شكلت وسائل التواصل الاجتماعي منصات مثالية لإطلاق كمِّ غير محدود من المعلومات التي يتعامل معها العقل البشري على مدار الساعة بشكل كبير، وبذلك تكون المجتمعات عرضة للاستهداف، فعندما يوجد من يحاول إلحاق الضرر بك، وتوجد الأدوات، فإن مجتمعاتنا تكون عرضة لهجمات شرسة تستهدف أمننا وعقائدنا وثوابتنا.

وانطلاقاً من أهمية تأثير ما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي في السلوك الفردي والمجتمعي، وآلية تعامل العقل البشري مع كميات المعلومات الهائلة التي يتلقاها من خلال هذه الوسائل والمراحل التي تمر فيها هذه المعلومات حتى تظهر في شكل سلوك سلبي أو إيجابي للأعمار المختلفة كان التساؤل: هل تم اختراق عاداتنا و تقاليدنا والانحياز للفكر الغربي عن طريق هذه الوسائل؟

هذا ما يجيب عنه وضاح السواس -عضو قيادة منظمة طلائع البعث -رئيس مكتب التقانة في حديثه عن الورشة الوطنية التي نفذتها المنظمة على صعيد شبكات التواصل الاجتماعي بالقول: إن هذه المواقع والبرامج المفتوحة، لا توجد لها ضوابط تتناسب مع أخلاقنا وقيمنا العربية وعاداتنا و مبادئنا الثابتة، ما أثر في حياة الناس عموماً سواء سلبياً أو إيجابياً. ولذلك كانت الورشة الوطنية بعنوان ما لها وما عليها وحماية الأطفال من سوء استخدامها.

فالغاية حماية الأطفال من الوقوع ضحية مواقع الإنترنت التي تتضمن مشاهد تتسم بالعنف واستدراجهم إلى مواقع وصفحات دردشة خطرة، ومراعاة مسؤوليات الأسرة خاصة، المؤسسات التربوية والإعلامية عامة في تحصين الجيل من وافدات العصر الضارة، وتحصين الأطفال من الإصابة بالأمراض النفسية نتيجة ممارسة ألعاب الشبكة العدوانية، وتصفح شبكات التواصل الاجتماعي، والتعرف على إعداد برامج توعوية على طريقة حل المشكلات لتلافي أضرار الشبكة العنكبوتية.

في الاستبيان الذي طرحته منظمة طلائع البعث لفئات عمرية تتراوح أعماهم بين 25 إلى 55 من الجنسين ومن كل المحافظات تبين الآتي: 96% قالوا إنهم يملكون حساباً على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي، وكونوا صداقات من خلال تلك المواقع من خلال الاهتمام المشترك واحترام التبادل والإعجاب بكتاباتهم وآرائهم وبغية الاستمتاع بالوقت ومن خلال مركز عملهم ولتبادل المنفعة، أما الذين لم يكونوا صداقات ونسبتهم 4% فكان ردهم على السؤال نتيجة عدم الثقة، وبعضهم لا يقبل في الأساس فكرة التواصل عن طريق جهاز الحاسب، وفضل 41% التحدث مع الناس عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، بينما قال 59% أنهم يفضلون التواصل المباشر، وقال 05,69% أنهم سيجعلون أبناءهم يستخدمون هذه الوسائل جزئياً و57,28 % يومياً، بينما يومياً أكد 38,2 % أنهم لا يستخدمونها مطلقاً، ورأى 91,27% أنه يمكن أن يستغنوا عن هذه الوسيلة على عكس الأغلبية 09,72% الذين أكدوا عدم إمكانية الاستغناء، وأوضح 69% أن مواقع الاتصال الاجتماعي غيرت من شخصيتهم نحو الأفضل حيث زادت ثقافتهم وقراءاتهم ورؤيتهم للأمور حيث أصبحت أكبر وأوضح من ذي قبل، أما 11% فيرونها غيّرتهم للأسوأ حيث أصبحوا يركزون على متابعة حياة الغير بلا فائده! وهناك 20 % لا يشعرون بأنها غيّرتهم.. وعلى صعيد تأثيرها في نمو الأطفال بين 69% أنها ذات تأثير سلبي، بينما 4% لم يروا أي تأثير سلبي، وفي التأثير الإيجابي وجد 98% أنها ذات تأثير إيجابي في نمو الأطفال و2% لم يجدوا لها هذا التأثير، كما جعلت 31% يفضلون العمل الفردي و69% لايفضلون ذلك وتوقع 97% أن مواقع التواصل الاجتماعي تؤدي إلى مشكلات أسرية بين الوالدين والطفل، بعكس 3% الذين لم يجدوا ذلك.
أما لجهة خطرها من استخدام الألعاب الإلكترونية على الأطفال فكانت النسبة كبيرة فـ 99% يؤكدون حقيقة ذلك، وفقط 1% لم يروا هذا الخطر.

إيجابيات شبكات التواصل
وعلى صعيد الإيجابيات لشبكات التواصل الاجتماعي رأى المتفقون معها أنها تمكن من تبادُل الآراء بين المُستخدمين، والتعرُّف على ثقافات الشعوب الأخرى وتطوير المهارات الفردية، كما أنها أصبحت (صلة الرحم الافتراضية ) ووسيلة لمُمارسة الأنشطة الثقافية والاجتماعية التي تَهدف إلى التقارب بين الأفراد، وتُسهِّل عملية التواصُل مع الآخرين، وللحصول على المعرفة، وبعضها يؤدي إلى رفْع قدرة الطفل على القراءة والكتابة، والتعبير الشفوي، والاستماع والتركيز، وتعلم الثقافة العامة، والعلوم واللغات الأجنبية، والتربية الفنية والرياضيات، كما أنها تقوي المقدرة على حل المشكلات التي تواجهه، وتساعده على التوافق الاجتماعي، وتطوير هواياته ومواهبه، واستغلال وقت فراغه إذا استغلت بالشكل الأمثل.

سلبياتها
أما سلبياتها فتكمن في غياب الرقابة وعدم شعور بعض المستخدمين بالمسؤولية، وكثرة الشائعات والمبالغة في نقل الأحداث، وبعض النقاشات التي تبتعد عن الاحترام المتبادل وعدم تقبل الرأي الآخر، وإضاعة الوقت في التنقل بين الصفحات والملفات من دون فائدة، كما أن تصفح المواقع يؤدي إلى عزل الأطفال والشباب والمراهقين عن واقعهم الأسري وعن مشاركتهم في الفعاليات التي يقيمها المجتمع. وانعدام الخصوصية الذي يؤدي إلى أضرار معنوية ونفسية ومادية.
ليخلص المشاركون في تلك الورشة -حسب السواس- إلى مقترحات لتجاوز السلبيات في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي تمثلت في ضرورة التعريف أكثر بأهمية الشبكات الاجتماعية، عن طريق عقد اللقاءات وورشات العمل، وضرورة احتواء المقرَّرات التعليمية المختلفة على أجزاءٍ منها للتكلم فيها عن أهمية شبكات التواصل الاجتماعي والتحذير من مخاطرها، وتوجيه الدعوة إلى أولياء الأمور بضرورة مراقبة أبنائهم أثناء دخولهم على الإنترنت عامة، وشبكات التواصل الاجتماعي خاصة، وإذا حدث خلل من جانب الأبناء، فيجب على الآباء التعامل معهم بشيء من الرفق واللين، والتأكيد على تطبيق القوانين والتشريعات، التي تجرم الاستخدام السيئ للشبكات الاجتماعية، ومخاطبة كليات الإعلام والمراكز البحثية في الجامعات عن ضرورة تشجيع الباحثين وطلاب الدراسات العليا على إجراء المزيد من الأبحاث والدراسات عن مختلف شبكات التواصل الاجتماعي وتأثيراتها المختلفة على الفرد والمجتمع، وتوجيه الدعوة إلى رجال الأعمال من أجل تشجيع الشباب على ابتكار شبكات تواصل اجتماعي عربية، تهدف في المقام الأول إلى خدمة الشباب العربي، مع رصد مكافآت مالية كبيرة؛ لتشجيع الشباب على الابتكار. ويجب ألا تحل الاتصالات عبر الإنترنت مكان الاتصالات التقليدية, إنما علينا النظر إليها كوسيلة إضافية للاتصالات, مثلما كان البريد أو الهاتف في عصرهما.
أما للمدمن عليها ويريد الاستغناء عنها فوجهت له النصائح بتحديد وقت معين لاستخدامها مثلاً ساعة في الصباح وساعة في المساء، وحذف جميع تطبيقات التواصل من الهاتف الذكي.

استبيان «تشرين»
في استبيان طرحته «تشرين» أجاب سبعون شخصاً من أصل مئة من مختلف الأعمار والشرائح، على أسئلة «تشرين» عن عدد الساعات التي يقضونها وهم يتصفحون مواقع التواصل ولاسيما «فيس بوك»، وهل يتمنون العودة إلى ما قبل وجود هذه المواقع ولماذا؟ وجاءت النتيجة أن 9,1% يقضون أقل من 3 ساعات، و 20,3% أكثر من 3 ساعات، و 9,8% أكثر من 6 ساعات، بينما يقضي 7,7% أكثر من 10 ساعات، وانخفضت النسبة إلى 2,1% لمن يقضون أكثر من 15 ساعة في تصفحها.
وتعددت الأسباب المسوغة لعدد الساعات التي يقضيها المستطلعة آراؤهم على مواقع التواصل، وجاء في مقدمتها العمل، حيث تفرض بعض الأعمال على أصحابها متابعة هذه المواقع أو التواصل عبرها مع العملاء الذين يعملون معهم أغلبية ساعات النهار والليل أحياناً، أما السبب الأكثر ذكراً، فكان التواصل مع الأهل والأصدقاء والأقرباء بعد أن انقطعت سبل التواصل مع الكثير من السوريين الذين صاروا خارج البلاد.
أما الجواب عن السؤال الثاني أيهما أفضل وجود هذه المواقع أم هل هناك من يتمنى العودة إلى ما قبل وجودها؟ فجاءت نسبة المؤيدين لوجودها 29,4%، أما الذين تمنوا اختفاءها وتوقفها فكانت نسبتهم 14,7%.
أما أسباب كلا الطرفين، فتنوعت أيضاً، يقول قصي حيدر إنه يقضي أغلبية وقته متصلاً بالشبكة بحكم عمله الذي يحتاج استخدام مواقع التواصل غالباً، وهو لا يتمنى العودة إلى الوقت الذي لم يكن متوافرة فيه تلك الوسائل، لكونها سهلت الكثير من الأعمال ووفرت الجهد والوقت، وقدّمت كل ما تحتاجه من بيانات لأي مشروع عمل جديد كقاعدة للانطلاق منها للتنفيذ العملي.
المحامي عبد الفتاح الداية يرى أن استخدامه هذه المواقع زاد عن المقبول، وسيحاول الحد من هذا الاستخدام عبر أكثر من طريقة، لكنه وبكل تأكيد لا يتمنى أن تُلغى هذه المواقع لأنها إن استخدمت بالشكل الصحيح ستكون أداة جيدة وإيجابية وفاعلة بقضايا الشأن العام.
روجيه نصر الله يقضي الكثير من الوقت على هذه المواقع، أي ما يقارب نصف يومه، بحسب تأكيده، لكن هذا لم يقطعه عن حياته الواقعية، لأنه استطاع تحويل أصدقاء هذه المواقع لأصدقاء حقيقيين، وبعض منهم صار من أعز الأصدقاء ويلتقون يومياً تقريباً.
ويضيف روجيه: بالطبع لا أتمنى أن تختفي هذه المواقع لأنها وفرت التواصل مع أشخاص أجبروا على السفر خارج سورية، لكن المشكلة تكمن، في رأيه، في الاستخدام الخاطئ لهذه المواقع.
ومن التعليقات الطريفة التي جاءت في الاستطلاع، ما قاله ناصر حمد: (بالتأكيد لن تتغير الحياة من دون «الفيس بوك»، لكنه يساعد في تحسين النفسية المتعبة للأشخاص، وفيه هروب من الواقع المرير، فعلى «الفيس بوك» أصير بطلاً وأشاجر وأعارض، وأعبر عن رأيي، وأناقش كثيراً، وصرت صديقاً لأشخاص لم أكن أحلم حتى برؤيتهم مثل بعض الأسماء الشهيرة التي صرت أناقشها وأجادلها، ومن أهم ما توفره هذه المواقع، اكتشاف الناس على حقيقتهم، واكتشاف أن بعض الأسماء اللامعة في بعض المجالات ليسوا أكثر من متعدين على المهنة.
ومن الذين يتمنون اختفاء هذه المواقع، بل اختفاء شبكة الإنترنت كاملة، السيدة وفاء سيفو التي قالت: إن الإنترنت هو أكبر داء ابتلينا به كدول عالم ثالث، والإنترنت بالنسبة إليها أقذر أنواع المؤامرات، لكن الكارثة – في رأيها – أنه داء لا مفر منه، ولا يمكن الاستغناء عنه، لأن الاستغناء يعني أن نبقى في عالم منفصل عن مواكبة الأحداث والحياة.
وأضافت: الانترنت ومواقع التواصل دمرا أعظم القيم الإيجابية التي كانت موجودة في مجتمعنا، ودمرا العلاقات الاجتماعية الواقعية الحقيقية وحوّلاها لافتراضية خلبية مريضة.

إشكالاتها متعددة
بالانتقال لجانب آخر من الحديث عن التواصل الاجتماعي ترى الدكتورة رشا شعبان – قسم الفلسفة والمجتمع في كلية الآداب، جامعة دمشق- أن لتلك المواقع والوسائل وجهاً سلبياً أو قبيحاً عندما تحولت إلى ساحة لممارسة نوع جديد من الحروب التي تستهدف الأفكار والأدمغة والعقول، لتغيير القناعات والقيم والأخلاق، وهذا مدخل أساس لاحتلال الشعوب بطريقة جديدة يلبس فيها الاستعمار لبوس الحوار والرأي والديمقراطية ويبثها بالشكل الذي يرغب في فضاء العالم الافتراضي، وبطرق وأشكال متعددة لا حصر لها تسببت في إشكالات للأفراد وللمجتمع منها ما يتعلق بالجانب الأمني، وقد تجلى ذلك عندما استخدمت المنظمات هذه المواقع لتهديد أمن الدول عبر نوافذ وغرف الدردشة التي تم من خلالها استهداف الشباب بشكل خاص وتجنيد الكثير من العقول باستخدام الدين، حيث بدأ الفكر التكفيري يغزو عقول الأفراد والأخطر أن هذا العالم الافتراضي يحرك الأشخاص بالطريقة التي يراها مناسبة وعبر شخصية ليست حقيقية، ولم تكتفِ تلك الجهات بالاستهداف فحسب بل سعت وبطرق خفية إلى خلط المفاهيم عند أفراد المجتمع واستغلال ذلك الخلط لتهديد أمن الدولة الداخلي واستقرارها، أيضاً نذكر الإشكالات الثقافية وهي تتعلق بالحفاظ على الهوية، فهناك وللأسف الكثير من أفراد المجتمع، ومن بينهم مثقفون، يقعون في هذا المطب ويتم استغلالهم في مواقع العالم الافتراضي الذي لا يلتزم بحدود جغرافية أو بمعاهدات ومواثيق، فحتى سيادة الدول في أيامنا هذه أصبحت في خطر.

القناعة هي الضحية.. والشباب المستهدف الأساس
ورداً على سؤالها عن ضحية وآلية هذا الغزو الجديد، أشارت د. شعبان إلى أن الخطورة الحقيقية تكمن بنوعية ضحايا تلك الحروب التكنولوجية، إذ إن القناعة هي الضحية الأهم، فمجرد تغيير القناعات يعني أن العدو أصاب الهدف، وهنا تبدأ الضحية بترويج أفكاره وقناعاته والتشبث بها والقتال إلى صفه، ما يعني زرع عنصر في الوطن يكون ضد الوطن، فاليوم نحن لسنا أمام حروب نظامية إنما أمام حرب إلكترونية تستعمل التكنولوجيا لتغيير الأفكار، وهي تبدأ بالأفراد وتنتهي بالأوطان مروراً بالمجموعات، ويعد الشباب- بالطبع- عماد تلك الحروب لأنهم بطبيعتهم وفيزيولوجيتهم مهيئون للتوجه نحو التغيير والتمرد على ما هو قائم بحكم عمرهم وخبرتهم، يضاف إلى ذلك عوامل مساعدة فالفراغ والبطالة والمستقبل الضبابي أمور تلعب دوراً كبيراً في جذب الشباب إلى تلك المواقع التي تعمل على استثمار إمكاناتهم وطاقاتهم كيفما ترغب وبالشكل الذي يتناسب مع مخططاتها، وتكرس عندهم حالة الانعزال عن البيئة والمجتمع، وهنا نجد أن على المنظمات كلها وبخاصة الشبابية التي أفرغت من أهدافها وصارت كلها شكلية، العودة لممارسة دورها الحقيقي في تحفيز الشباب وتوجيههم توجيهاً صحيحاً يبعدهم عن الوقوع في شرك الأفكار الغريبة والمتطرفة والهدامة التي تدس السم في العسل بطرق ووسائل شتى.
التأثير في القيم والعادات والتقاليد
تعامل الجيل الحالي، وخاصة فئة الشباب، مع العالم الافتراضي، وإقحامه في كل تفاصيل حياتهم أثر بشكل كثيراً فيهم من الناحية المجتمعية، فكيف أثرت مواقع التواصل الاجتماعي في جيل الشباب، وما الذي تغير في تعاطيهم مع القيم، ونظرتهم للعادات والتقاليد، وسلوكياتهم الحياتية؟
«تشرين» سلطت الضوء على تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في القيم والسلوك والعادات والتقاليد، خاصة لدى الشباب، من خلال حديث مع الاختصاصية الاجتماعية حنان ديابي (مدرّسة في كلية الآداب- قسم علم الاجتماع في جامعة دمشق) التي أشارت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أعطت للأفراد، وخاصة جيل الشباب، مساحة أوسع للاطلاع والتعرف على العالم بثقافاته المختلفة والمقارنة مع الآخرين، ومن ثم تشكيل القيم من منظور جديد وشخصي، حيث إن كل فرد يتجه إلى تعزيز القيم الموجودة في مجتمعه إيجابياً أو سلبياً حسب ملكاته الشخصية وزاوية الرؤية التي ينظر بها إلى تلك القيم، وموقعه منها وقدرته على تبادل الأدوار مع الآخرين حتى يستطيع الحكم على القيم والسلوك المرافق لها بطريقة أكثر موضوعية، وتالياً تلك المساحة أعطت حرية في اختيار التحفيز الإيجابي أو السلبي وفقاً للفرد نفسه، فلا حالة عامة تنطبق على الجميع، وخاصة أن موضوع القيم شائك لأنه نسبي وتعاطي البشر معه يختلف من شخص إلى آخر، فجاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتزيد من هذا الاختلاف بين الأفراد.
ومن خلال تواصل الاختصاصية ديابي مع عدد من الشباب أثناء عملها والخوض معهم في نقاشات تقوم على أساس ما وصلوا إليه عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بالقيم، تجد أن الكثير منهم تعززت لديهم بعض القيم الإنسانية التي لا علاقة لها لا بالدين، وكأن هذا الاتجاه جاء ردة فعل على الحركات الدينية المتطرفة التي ظهرت خلال الأزمة، إضافة إلى ملاحظة أن بعض الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي يُعجب بقيمة أو مفهوم معين سواء كان إيجابياً أو سلبياً لكنه مختلف عن بيئته، لكنه لا يصل إلى مرحلة التطبيق بسبب قيود المجتمع، وتالياً الموضوع يتعلق إلى أي درجة نملك من الوعي، وكم يساعدنا المجتمع على إدخال قيم جديدة إلى حياتنا اكتشفناها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
أما بالنسبة للعادات والتقاليد وكيف أثرت مواقع التواصل الاجتماعي فيها، فتوضح ديابي أن التجارب الشخصية هي التي تحكم في ذلك، فبعض أفراد المجتمع وخاصة جيل الشباب بعد خوضهم تجارب معينة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وصلوا إلى مرحلة نبذوا فيها الكثير من العادات والتقاليد، بينما على العكس هنالك أفراد كانت لديهم ردة فعل أعادتهم إلى التمسك بتلك العادات والتقاليد واستخدموا وسائل التواصل الاجتماعي لتعزيزها ونشرها على نطاق أوسع، وتضيف: حتى موضوع «الجندرية» الموجود بشكل كبير في مجتمعاتنا، من الواضح أن الكثير من الأفراد استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي لتكريس تلك المفاهيم، إلا أن هذا لا يعني عدم اتجاه بعض الأفراد إلى الحد من هذه المظاهر المجتمعة وتكريس وسائل التواصل الاجتماعي إيجابياً لخدمة هذا الموضوع.
من جانب آخر أكدت الاختصاصية حنان على تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في سلوك الأفراد سواء سلباً أو إيجاباً، مشيرةً إلى وجود مظاهر سلبية عديدة رافقت جيل الشباب بسبب الغرق في العالم الافتراضي ومنها؛ العزلة الاجتماعية، التعرض لحالات الابتزاز وما ينجم عن ذلك من توتر نفسي وقلق وإحباط وغيره، إضافة إلى حالات النفاق الاجتماعي وتعزيز المظاهر الكاذبة، والاغتراب الذي يعني وجود الفرد بين أهله لكنه يشعر دوماً بالشك تجاه من حوله ومقارنة محيطه بمحيط أقرانه والشعور بالضياع في الانتماء. أما التأثير الإيجابي فغالباً يكون من خلال ما توفره وسائل التواصل الاجتماعي من أدوات للحصول على المعرفة بشكل عام، وما تؤمنه من قنوات للتسلية والترفيه.
وأخيراً نصيحة لجيل الشباب تقول: يجب أن نعرف كيف نتعامل مع هذا العالم الافتراضي ونتعاطى معه بالطرق التي تعود علينا بشكل إيجابي، فنحن في مجتمع تحكمه الأهواء البشرية، لذلك يجب أن نحاول الوصول إلى مرحلة التوازن وأخذ موقع الوسط في مثل هذه الأمور.