.. ما الذي تغير حتى تريد الولايات المتحدة قطع هذه الذراع.. أو على الأقل لنسأل: هل باتت المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي، عبئاً على الولايات المتحدة.. أكثر من ذلك، هل باتت تهديداً وجودياً لها، تأخذ منها وتعطي للخصوم.. تُضعفها وتقويهم.. تُحاصرها وتحررهم؟

«تمرد 2012»
أولاً، منذ «تمرد 2012» السابق ذكره، بدا وكأن الزمن دار دورة كاملة ضد الولايات المتحدة، وبدا أنها استفاقت من غفلة.. وهي منذ ذلك الوقت تسرّع الخطا لاحتواء ما يمكن احتواؤه.. وعلى نحو عام يسجل المراقبون، منذ ذلك، عام 2012 بداية التغير في السلوك الأمريكي الدولي بصورته العلنية الحادة التي برزت ولاسيما مع ولاية ترامب 2017.
مع انتهاء ولاية باراك أوباما 2016، بدا أن الاحتواء يتطلب أكثر من التصريحات أو التهديدات.. لتبدأ مرحلة الفعل مع ترامب، وكان ترامب هو الأنسب لهذه المهمة لدرجة أن أغلبية المراقبين اليوم ترى أن فوزه برئاسة الولايات المتحدة كان مدروساً بمعنى أنه كان موجهاً ومتعمداً، بما يتصف به من وقاحة القول و«جلافة» الفعل.. وبالفعل، انطلق ترامب في تنفيذ المطلوب ليقلب الأمور رأساً على عقب: دولاً ومنظمات دولية.. اقتصاداً وعسكرة وسياسة.. وهكذا حتى وصلنا اليوم إلى محطة البنك الدولي الذي انضم إلى قائمة الاستهدافات الأمريكية.. والسؤال: هل نجح ترامب؟.. الجواب الواضح: لا.. فإضافة إلى الضجة والصخب اللذين يثيرهما ترامب، لا شيء تحقق، بل إن الدول الأخرى ازدادت تكتلاً وتحرراً من الهيمنة الأمريكية، واستطاعت الالتفاف على هذه الهيمنة في أغلب المنظمات والمؤسسات الدولية من أمثال البنك الدولي، وفي أغلب الاتفاقات الدولية وهي كثيرة ومهمة ومؤثرة.. فما كان من إدارة ترامب سوى الانسحاب منها واحداً تلو الآخر.. وترامب سبق أن هدد بالانسحاب من البنك الدولي مشككاً في جدواه وجدوى استمرار الولايات المتحدة في عضويته.. علماً أنه على مدى 75 سنة من تأسيسه عام 1944 كان في خدمة هيمنتها وتسلطها على العالم.
ما سبق يعني أن إدارة ترامب، بكل ما فعلته حتى الآن، نجحت فقط في شراء بعض الوقت لتبقى على كرسي قيادة العالم، ويعد البنك الدولي إحدى أرجل هذا الكرسي.

«مجبر أخاك لا بطل»
ثانياً، لنعد إلى سؤال: لماذا ارتدّت الولايات المتحدة ضد البنك الدولي، وهل تريد فعلاً المغامرة بالتخلي عنه، أو وضعه على «حد فاصل» بينما فرص الخسارة أكبر من الربح؟
على الأكيد، لم تكن الولايات المتحدة في وارد فعل ذلك، ولكن على مبدأ «مجبر أخاك لا بطل» تجد نفسها مضطرة لهذا الفعل – في نهاية المطاف – إذا ما فشلت في سياسة الاحتواء، وإذا ما كان البنك الدولي سيتحول إلى أداة في يد خصومها ومنافسيها.. وهي، وإن كانت لم تنسحب منه بعد، فإن الأمر لا يعدو كونه استمهالاً في الوقت، عسى ولعل الاستمهال يكون في مصلحتها، ولاسيما أن مجمل التطورات العالمية التي توصف بالمخاض لم تضع حِمْلها بعد، أي إنه ما زال أمام الولايات المتحدة متسع من الوقت للتحرك.
ثالثاً، لم تعد الولايات المتحدة هي من يرسم الخريطة الاقتصادية العالمية (التي كانت الرافعة الأساسية لسيطرتها السياسية) وهذا قاد بالضرورة للحد من نفوذ البنك الدولي، أي من النفوذ الاقتصادي للولايات المتحدة.. الاقتصادات التي كانت توصف بالناشئة لم تعد ناشئة، بل باتت قوى فرضت نفسها على الخريطة الاقتصادية العالمية وعلى البنك الدولي نفسه – عبر تكتلات واتفاقات، وعبر نظام تعاون اقتصادي بيني، حررها من نير قروض البنك الدولي التي تعد الأداة الأخطر في يد الولايات المتحدة للتدخل اقتصادياً في شؤون الدول وسلبها سيادتها وقرارها المستقل في الداخل والخارج.. ولعل مجموعة «بريكس» المثال الأبرز التي تنافس حالياً البنك الدولي عبر «بنك التنمية الجديد» الذي أسسته عام 2013 ويصل رأسماله إلى 100 مليار دولار، وهو يمنح قروضاً سخية لجميع الدول وبشروط بعيدة عن سياسات التسلط والاستعباد التي فرضتها الولايات المتحدة على الدول عبر البنك الدولي.. والولايات المتحدة ترى بأمّ العين كيف أن الدول تتجه إلى بنك التنمية الجديد للحصول على القروض والتمويلات، وهذا ما دفعها إلى زيادة سقف القروض والتمويلات.. ولكن ما الفائدة إذا كانت الشروط التسلطية ما زالت على حالها، وبما يجعل الدول تفضل اللجوء إلى بنك «البريكس» وليس إلى البنك الدولي (وللعلم، فإن مجموعة بريكس تمثل 40 في المئة من سكان العالم).
ما سبق يعني أن الولايات المتحدة ستخسر عاجلاً أم آجلاً البنك الدولي كأداة تحكم وتسلط، وحتى لا تظهر بموقف المُنهزم أو الضعيف فهي قد تبادر إلى الانسحاب منه أو إغراقه في الانتقادات أو فرض الشروط التعجيزية على أعضائه.. وهذا ما سيقوم به مالباس.

واشنطن تخسر
رابعاً، لا ترى الولايات المتحدة أي مصلحة لها في أن تكون ضمن علاقات ندّية، أو تكون ضمن تكتلات دولية على قدم المساواة مع غيرها.. وترامب كان صرح غير مرة أن التكتلات والاتفاقات الدولية لم تعد مجدية، بل هي تؤذي الولايات المتحدة. هذا قول صحيح تماماً، هي تؤذي الولايات المتحدة ولكن ليس بقدر ما آذت هي العالم وشعوبه.. هي تؤذيها لناحية تقليص هيمنتها وتسلطها وحروبها التي لا تنتهي.. وإذا كانت كذلك فهي مفيدة للآخرين وتوفر لهم الخيارات للحياة والبقاء بعيداً عن الارتهان للولايات المتحدة.
في كل الأحوال، وأياً يكن وجه سياسات البنك الدولي في المرحلة المقبلة والصراعات التي سيشهدها، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء.. المسألة ليست في استمرار احتكارها رئاسة البنك الدولي، فهذا لم يعد يفيد، كما لا يفيد انسحابها منه أو من غيره من المنظمات والاتفاقات الدولية.. المسألة في عالم اختلف وتغير، طوّر أدواته، وامتلك وسائل القوة والدفاع، متجاوزاً خط العبودية الذي رسمته الولايات المتحدة وفرضته طوال ثمانية عقود مضت.