آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب الاسبوع » “رسالة الغفران” في صياغة معاصرة بتوقيع فرحان بلبل

“رسالة الغفران” في صياغة معاصرة بتوقيع فرحان بلبل

06-05-2019 
نضال بشارة: 

بغلاف حمل إحدى لوحات فنان الخط العربي منير الشعراني كتب فيها (لا إمامَ سوى العقل) صدر للمسرحي والباحث فرحان بلبل كتاب «صياغة معاصرة لنص أبي العلاء المعري: رسالة الغفران»(دار ممدوح عدوان). وهي لوحة تعاضد توجّه بلبل فيما ذهب إليه. لكن هذه الصياغة لاقت استنكار البعض، ونزعم أن الأعم الأغلب من الذين اعترضوا أو استنكروا هذه الصياغة لم يطّلعوا عليها، فهم لو فعلوا وقارنوا بينها وبين النسخة التي حققتها د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) لقدّروا جهده، إذ مضى يقول: «استبدلت الكلمات الغريبة البائدة بألفاظ عادية يفهمها القارئ العادي. وهذا الاستبدالُ تم مع الحرص الشديد في المحافظة على نَسَقِ تركيبِ الجملة عند المعري وعلى تشبيهاته الرائعة التي تنبئ عن مخيلة واسعة، وبهذه الطريقة التي اتَّبعناها تجلَّى جمالُ أسلوبه الذي يتفرَّدُ به في عصره ويلتزم فيه بما هو متعارَفٌ عليه من أصول التأليف في عصره وبين أقرانه. فكانت إعادة الصياغة لها أشبهَ بجلاء الحِلْيَة الذهبية المُغْبَرَّةِ ليعود إليها بريقها. وهذا ما حدث في إعادة صياغة رسالة ابن القارح. وبلبل لم يكتف بما سبق بل قام بـ«إعادة صياغة بعض التراكيب والجمل بحيث تتخلَّص من مُعاضلتها التي كان بعضها دليل الفصاحة والبلاغة في ذلك العصر، وحولتها إلى تراكيب وجمل سهلة هي مقياس الفصاحة والبلاغة في هذا العصر، وذلك من دون الإخلال بأسلوب المعري أو بأسلوب ابن القارح». ويشير بلبل إلى الصعاب التي واجهته فيقول: «ومن أصعب المشاكل التي واجهتني في إعادة صياغة التراكيب والجمل مشكلة إحالات الضمائر إلى مَنْ تعود إليه. وابن القارح أشد تعقيداً من المعري في التعامل مع الضمائر. وكثير من هذه الجمل والتراكيب وقف عندها دارسو (الغفران) و(رسالة ابن القارح) ومحققو الرسالتين وقالوا: (إنَّ المعنى غير مفهوم)، وقد حاولت جهدي ألا أترك جملة غير مفهومة، فتحايلت عليها لأصل إلى معناها من سياق الكلام ومن الفكرة التي يناقشها ابن القارح أو المعري. وفي موضع آخر يوضح بلبل» لا يمكن إجراء أي تغييرات على الشعر. فأبقيت عليه لأنه لا يحق لنا المَساسُ به. لكنني قدمت شرحاً وافياً لكل بيت شعري إن كان غير واضح المعنى، وهو أمر كثيراً ما هرب منه مَنْ سبقني في تحقيق (الغفران) أو (رسالة ابن القارح). أمّا ما الذي حرص عليه بلبل، فيقول «حرصت الحرص كله على ألا أحذف شيئاً من الرسالتين. لكن بعض الجمل والتراكيب لم أتمكن من الوصول إلى معانيها كما لم يتمكن غيري من الوصول إليها، خاصة أن المعرّي أتى بها على سبيل الأمثولة إغراقاً في استعمال مَيِّتِ الألفاظ فحذفتها. وهي في مجموعها لا تزيد على خمسين سطراً أو أكثر بقليل».
رأيان مناصران
أديبان من جيلين مختلفين في العمر الأول شاعر وله شغله في التراث تحقيقاً واختيارات، والثاني شاعر، كتبا على جدارهما الأزرق بعد اطلاعهما على الكتاب: يقول الشاعر والباحث مظهر الحجي: كنت في مجالسنا الخاصة وفي حواراتي مع الأستاذ فرحان أرفض فكرة إعادة الصياغة رفضاً باتاً، وأرى أن إعادة الصياغة بلغة معاصرة تشكل قطيعة مع النص التراثي ولغة عصره. وكان صديقي مصرّاً على متابعة عمله. الآن وبعد عامين من الجهد الدؤوب بذلهما الصديق في إعادة صياغة هذا الكتاب الصعب الذي يتعب المتخصصون في قراءته، وبعد قراءتي لصدرٍ منه، تغيّر رأيي في هذا العمل لأنه وضع بين يدي القارئ العادي كتاباً متخصصاً في اللغة لا يكاد يقرؤه المتخصصون في علوم العربية. لقد كان منهجياً في عمله فقد أعاد صياغة رسالة الغفران، هذا الكتاب المهم في تراث العربية، أعاد صياغته بلغة سلسة معاصرة يفهمها أدنى العارفين بالعربية كما شرح غريب اللغة وصاغ معاني الأبيات الشعرية وعرّف بالأعلام والأماكن فكشف غوامض الكتاب وقرّب بعيده.. إنه كتاب يستحق القراءة.
أما الشاعر محمد علي الخضور الذي لاقى صعوبة في قراءتها وهو في المرحلة الثانوية فكتب يقول عن قراءة صياغة بلبل: قرأته بشغف كبير واستطعت الانتهاء من قراءته في يوم واحد وهو كتاب يقع في ثلاثمئة وخمس وتسعين صفحة من القطع الكبير. صاغه الأستاذ فرحان بلغة عالية وأسلوب ممتع أقرب ما يكون لأسلوب المعري بدون حوشي الكلام وغريب اللفظ. ومن لم يقرأ رسالة الغفران بنص المعرّي لن يشعر أن هذه الصياغة صياغة معاصرة كتبت في القرن الواحد والعشرين لأنها احتفظت بأصالة المتن وسمو اللغة والأسلوب,وسهولة الوصول إلى المعاني والغايات بعيداً عن المفردات التي استخرجها المعري من توابيت اللغة ليدل بها على عمق معرفته وغزارة علمه. كتاب فرحان بلبل إضافة مهمة جداً إلى المكتبة العربية والقارئ العربي.. فشكراً له شكراً جزيلاً على جهده الكبير وفكرته الرائعة في تقديم هذه الصياغة برغم الانتقادات التي يوجهها عبدة التراث.
ولا يفوتنا أن نشير إلى ما هو مهم أيضاً في جهد فرحان بلبل هذا، وهي إشارته إلى براءة المعري من الزندقة. إذ يقول: وقد استدلَّ كلُّ من درس هذه الرسالة على زندقة المعري حيناً، وعلى استهانته بالأديان حيناً، وعلى السخرية من ابن القارح حيناً ثالثاً. ولم نجد في هذه الاستدلالات إلاّ افتراءً على الرجل وذهاباً ضالاً في فهمه. فهو لا يريد أكثر من تقديم معلوماته الغزيرة والمتنوعة- في الأدب والنحو واللغة وأخبار العرب وشعرائهم – في شكل يُغري المتعلمَ بالتعلُّم بفتنة الخيال وتقليبات أسلوب التعليم بالسخرية مرةً، وبالمشاجرة الحادة مرةً، وبإغراء القصِّ الجميل في كل مرة.

(سيرياهوم نيوز/5- تشرين)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رواية «وتتـرنح الأرض»

علم عبد اللطيف:  في باكورتها الروائية «وتترنح الأرض» (دار التكوين- دمشق) تسعى دعد ديب إلى تقديم شخوصها وحدثها بطريقة غير تقليدية، فتلجأ إلى لعبة الضمير ...