آخر الأخبار
الرئيسية » اقتصاد و صناعة » هدر الطعام ليس مشكلة اقتصادية.. بل أزمة أخلاقية

هدر الطعام ليس مشكلة اقتصادية.. بل أزمة أخلاقية

14-05-2019

د. سعد بساطة:

في ّ شهر الصوم, وهنا طاب الحديث عـن الطعـام، والإسراف فيه، وهدره.
كثيرون، لسوء الحالة المزاجية، وهبوط الروح المعنوية، أو الحزن، والقهر، يبحثون عن لقمة هنا أو هناك تطفئ تلك المشاعـر السلبية وتنسيهم الواقع المرير.
لكن هذه المسوغات نوع من التحايل النفسي للحصول على اللذائذ بحجة الهروب من الألم، فالنفس عندما ترى الأكل في متناولها ستوجد المسوغات المنطقية (وغير المنطقية) لإقناعـك بإلقاء هذا الطعام في بطنك.
لكن الحقيقة، إن أفخر الشوكولاتة البلجيكية، وأفخم المثلجات السويسرية، وأفضل البيتزا الإيطالية، وألذ المعجنات السورية، وأغلى المكسرات الإيرانية.. لن تساعد في تحسين الحالة المزاجية، إلا كما تفعل السيجارة: تخدير مؤقت يجر عليك مستقبلاً ويلات النيكوتين ومشكلاته، فإن كنت بديناً وتبحث عن السعادة فإنك لن تجدها في تلك الأطعمة، بل ابحث عن سعادتك في الرشاقة!
هي حيل نفسية حقاً، فلماذا لا نرى محبطاً أو حزيناً يأكل تفاحة بقشرها أو خساً أو جزراً أو صحناً من الحساء؟
استبق الباحث البريطاني «روبيرت مالثوس» عـصره، وهو المختص بأبحاثه الاقتصادية عـن السكان، وقد لفظ بضع كلمات أواخر القرن الثامن عـشر، أضحت نبوءةً وُصـِفت بالسوداء والمشؤومة، مفادها أنّ تكاثر البشر عـلى كوكبنا سيفوق تزايد الموارد (أهمها الغـذائية)، وهذا الفرق في القيمة بين الاثنتين ستنجم عـنه ثغـرة سنراها في ازدياد الفقر والجوع وما ينتجانه من كوارث!.
في إحدى المدارس، وأثناء وجبة الطعـام، تم تمرير صينية الشطائر على التلاميذ، نبـّهت المدرّسة «خذوا واحدة فقط.. الله يراقبكم»، بعـد قليل أتت صينية مملوءة بقطع الحلوى، همس طفل لزميله «خـُذ كلّ ما ترغـب فيه… مراقبة المولى للشطائر فقط»!‏
نعـود للخبز والقمح، وحسب الإحصاءات الدولية، فإن إنتاج العـالم يقارب 618 مليون طن سنوياً، والاستهلاك 611 مليوناً من الأطنان.. و‏أبرز المنتجين بملايين الأطنان سنوياً – الصين 110- الهند 75- أمريكا 54- روسيا 49.. وأغـلبية الدول بات لا يكفيها إنتاجها فلجأت للاستيراد!
نحن مسرفون ولاسيما في الطعام، وطريقة تناوله قد تفسده وتتعب الصحة لدى كثيرين، ولاسيما في (رمضان الكريم) إذ تتعـب ربة البيت بإعداد الأطباق وبعض الرجال يكتفي بتكشير الأنياب.. وبدل أن يحمد الله يُطلق سيلاً من الانتقادات، خاصة إذا أصابته تُخمة لفرط الازدراد، أو هاجت عليه حموضة في النوم بعد السحور وقد صار (بطنه كُبر بطن الحامل) وبذا يبقى نصف الطعام للـ«مزابل» لأنه لم يعُدْ صالحاً مع الأكل من الطبق الذي تُشرّق فيه الأيـدي وتُغرّب!
سابقاً، لم يخطر في بال نحو 400 ألف شخص من سكان مدينة سراييفو أن الحصار الذي فرضه جيش صرب البوسنة على المدينة سيمتد أربعة أعوام، وظل السكان طوال الحصار في مرمى النيران حتى إن مجرد الوقوف في طابور الخبز كان خطراً على حياتهم، لكن إضافة إلى ذلك، ثمة خطر آخر كان يحدق بهم من الداخل، وهو الجوع، مات المئات من جراء البرد والجوع، وبرغم ذلك فهم ضربوا مثالاً في الصمود، إذ كان بعض السكان يزرعون الخضراوات في الحدائق العامة ويتبادلون مع جيرانهم البذور لزراعة الخضراوات في شرفاتهم.
وذكر نظام التحذير المبكر من المجاعات في الأمم المتحدة أن 85 مليون شخص في 46 دولة سيحتاجون مساعـدات غـذائية طارئة عام 2019، وقدر برنامج الأغذية العـالمي عـدد من يعانون انعـدام الأمن الغذائي بنحو 124 مليون شخص، وزاد عدد الأشخاص الذين يعـيشون على شفا المجاعة بنسبة 80 في المئة منذ عام 2015!
من مفارقات العصر الحديث أن سلاسل إمداد الطعام العالمية والتجارة الدولية سهـّلتا انتقال المحاصيل الزراعية من بلد لآخر بغضون أيام، وأصبحت المتاجر عامرة بالخضراوات والفاكهة المستوردة من أنحاء العالم، حتى في الدول المجاورة لتلك التي تعاني المجاعات.
لكن الدول الغنية أيضاً ليست في منأى عن نقص الغذاء، وقد ينعدم الأمن الغذائي فيها من دون خوض حروب أو كوارث طبيعية، وخير مثال على ذلك فنزويلا، الدولة الغنية بالنفط، إذ أدت الأزمة السياسية التي تفجرت بسبب التضخم الجامح (والحصار الأمريكي القذر) إلى نقص الغذاء والدواء، ما دفع الملايين لمغادرة البلاد، واضطر الكثيرون للعيش على اللحم الفاسد.، كما واجهت اليونان نقصاً غذائياً عقـب أزمة الديون التي دفعت اقتصاد البلاد إلى حافة الانهيار.
عن تأثير الجوع في الشخص، يقول عالم الغـذاء في جامعة ويستمنستر: إن وزن الشخص سينقص على المدى القصير، والجسم يتأقلم مع فقدان الوزن بطرق مدهشة، فعندما يفقد الجسم 20 في المئة من الوزن يستهلك طاقة أقل بنسبة 50 في المئة، ثم تنخفض درجة حرارة الجسم ويشعر المرء بالخمول والإنهاك، وفي النهاية تتوقف أعضاء الجسم واحدا تلو الآخر عدا الدماغ.
ويتوقف بقاء الشخص على قيد الحياة على وزن جسمه ومخزون الدهون فيه، وتكون النساء أكثر قدرة على الصمود من الرجال، لكن عمومـاً، يموت الشخص عندما يصل لنصف الوزن الطبيعي، بعدما يتراوح بين 45 – 61 يوماً من التوقف عن تناول الطعام.
عندما تعلم من الإحصاءات نسبة الناس الذين يعانون نقص التغذية في العالم، وأن متوسط موت البشر، جوعاً، شخص كل ثانية، وفي المقابل عندما تعلم أن (30% – 45%) من ناتج الغذاء العالمي البالغ (4 مليارات طن) من الغذاء ينتهي به المطاف في مكبات القمامة، عندها ستعلم جيداً مدى قذارة هذا العالم، وستدرك تماماً أن مشكلتنا ليست اقتصادية أو غذائية، وإنما «أخلاقـيـــة»..!
ختاماً: سؤالنا الملحّ الآن: ماذا نفعـل عندما ينفد الغذاء؟!

سيرياهوم نيوز/5- تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بدء أعمال ملتقى تجاري اقتصادي في طهران لتعريف الشركات الإيرانية بالفرص الاستثمارية في سورية

2019-11-12 انطلقت اليوم في طهران أعمال ملتقى الفرص التجارية الاقتصادية مع سورية بمقر منظمة تنمية التجارة بالعاصمة الإيرانية. ويهدف الملتقى إلى تعريف شركات القطاع الخاص ...