آخر الأخبار
الرئيسية » الأدب و الفن » هل تراجعت الرواية السورية عالمياً ومحلياً وشكلاً ومضموناً؟

هل تراجعت الرواية السورية عالمياً ومحلياً وشكلاً ومضموناً؟

13-05-2019 

نجوى صليبه:

يختلف باحثون في تحديد العام الذي بدأت فيه الرّواية السّورية بشق طريقها وظهورها، ويقال: إنّ سورية شهدت في الفترة الممتدة ما بين 1865-1918 بعض الأسماء اللامعة من الكتّاب والمؤلفين، وينسب باحثون آخرون إلى الطبيب الحلبي فرنسيس مراش (1836-1873) إصدار أوّل رواية عربية طويلة بعنوان:«غابة الحق في تفصيل الأخلاق الفاضلة وأضدادها» وذلك عام 1865، وهي رواية تهدف إلى بناء الأخلاق والتعليم، وسنعرض في مقالتنا لحال الرواية السورية اليوم وموقعها عالمياً، وسنقف عند جنوح عدد كبير من الأدباء الشباب إلى الشعر والقليل منهم إلى القصة القصيرة، بينما نجد قلة قليلة تذهب نحو كتابة الرّواية، ما السبب في ذلك؟ وما هي الشروط التي تتطلبها الرواية ولا تمكن المجادلة بها؟

يجيب الروائي محمد الحفري: دعيني أعترض على كلمة قلة قليلة لاستبدالها بكلمة كثيرة وكثيرة هي الأسماء التي تجرأت وكتبت الرواية، لكنّ عدداً كبيراً منهم لم ينجح لأن من فعلوا ذلك قد استسهلوا الأمر وظنوه هيناً يستطيع كل من هب ودب أن يكتبه، وهذا بالتأكيد ينطبق على الأجناس الأدبية الأخرى، فبعضهم على سبيل المثال يعتقد أن الرواية مجال واسع لفكرهم الأيديولوجي ولمقولاتهم السّياسية أو ربّما لفلسفتهم فقط، وهذا الكلام غير صحيح، وواهم من يعتقد ذلك، ولكوني أحد المتابعين للإصدارات أستطيع أن أعدد أسماء عشرات الروايات التي صدرت العام الماضي أو الذي قبله، ولدي الكثير من الأمثلة، لكن مقابل هذا الإخفاق هناك نجاح أو نجاحات متميزة يشار إليها بكل تقدير… بالنسبة للشطر الثاني من السّؤال أقول: لايوجد شرط إلا وتمكن المجادلة والنقاش به، والعكس ليس صحيحاً، ذلك لأنّ شرط الأدب وقوانينه سهلة وهينة ويمكن اختراقه بسهولة أو هو وضع لنخترقه أصلاً، فهو ليس قانوناً جزائياً ولا جنائياً، وحتى لو كان كذلك يمكن أن نفكر فيه ملياً ونتجاوزه لأنّ الفن قادر بطبيعته على الدوران والمناورة والالتفاف، والكاتب يملك غالباً خططاً يعالج بها مايعترضه من عقبات وصعوبات شأنه في ذلك شأن القائد العسكري الذي يخوض معركة ما، لكن ثمة فوارق بين معركة الورق والحبر ومعركة الأرض والسلاح، أستطيع القول: إنّ الشرط الوحيد لنجاح أي نص والذي تمكن المجادلة فيه والنقاش هو الجمال، وقد تتبعه الرشاقة في العرض وأشياء أخرى، لكنني سأكرر القول لأي إنسان: أعطني نصاً جميلاً وسأشهد على كتابتك.

بدوره، يوضح أمين سر جمعية القصة والرواية- الروائي رياض طبرة: هناك عودة لإحياء المشهد الشّعري بعد غياب وربّما تهميش للشّعر وللشّاعر ولدور الشّعر في حياتنا، ومردّ ذلك قرب الشّعر من عواطف الشّباب وحماستهم، ومن ثمَّ رغبتهم في التّعبير بأقرب الطرق وأسرعها في الوصول، لكن ذلك لم يمنع الكثير من الشباب من كتابة الرواية والفوز بجوائزها الأولى، أحمد ونوس وجائزة حنا مينه دورة 2018، وهناك أسماء شابة أنجزت على الأقل عملاً روائياً يعتد به إياس الخطيب و«حرائق النعنع»، أمّا في القصة فهناك عدد كبير من الشّابات والشّباب الذين يسعون لتظل القصّة القصيرة فناً سورياً يتقدم باستمرار.
لكن هل يتخوّف الشّباب حقاً من كتابة الرّواية؟؟ تجيب الرّوائية عبير القتال: بعد أن سلّمت عملي الأوّل «رحيل باتجاه العودة» للنّشر، دخلت حالة غريبة بين النّدم على أن ما كتبته ليس ما أريد وأنه غير مكتمل وإحساسٍ آخر بات هاجساً يطاردني في الصحو والمنام، شخصية تمسك بروحي وتطالبني بأن أكتبها، لتكون إحدى شخصيات الرواية الأولى، وبدأت أكتب هذا الهاجس، لم يكن آنذاك في بالي نص روائي، إلى أن اتفقت وزميلي عمر جمعة على العمل المشترك فكانت رواية «سنلتقي ذات مساء في يافا» هي البداية، اليوم ومع التّجربة الثّانية كرواية، وفي كتابة واعية تجاه ما أريده لا أقول هو الخوف بقدر ماهو إحساس ربما مبالغ به بالمسؤولية، والتّحدي الآن أكبر أن أكتب نصاً يليق بوجعنا السوري وبـ«ـسيزيف» السوري ونضاله الأبدي لقيامة الوطن، أن أكتب ما يمثلني كسورية، لذلك لا أخفيك أنني متأنية جداً، بل أسير سير السّلحفاة في عملي الجديد.
يدور النقاش في المجالس الأدبية بشأن تراجع في كمِّ الرواية لا نوعها، بينما يذهب البعض الآخر إلى القول بتراجع الكمِّ والنّوع حتى لدى الروائيين الكبار؟ هل هذا يعود إلى الحالة المادية أم المعنوية أم الخوف؟ زعم يدحضه طبرة لانتقاصه الدّليل، والرّواية خلال الحرب الظّالمة شهدت ظهور أعمال روائية يعتد بها، وكثير من الكبار يواظبون على إنجاز ما هو جميل في الرّواية، هزوان الوز، داوود أبو شقرا وسوزان إبراهيم، غانم بوحمود، نصر محسن وغيرهم كثير، قد لا يكون المنتج الإبداعي بحجم الطموحات أو بما يتناسب مع حجم الدّمار والخراب وتداعيات الحرب وما أحدثته، لكن ذلك لا يمنعني من إنصاف التجارب الرّوائية التي اطَّلعت عليها بحكم قراءتي وبحكم موقعي في جمعية القصة والرواية. 
ويختلف الحفري في جزء من هذا الرأي، إذ يقول: قد يكون هناك تراجع في الكم وليس في النّوع لدى بعض الرّوائيين الكبار لأسباب كثيرة منها المادية المتمثلة في تكلفة الطباعة، ومنها المعنوية لعدم وجود التشجيع المناسب لأي مبدع والاحتفاء بنصّه كما يجب قياساً بما يحدث في البلدان الأخرى، فالكاتب والكتابة ليسا في قائمة أولويات الجهات المعنية بذلك، ولذلك يتعامل بعضهم مع الكتابة على أنها شيء زائد وفائض عن الحاجة، والتّراجع قد يعود إلى الخوف الذي يبدأ من مجتمع الكاتب المحيط «العائلة»، ثم يكبر ويتَّسع ليشمل الحي والبلدة وخاصة في زمن الخراب وسنوات الحرب التي شنّت على بلادنا وفقد فيها الأمان، كل الأسباب التي تفضلت بها صحيحة لكن الأهم هو السّبب المادي ذلك لأنّ الكاتب كما غيره يحتاج المال ليعيش في مستوى مقبول مثل غيره على الأقل.
لكن هل حالت هذه الظروف دون وصول الرواية السورية إلى العالمية؟ يجيب الحفري الحاصل على جائزة عالمية وعربية في مجال الرواية وله روايتان مطبوعتان خارج سورية: لنعترف بداية بأنّ الرواية الحالية هي ديوان العصر، وهذا ماتثبته أرقام المبيعات والمعارض أما الذين يقولون عن الرواية السورية إنها لاتحظى بالعالمية، ومع تقديري لهم، فهم قليلو اطلاع على ماحققته الرواية السورية والفن السوري عموماً، ففي كل دول العالم هناك روايات سورية مطبوعة وفي كل جائزة يعلن عنها كل عام هناك نصيب وافر منها للرواية السّورية.
وهذا ما يؤكده الروائي رياض طبرة: لقد حظيت الرواية السورية بكثير من الاحتفاء في العالم، وتستحق العالمية بكل جدارة، لكن ليس لدينا من له مصلحة في العالم الآن ليروج للرواية السورية، حنا مينه، عبد السلام العجيلي، هاني الراهب، وحيدر حيدر كيف وصلوا، نحن بحاجة لمؤسسات عالمية قادرة على نقل الإبداع الروائي إلى العالم.

ولأنّ الأدب ليس حكراً على جنس من دون الآخر، ولأن تصنيف الأدب حسب جنس كاتبه لايعدّ انتقاصاً للأنثى أو لأدبها، كان لابدّ من التعريج قليلاً على الرواية النسوية والوقوف عند ما يشاع عن ضعفها وربما ظلمها، تقول الروائية سوسن رضوان: للأمانة الأدبية التي لا نستطيع إنكارها هناك مايميز هذا الأدب عن أدب الذكور، وربما هذا مايثير حفيظة بعض النقاد إذ إن صوت الأنا يعلو في الأدب النسوي فنرى امتزاج صوت الراوي مع أصوات الشخصيات فيزيد دفق المشاعر على اختلافها وهناك من يعيب على هذا الأدب تضخم الأنا وبخاصة في الرواية، وآخرون يرون أنه ليس من العدل إلغاء صوت الرّاوي على أن يحرص على سماع أصوات شخصيات العمل، الرواية النسوية ليست ضعيفة وليست مهلهلة لكنها لاتزال تجاهد في ساحات المواجهة مع رواية الرجل، ما جعلها في محاولة غير مباشرة لإلغاء صوت الرجل، وهذا ماأدركه النقاد بشكل واضح فالأنثى من وجهة نظرهم على علاقة مواجهة مع الرجل في أعمالها الروائية ما جعل صورة الرواية النسوية مشوهة، ولكي نقف على ناصية الصدق يجب ألا ننكر لغة المشاعر التي تكتب بها الأنثى فهي تجد معيناً واسعاً تفرغ فيه بوحها وهمها وخيباتها بحرّية، فتعيش عالماً ترصف فيه أحلامها وفق ماتتمنى وتسلك دروباً وردية لم تستطع سلوكها في الواقع، وترسم خيباتها بحبر القهر الذي عاشته أو سمعت عنه بلغة شعرية ممتعة وهي تقف وراء جدار سميك من الورق يمنع الرجل من مواجهتها، كثيرات هنَّ اللواتي رصدن هذه الحالات فكوليت خوري عبرت في «أيام معه» عن هموم المرأة العاطفية، وهناك هيفاء بيطار حكت في «يوميات مطلقة» عن تجربة شخصية، من هنا أجد أنّ النقد للأدب النسوي لم يظلم هذا النوع من الآداب بشكل مباشر إذ إن النقد الحقيقي هو الذي يرصد أركان العمل الأدبية والفنية، وأن الأدب النسوي هو أدب يميل بدفته إلى الاجتماعي العاطفي في حين أنّ السياسي والجاد هو من سمات الأدب الذكوري… في رأيي إن الرواية النسوية تحتاج لتثقيف ذاتي أكثر للوقوف على عتبة موازية للأدب الذكوري لنكون أقدر على السير معاً.


إذاً، هناك حاجة أخرى تضاف للحاجات المذكورة سابقاً من الدعم المعنوي والمادي للرواية ألا وهي الحاجة التثقيفية بغض النظر عن جنس كاتبها، لكن هل هذا ما يمنع الرواية النسوية من الوصول إلى العالمية اليوم؟ تجيب عبير القتال: بالتأكيد الرواية التي تكتبها المرأة مهضوم حقها، إن بحثنا عن الدراسات النقدية التي تناولت هذه التجارب نجد أنها قليلة، نذكر على سبيل المثال كتاب «الرواية النسوية في بلاد الشام» لمؤلفته إيمان القاضي وفيه إطلالة على تجارب كاتبات سوريات منذ خمسينيات القرن الماضي حتى الثمانينيات، وكتاب «مئة عام من الرواية النسوية» للدكتورة بثينة شعبان التي أكدت أن المكانة الدونية التي نسبت إلى الكاتبات العربيات بشكل عام والسوريات خاصة ناتجة عن جهل أو تمييز النقاد – وجاءت في ضوء قراءة لتجارب الكاتبات العربيات ومنهن السوريات، باستثناء كتاب «فراشات السرد» للكاتبة رولا حسن ليكون الإصدار الأكثر أهمية اليوم في رأيي لتناوله الرواية النسوية السورية من الخمسينيات وحتى عام 2012، هذا الإهمال ربما مقصود ويشي بتهميش الإبداع الذي تكتبه المرأة ولاسيّما الرواية، فها نحن في الألفية الثالثة وعندما تكتب امرأة تشار أصابع الاتّهام بتبعية النص لها أم لغيرها، إضافة إلى إلصاق السرد بشخصية الكاتبة كتجربة ذاتية لها، أمّا لماذا لا نرى أسماء روائيات سوريات عالميات فهناك أسباب كثيرة إن اتفقنا أولاً على مصطلح العالمية، وفلان كاتب عالمي، تبدأ بالعلاقات ولا تنتهي بالإعلام الذي يرعى بعض التجارب على حساب التجارب الأخرى، فلا يخفى على أحد أنّ صناعة النجوم ليست في الفن فقط، إنّما في الكتابة أيضاً، نضيف إلى ذلك ضعف تسويق المنجز الثقافي على مساحة الوطن العربي أولاً والغرب ثانياً.
مواجهاً لكلّ ماسبق يقف السؤال الأخير: هل تعاني الرواية السورية أزمة قاسية؟ وما هي المعوّقات التي تحول دون تقدّم الرّواية السورية؟ يجيب الروائي رياض طبرة: جاءت المعاناة لدى الروائي من حالة العزوف عن الثقافة وعدم القراءة والأمية الثقافية بالرغم من كل هذا الكم الهائل من المتعلمين، معاناة الروائي خاصة والأديب عامة أن يذهب إلى جامعة دمشق ليعرض ما لديه من نص إبداعي فلا يجد طالباً واحداً يصغي إليه أو يهمه أن يعرف من هو هذا الأديب، باختصار نحن أمة لا تقرأ هذه هي المشكلة والأزمة والقضية.
ولا ينكر الرّوائي محمد الحفري وجود معوقات لكل عمل، لكنه يعارض القائلين بعدم تقدم الرواية السورية، موضحاً: الرواية السورية متقدمة ومتجاوزة لغيرها بكثير، وتقف في الطليعة والمقدمة وهناك نصوص سورية تضاهي كل النصوص العالمية وتنافسها، ومن يقول عنها غير متقدمة طرحاً وشكلاً ومضموناً وبنية فكرية فهو بالتأكيد لم يقرأ الرواية السورية جيداً، ولم يكتشف مكنوناتها وكنوزها الداخلية أو قد يكون من هواة التنظير الذين يعجزون عن كتابة سطر واحد من هذه الروايات، وأنا أتحدى أي واحد منهم أن يكتب عملاً بدائياً كتبه هاوٍ من هواة هذا الفن، ربما أكون منفعلاً في جوابي لكنني أجد لدي ما يكفي من تسويغ لأقول: يكفي تبخيساً بما تنتجه وتخطه الأقلام المبدعة، ويكفيهم أنّهم سلكوا مهنة الجوع والمتاعب.

سيرياهوم نيوز /٥- تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

موسيقا بأنامل سورية في مهرجان عالمي للأزياء بدبي

تألق الشاب السوري أنس الحلبي في مهرجان فيستيفال العالمي للتصميم والأزياء الذي أقيم مؤخرا في دبي بعزفه المنفرد على آلته الغربية “الهاند بان” مضفيا جوا ...