الرئيسية » قضايا و تحقيقات » بين ثنايا كل محنة منحةمواجهة الحصار الاقتصادي… عوامل تمكين وطنية

بين ثنايا كل محنة منحةمواجهة الحصار الاقتصادي… عوامل تمكين وطنية

13-05-2019

المهندس عبد الرحمن قرنفلة:

من الثابت أن قوى الشر الاستعمارية التي فشلت في تحقيق غاياتها في كسر شوكة سورية عسكرياً عبر أدواتها عملاء الداخل والخارج، أو عبر تدخلها العسكري المباشر في حالات ثانية، عملت على تغيير قواعد لعبتها العسكرية القذرة، لتنتقل إلى حرب اقتصادية أشد قذارة تستهدف تضييق الخناق على الشعب السوري الصامد من خلال فرض حصار اقتصادي يعطل قطاعات الاقتصاد السوري، ويحارب المواطن في لقمة عيشه عبر تضييق فرص توريد المشتقات النفطية التي تعدّ شريان حركة الاقتصاد عالمياً إلى البلاد، حيث عمدت الولايات المتحدة إلى منع السفن المحملة بالوقود من الاقتراب من السواحل السورية، ومنعت السفن الإيرانية من عبور قناة السويس إلى سورية عبر الضغط على الحكومة المصرية التي وافقت على الأوامر الأمريكية، وتراقب القاعدة الأمريكية غير الشرعية /في التنف السوري/ الحدود السورية العراقية خوفاً من تقديم بغداد يد المساعدة لدمشق في أزمتها، ولعله من المؤسف أن بعض الأنظمة العربية المرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية والتابعة لها تساند تلك القوى وتدعمها في زيادة الحصار على المواطن السوري ومحاولة تنفيذ مخططاتها، متناسية الدور القومي الكبير الذي لعبته سورية وشعبها عبر التاريخ وتلعبه حتى اللحظة في إمداد الأشقاء العرب بالمنتجات الزراعية والغذائية وبالموارد المائية برغم قسوة الظروف التي مرت وتمر فيها، فقد منعت الحكومة الأردنية الشاحنات السورية المحملة بالمزروعات ونباتات الزينة من عبور حدودها والاتجاه إلى العراق، للمشاركة في «مهرجان بغداد الدولي للزهور» الذي انطلق مؤخراً، برغم أن الأردن الذي عانى من وضع اقتصادي صعب ومعقد في الأعوام الماضية، شهدت أسواقه ارتياحاً بعد فتح معبر «جابر – نصيب» مع سورية الذي شهد بدوره حركة تجارية نشيطة كان معظمها يتجه إلى التصدير من سورية الغنية بإنتاجها الزراعي وغير الزراعي إلى الأردن وسوقه المتعطشة للمنتجات السورية الرخيصة، وحققت الحركة التجارية مؤشرات جيدة للاقتصاد الأردني، علماً بأن أي إضرار بالعلاقات التجارية السورية الأردنية بسبب العقوبات، سوف يؤثر سلباً في الاقتصاد الأردني مثلما يؤثر في الاقتصاد السوري، ومن جانب آخر، ساهمت دول الخليج العربي التي تسبح على بحر من النفط في التحريض على تشديد العقوبات الاقتصادية على الشعب السوري بهدف كسر قدرته على الصمود، متناسية أن كل من يشارك في هذه الإجراءات حتى بمجرد الموقف السلبي يعدّ مساهماً في معاناة السوريين.
ومن الواضح أننا نقف اليوم أمام لحظة حرجة في التاريخ، وتحدٍ صارخ، ويزيد تضييق وصول المشتقات النفطية إلى البلاد من تعقيد هذا التحدي، فخطة العمل المطلوبة ضخمة وتتطلب انتهاج سياسات مركزة ومتعددة القطاعات ووضع خطط عمل تتنوع في مبادراتها وفاعليتها وبرامجها، وتتفاعل مع هذا الحصار الجائر، وتعاوناً بين كل أفراد وفئات ومكونات المجتمع فالحصار الجائر وغير الشرعي المفروض على سورية، يشكل لحظة مفصلية في تاريخ البلاد، وتحدياً يضع كل جهة حكومية أو منظمة شعبية وكل فرد من أفراد المجتمع أمام مسؤولية جسيمة. كذلك من المطلوب بناء شراكات أقوى مع الدول الشقيقة والصديقة المؤيدة لقضايانا الوطنية حيث يمكننا وينبغي علينا، أن نساعد على وضع نظام يمنع حدوث مزيد من الفقر بين طبقات المجتمع السوري، ولاسيما محدودي الدخل، والتصدي للحصار الاقتصادي وكسره وتجاوزه كما تجاوزته وكسرته كثير من شعوب ودول العالم الحرة، من خلال حزمة من الإجراءات يأتي في مقدمتها:
تنمية وتطوير الإنتاج الزراعي المحلي بالاعتماد على الوسائل والبدائل المتاحة محلياً، وزراعة المحاصيل الغذائية التي تكوّن حاجتها لمدخلات الإنتاج المستوردة في حدها الأدنى والبحث عن بديل اقتصادي يستطيع تلبية حاجات البلاد من الموارد الأولية والمعدات والآلات، وكذلك الحد من فاقد الغذاء، وتحسين لوجستيات إدارة ونقل الغذاء، والارتقاء بالتغذية من خلال تبادل المعارف. ولعل منظومة الزراعة ونظام إنتاج الغذاء ينبغي أن يمضيا تصاعدياً نحو تحقيق ثلاثة مكاسب متزامنة:
1- زيادة الإنتاجية الزراعية، 2- زيادة مرونة وصول المزارعين إلى الأسواق وكبح جماح الحلقات الوسيطة، 3- خفض تكاليف الإنتاج وتقليل الفاقد من الإنتاج الزراعي قدر الإمكان لتمكين الطبقة الأشد عوزاً في المجتمع من الحصول على الغذاء بيسر وسهولة.
علماً بأن هذا التوجه يوفر فرص عمل، ويزيد من دخل المزارعين ذوي الحيازات الصغيرة وسكان الريف الذين يشكلون نسبة معنوية من الفقراء، فقد ثبت أن كفاءة النمو الذي يرتكز على الزراعة في تقليص معدلات الفقر تزيد من ضعفين إلى أربعة أضعاف كفاءة النمو الذي يعتمد على قطاعات أخرى. فنظام الغذاء الفعال يمكن أيضاً أن يوفر تغذية أفضل، وأن يصون الموارد الطبيعية في البلاد، بل أن يكون جزءاً من الحل للتصدي للحصار الاقتصادي
– تنمية وتطوير قطاع الصناعات التي تعتمد على المواد الخام المحلية كمدخلات إنتاج بهدف توفير حاجات المجتمع من المنتجات الصناعية وتشجيع مبادرات المخترعين في هذا الإطار ولاسيما في مجال الصناعات الدوائية وتوفير حاجة القطر من الزمر الدوائية محلياً.
– توليد سياسات تيسّر أكثر مما تعسّر لإمداد المواطنين الفقراء بسلع الأسواق المتغيرة، وخلق الوظائف في مجال تصنيع الأغذية، وتحسين حالة الطرق واللوجستيات وتوفير المعلومات عن أسعار السوق، وتحسين طرق معالجة وتخزين الأغذية ما يحد من الخسائر والفاقد.
– رفع وتيرة الإجراءات التدخلية لمؤسسات الدولة المعنية بتسويق المنتجات الزراعية وأسواق البيع متعددة الأغراض، وكذلك توفير مستلزمات عيش المواطن السوري بأسعار مقبولة من خلال جملة من الأعمال يأتي في سياقها تشجيع مبادرات البيع من المنتج إلى المستهلك مباشرة كالمعارض والنشاطات التجارية، ومنح قروض للفعاليات الاقتصادية المعنية بالريف مثل الزراعة الأسرية والصناعات الغذائية الريفية وغيرها التي تقوم بها المرأة الريفية، حيث من الثابت أنه إذا تسنى للمرأة العاملة في الزراعة الحصول على الموارد نفسها التي يحصل عليها الرجال، فستتمكن من زيادة المحاصيل في حقلها بنسبة تصل إلى 30 في المئة، ومن إنتاج المزيد من الطعام للمزيد من المواطنين.
– تعزيز القيمة في سلاسل الغذاء وتحسين فرص الوصول إلى الأسواق، حيث إن المزارعين الفقراء في حاجة إلى تحسين ربطهم بالأسواق لكي يستفيدوا من ميزة الطلب المتنامي على الغذاء والمنتجات الزراعية.
– تعزيز القيم الاجتماعية المبنية على التعاون والتعاضد بين المواطنين ومساعدة الغني للفقير والقوي للضعيف في كل المجالات وتقاسم الموارد بما يلبي حاجة كل المواطنين ومنع التجاوزات وحالات الفساد والتعاون مع أجهزة الدولة المعنية في هذا المجال، فجميعنا واحد ولا فرق بين مواطن وآخر.
– قيام وسائل الإعلام بدور توعوي عن آثار الحصار الاقتصادي على كل مناحي الحياة وانعكاساته على مكونات المجتمع وآليات التكيف مع نتائج هذا الحصار، والتصدي للأخبار الملفقة التي تبثها وسائل الدعاية المعادية بهدف خلق نوع من الهلع بين صفوف المواطنين.
– عقد ندوات ومؤتمرات جماهيرية تهدف إلى توعية المواطنين وإرشادهم إلى الطرق والوسائل الأفضل للتصدي لآثار الحصار الاقتصادي وعرض تجارب الدول والشعوب التي نجحت في تجاوز آثار الحصار الاقتصادي عليها، فعلى سبيل المثال استطاع الاتحاد السوفييتي الالتفاف حول الحصار الذي فرضته عليه الدول الغربية في خمسينيات القرن الماضي من خلال توجهه إلى دول الشرق الأوسط.
– تشكيل خلايا أزمة في كل قطاع إنتاجي وخدمي تهدف إلى خلق حلول لتداعيات الحصار الاقتصادي على القطاع المعني، وترتبط تلك الخلايا بخلايا أكبر على مستوى الوزارات والمؤسسات الحكومية والمنظمات الشعبية ذات العلاقة.

سيرياهوم نيوز/5-تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أســـواق عيـــد الأضـــحى .. غلاء الألبسة.. وتحليق لأسعار الأضاحي

6 آب 2019 بثينة منى تعد طقوس عيد الأضحى من أجمل طقوس الأعياد وأروعها، فأمام عظمته وروحانيته يحتفل الكثير من المواطنين فيه بتقديم الأضاحي، ولكن ...