آخر الأخبار
الرئيسية » الأدب و الفن » بعضها يستحق التكريم وبعضها لا.. وأخرى يتمّ تغييبها.. هل اندثرت القامات الأدبية في القرن الحادي والعشرين؟

بعضها يستحق التكريم وبعضها لا.. وأخرى يتمّ تغييبها.. هل اندثرت القامات الأدبية في القرن الحادي والعشرين؟

08-07-2019 

نجوى صليبه:

تعرّف القامة، لغةً، بأنّها وحدة قياس ومقدارها طول قامة الرّجل واقفاً، وهي المسافة مابين قدم الرجل إلى أعلى هامته، وعليه، وحسب الدكتور عبدالله الشّاهر، فإنّنا عندما نقول: فلان قامة أدبية فهذا منقول من حسن الطول إلى الريادة في الأدب، يضيف الشّاهر: وهو استعارة يسوغها الإنسان في التّعبير، فحين تجتمع في الإنسان سواء كان رجلاً أو امرأة صفات الخلق والعلم والأدب والثقافة والإبداع والتواضع فهو قامة أدبية، إذاً فالقامة الأدبية وحدة قياس ضمن مواصفات محددة يتحلى بها الشخص. ويزخر تاريخنا العربي بقامات أدبية كان لها دورها الفاعل سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وإنسانياً وثقافياً، يوضّح الشاهر: القرن العشرون أنجب قامات أدبية كبيرة أثرت في الأدب العربي والثقافة العربية وكانت لهذه القامات قدرة على تجاوز أزمانهم، والسبب في ذلك أنّ الثّقافة في القرن العشرين ولاسيما في النّصف الأوّل منه، كانت ثقافة أقرب إلى الشّمولية منها إلى التّخصص، فالثّقافة الشمولية تفضي إلى القامة الأدبية، إضافةً إلى أنّ مصدر الثّقافة في القرن الماضي كان الكاتب على عكس القرن الحادي والعشرين الذي تنوّعت مصادر ثقافته بسبب المنجزات العلمية التي أظهرت وسائل عدة ناقلة للثّقافة مع التأكيد على نزق القرن الحالي على خلاف القرن العشرين الذي يمتلك مساحة وافية من الزمن، ويجد الباحث أو الأديب متسعاً من الوقت ليصل إلى مبتغاه وأن يكون قامة أدبية.
إذاً، هل اندثرت القامات الأدبية في القرن الحادي والعشرين؟ يجيب الشاهر: نحن اليوم في زمن اللهاث وثقافة الإنترنت والهواتف الجوّالة ووسائل الاتّصال، إذ تراجع دور الكاتب، فالثقافة أو الأدب أصبحا وجبة جاهزة وبكبسة زر نصل إلى مانريد بعيداً عن البحث والتحري اللذين كان يتحلى بهما الأدباء والقامات في القرن العشرين، وهذا البحث هو الذي أثرى ثقافتهم فأصبحت تراكمية، بينما نحن اليوم على الأغلب مانصف ثقافة القرن الحادي والعشرين بأنها بلا ذاكرة، والسبب هو أن الأجهزة الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحا الذاكرة البديلة، ومع ذلك كله فالحديث يطول في هذا المجال لايزال لدينا الكثير من القامات الأدبية التي نفتخر بها مثل حنا مينة ومحمد الماغوط وعبد الكريم اليافي ونزار قباني ومحمود درويش ومحمد مهدي الجواهري والقائمة تطول في ذلك. لكن السؤال اللافت للانتباه ويحمل في داخله جينات ضياع هذه القامات ولكي نبقي على قامات قائمة وننمي قامات قادمة علينا أن نؤسس لثقافة حقيقية فاعلة ومؤثرة.



أمّا الشاعرة طهران صارم فتتوقف عند كلمة اندثرت، وتصفها بالقاسية، تضيف: وقد يكون فيها ظلم للمرحلة التي نمرفيها، بالتأكيد لم تتصدر السّاحة الأدبية من سنة 2000 حتى الآن أسماء شكلت نقطة تحول أو فارقة في المشهد الثقافي، ولا نزال نتكىء على تجارب الأسماء التي سبقتنا وهذا في حد ذاته مؤلم، لكن مع ازدحام الساحة الأدبية بالأسماء حالياً وتقصير الإعلام والنقاد المتخصصين في الإضاءة على المتميز وتشجيعه وحتى تصويبه، كل هذا خلق حالة من التشويش والفوضى فصار المشهد أقرب إلى الهذيان مع هذا الكم الهائل على حساب النوعية، ومع ذلك أقول إن الوقت لايزال مبكراً للحكم على جميع التجارب الموجودة، ومن دون شك هناك أسماء جديرة وستثبت اختلافها مع الزمن وهذا يحتاج وقتاً قد يطول وقد يقصر لأن أي تجربة كي تأخذ شكلها النهائي يجب أن تعطى الزمان والمكان الكافيين لتتمدد وتتبلور كعلامة فارقة، لا أريد أن أظلم الموجود على الساحة ولكن حتى الآن لا أجد الأسماء التي أحدثت هزة أو خلخلة إيجابية في المشهد الثقافي، أو قد يكون هذا الازدحام منعنا من التعرف عليها.


ويرفض الأديب المصري محمد الدسوقي القول باندثار القامات الأدبية، يوضّح: لا لم تندثر، لكلّ زمن روّاده، والحياة الثقافية برغم ما يعتريها من ضعف وعشوائية أو فوضى خلاقة بتعبير أشقياء هذا الزمن، لكنها لا تعدم أصحاب القيم الكبرى، بل أرى أن في حياتنا قامات حقيقية قبضت على الجمر، ولم تبع وطنها أو قلمها، وأقلاماً لها وجودها، ولكن الظروف التي نعيشها جعلت الرؤية غائمة.
أسماء كثيرة لن نذكر بعضها، ولن نستطيع أن نذكرها جميعاً، لايزال أثرها واضحاً في الحراك الثّقافي العربي بعامة والسّوري بخاصة، ولا تزال راسخة في ذاكرتنا حتى اليوم نكرّمها في تواريخ ميلادها أو تواريخ رحيلها سواء بإقامة النّدوات أو بإعادة طباعة منتوجاتها الأدبية، لكن هل هو تكريم عادل وبالتساوي أم إنّ هناك تغييباً لبعض الشّخصيات؟ تجيب صارم: التّكريم للقامات الأدبية والعلمية مسألة ضرورية وواجب، إذ إنّه يخلق مناخاً إيجابياً ودافعاً للتطور والإبداع، أمّا عن الانتقائية من حيث تكريم البعض وتغييب البعض، نعم هذا يحدث بحكم أنّنا لم نتخلّص بعد من التفكير القبلي والأناني من جهة المصلحة التي تحكمنا والشللية التي تربطنا ببعض الأسماء وأقصد هنا المؤسسات الثقافية التي تقع على عاتقها مسؤولية الرعاية تجاه مبدعينا، نعم يتمّ تغييب أسماء والإضاءة على أسماء بعينها، وينسحب هذا على المهرجانات ومن يدعى إليها من أسماء معينة وعلى الجرائد والصحف وتهليلها لأسماء بعينها.
بدوره، يضيف الدّسوقي: نحن في زمن بخس، والحياة الثقافية ليست بعيدة عن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نحياها، بدليل أنّ بعض الأسماء التي كان يقدرها الناس، ارتكبت جرائم إنسانية في حق نفسها ووطنها، لدرجة أن الناس بدلاً من إيمانها بهؤلاء، شعروا بأنهم الأكثر خيانة، بل الأقدر على تسويغها، ويبدو أن هذا الخلل انعكس على كل شيء في حياتنا، فنجد من يتوسد منصات التكريم – وهو ليس أهلاً لها – وعليه يتم تغييب قامات حقيقية أظن أنّها على قيد القيم والمبادئ والحق والخير والجمال، أوطاننا لا تعدم الشرفاء.
وعلى خلاف الدّسوقي وصارم، يقول الشّاهر: في الواقع أنا لست مطلعاً على المواصفات التي تعتمدها وزارة الثقافة لتكريم القامات الأدبية، لكنني أعرف أن وزارة الثقافة تقوم بهذا الدور بتكريم قامات أدبية رحلت منذ زمن، وقامات أدبية على قيد الحياة، ويجب أن توجد مؤسسات أخرى تشارك وزارة الثقافة في تكريم قامات أدبية من مؤسسات ووزارات أخرى حتى تتسع الدائرة ولا ننسى أي قامة من هذه القامات الأدبية، أنا أعرف أنه تمّ تكريم العديد من القامات وفق خطة معينة لكن تقديم أو تأخير أسماء من هذه القامات قد يحدث وأنا لا أعتقد أنّه يتمّ تكريم قامة على حساب أخرى لكن التسلسل في التكريم من سنة إلى أخرى قد يحصل هذا، أما موضوع التغييب فلا أعتقد ذلك، إذ إن الوزارة لديها خطة سنوية لإقامة ندوات شهرية، وهذه القامات الأدبية وهذه الندوات تجمع في كتاب ضمن سلسلة حيث تم الحديث عن «محمد الماغوط» و«نزار قباني» و«سنية صالح» و«وداد سكاكيني» وكل اسم من هؤلاء صدر كتاب عنه يضم الندوة الكاملة وهو كذلك شكل من أشكال التكريم، الذي أودّ قوله هو أنّ هؤلاء كقامات أدبية هم في الذاكرة وجميل من مؤسساتنا الثقافية أن تقوم بتكريم هذه القامات الأدبية وأن يبقى ذكرهم على مدى الأجيال.

سيرياهوم نيوز/٥- تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جولة في تضاريس الفكر العربي للدكتور أحمد عمران الزاوي (الحضيض )

اعداد؛عبد الله ابراهيم الشيخ زمن قصير انطوى منذ تعرفي على الدكتور احمد عمران الزواي وكنت قبلها مشغولا بعملي الخاص إلا ان تلك الصباحية مازالت في ...