آخر الأخبار
الرئيسية » الأدب و الفن » علينا أن ننظر للشاعر كمطرود من المدينة الفاضلة… الشاعر علاء زريفة: القصيدة استجابة معرفية لحالة عصية على التفسير

علينا أن ننظر للشاعر كمطرود من المدينة الفاضلة… الشاعر علاء زريفة: القصيدة استجابة معرفية لحالة عصية على التفسير

09-07-2019 

بديع صنيج:

يبني الشاعر «علاء زريفة» مشهديته في ديوانه «شوكولا» (صادر عن دار دلمون الجديدة) على فلسفة التجدُّد في الذات، وبها، ومن أجلها، ضمن مداورة شعرية للطبيعة، تُعيد إحياء طائر فينيق اللغة، فلا انزواء وتلاشٍ إلا وتليه عودة وبدءٌ مستمر، فكأن القصيدة قادرة بملء إرادة شاعرها على تشكيل أحرف الزَّمَن، وتصعيد دراماه إلى الحد الأقصى، إذ إن رَمْلَ اللغة ما إن ينتهي من حوجلة الساعة الرملية الأولى، حتى تنقلب، فيبدأ الوقت الهارب في تعزيز ولادات جديدة للصور الشعرية، ومجازات واستعارات «تضع نحل الحكاية في وردة ليلية».

قصائد «زريفة» تتلوى في البحث عن نفسها، وفي مخاتلة هواجسها المريرة، فلا المعرفة تثري شاعرها، ولا بحثُه يريح النفس، إنها دوامة الخلق الشعري بكامل أضدادها، تتحسس الجهات لكن من دون أن تركن إلى بوصلتها الصادقة، هنا يتحوّل التّيه إلى مواربة الوجود: وجود الشاعر ووجود القصيدة في حد ذاتها.
نسأل «علاء» هل تعد الشعر بوصلة وجودك؟، فيجيب: «الشعر إضفاء الحياة على الأثر المتردّد في الروح إبّان الخشوع لإيماءة الخيال، وقد شبّه الشعر بالموسيقا، لأنّهما يترجمان ما يقوله الإحساس، وهو موجود دائماً داخل وعي الشاعر، والقصيدة تُطبخ على نار هادئة في تلك البقعة السوداء من ذات الشاعر، بهذا المعنى يصح القول: إن العلاقة تجاذبية مزدوجة بين الكائن والمكنون الشعري يعززها الشعور، وتحفزها الرغبة في خلق الجديد الأكثر غوصاً في أعماق النفس البشرية المحيرة، وهنا يصح قول ميلان كونديرا «فعل الكتابة يعني للشاعر تحطيم الجدران»، لذلك يكون المتحدث عن الواضح، والجلي، والعلني، وما نؤمن، يبدو لي «شاعراً زائفاً» ولذلك لا أرى في الشعر سوى رحيل شاق نحو هذا الغامض المتخفي الذي أحاول استكشافه وبذلك يكون بوصلتي».
يحاول «زريفة» استكشاف خصوبة اللغة في زمنها المضارع المستمر، يقول: «أخلع جسدي الأول.. أرتدي حاضري»، فالعُقْم مضاد لحيوية الشعر والشعور، ولا فائدة من إخصاب الماضي والاتكاء على جبروته، ولاسيما أن الحاضر جدير بالحب وباستمالة المشاعر وتخصيبها.
وعلى الرغم من أن القصيدة تبحث عن ملاذها في جسد الحبيبة المملوء بالخبايا، والحدس بأشياء قد لا تأتي، لكنها تُكوِّن لغتها الخاصة لدى «علاء» في سبيل تمويه الحالة الشعورية واستبدال الجسد بالمُفرَدة، وكأن القصيدة جسد من نوع آخر، ولا يستوي الشعر من دون النَّبش في أسراره، عن ذلك يقول صاحب «المسيح الصغير»: «الشاعر الذي يحاول أن يفسر ما يكتب يفقد جزءاً مهماً من شعريته، الدهشة ثيمة الوجود الشعري، القصيدة خليته المتشكلة لحظة الوحي والإلهام، ولا تصير جسداً إلا بعد ممارسة حالة من المفارقة والتجاوز للنص بإعادة بعثه جسداً يعي طبيعته ومقولاته التي يريد إيصالها، كما إن مقدرة الشاعر على تعرية نفسه، والتوازن في عزلته، ومخاصمة عالم مبتلى بالنقص، ومريض بعدمية مفرغة، هنا يتشابه الشاعر والمؤرخ في هذا الحفر الواعي، والكشف المحرض عن إحداثيات نفسية وروحية لوجود بدأ يفقد الكثير من رصيده الإنساني، وفق ذلك يجب أن ننظر له كمطرود من المدينة الفاضلة».
الطبيعة تفرض حضورها البهي على لغة الشاعر «زريفة» فهو كما يقول: «كلما تفتحت زهرة عرف سرّاً للشعر»، فالقصيدة إعادة التباس اللغة مع الطبيعة إلى كينونته الأولى، وتوضيب الضوء، ودوزنة تراكيب المفردات لتصبح بهية وغامضة، وتحمل في ثناياها طزاجة اليخضور اللغوي بلا ادعاءات، وإنما بالذوبان ضمن الهاجس الشعري المتوقد دائماً.
كما تنزاح التشابيه في «شوكولا» وتستعير وجوهاً جديدة من أساطير تارة، ومن تواشيح الحياة التي لا يراها سوى الشاعر في سعيه الحالم لبناء القصيدة، واكتشاف قزح الحاضر الخاص بالأسطورة التي يحياها من خلال الحب وحده الذي لا يلبث أن يحيل الملهاة إلى تراجيديا، والديالوج إلى مونولوج، كل ذلك ضمن حواريات مسرحية تُذكي روح المشهد وتؤصِّل خصوصيته الشعرية، يقول الشاعر: «المجاز هو المدماك وحجر الأساس الذي تبزغ منه القصيدة، قد تحرك مفاعيلها الواعية ما يبقى من الوعي، من أفكار ومؤثرات سابقة أسطورية ومعرفية، لكنها يجب أن تنظر أولاً إلى الحاجات، لأن القصيدة استجابة معرفية لحالة غير مفهومة وعصية على التفسير، ممزوجة بشعور مكثف ومتداخل بشدة في الأنا الشعرية.
قد تبدأ القصيدة عندي بكلمة، بلمحة، بمصادفة، لا شيء ثابتاً في حالة القصيدة، ولا أحب تفسير الأمر بأنه يأتي فقط، ولا أحب أن أعكر مائي «لأبدو عميقاً» حسب تعبير نيتشه».
على الشاعر أن يصادق كلماته، وأن يقرأ نفسه جيداً ليكتشف الحكمة، وأن يحتفي بالسؤال عن الفناء كغريم مستمر في غيِّه، ومُمْعِنٌ في تيهه كإنسانٍ مصلوبٍ على رؤاه وندمه، وصراعه المزمن بين العدم والقيامة، وكأن الشاعر ابن الحكمة أو أنه يتقمص حكيماً ما، عن ذلك يقول «زريفة»: «يمكن للشاعر اليوم أن يكون مهرجاً في غابة عابثاً في عالم مقلوب، يمكنه أن يقدم تلك الحكمة المالحة الصارخة من دون أن يكون أفلاطونياً فيحاكي المُحَاكى ويُقدِّم صورةً عن العالم المثالي. وإذا كانت الفلسفة أول خلية في العقل، فالشعر هو خليّة في القلب، تعريف ما ننساه، فكرة التلاشي، فناء الموقف وفناء عاطفته، لكننا لا نتعرّف إلى الفقد حتّى ننزلق في مجراه، لأن ما يُنسى مآله العدم حيث يلقي الكون مهملاته، لكنّنا لا ننسى حين نغرق في الأشياء، إنّها فكرة الغمر، التحسّس الكلّيّ، التشبّع من الملامسة، ما يشعل الحريق في الحواسّ، أيّ فكرة تلك التي تجعل منك تكويناً جديداً؟ السائل الذي يندلق فيك هو الشعر، هنا يتبدّل جلد الإنسان الداخليّ من جرّاء عاطفة تتولّد في عمقه، هل المعنى الذي استند إليه الشعر من اللغة اليونانيّة القديمة، بأن يكون تخليقاً مستمرّاً، هو ما جعل منه، إلى هذا اليوم، الماورائيَّ الذي تبحث عنه الحياة.

سيرياهوم نيوز/5-تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نجمة مسلسل Friends تستعمل تطبيق “الشيخوخة” وتظهر بهذا الشكل!

اشتهرت نجمة مسلسل “Friends” “كورتني كوكس” بحفاظها على شبابها الدائم، على الرغم من بلوغها سن الخمسين. لكن كورتني أعطتنا لمحة عما سيكون عليه شكلها في ...