آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » تدمر… تشع لآلئ خالدة مدى الدهر.. الحاضرة الشاهدة في بنائها وعمارتها.. صورة معجزة للبقاء

تدمر… تشع لآلئ خالدة مدى الدهر.. الحاضرة الشاهدة في بنائها وعمارتها.. صورة معجزة للبقاء

| المهندس علي المبيض

 10-07-2019

يعتبر المخزون الثقافي لأي أمة وسيلتها لتأكيد ذاتها وهويتها وخصوصيتها التي تميزها عن باقي الأمم ووسيلتها في الوقت ذاته للدفاع عن وجودها وكيانها إضافة إلى أنه هو السبيل للتفاهم مع الشعوب الأخرى، والتراث السوري يجعل التواصل في حضارتنا نهجاً ثقافياً يفيض على الكون حضارةً وثقافةً وعلماً وهو بالتأكيد يسهم بإقامة جسور التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل.
كنا قد تحدثنا في المقال السابق عن تدمر مدينة الأحلام الفريدة أعظم مدن الشرق التي وصفها المؤرخ فولني عندما زار تدمر في القرن الثامن عشر وشاهد آثارها الساحرة وزار مسرحها الأثري ومشى في طرقاتها وخشع أمام هيبة الموكب الملكي وهو يتجول في الشارع الطويل قال: يجب أن نعترف أن العصور القديمة لم تترك في بلاد اليونان أو إيطاليا ما تمتاز به آثار تدمر من روعة وعظمة، ومن ناحية ثانية أينما يتجول المرء في تدمر ولغاية اليوم فإنه يلمس شخصية زنوبيا تتجلى على قوس النصر والشارع الطويل والمسرح والآغورا وقاعة الاحتفالات ومجلس الشيوخ والتترابيل والكنائس والمعسكرات والدور اليونانية والمدافن بأنواعها المختلفة.. وكافة مبانيها الأثرية ومعالمها التاريخية.
في تدمر يتجلى التاريخ في مراحل شتى، فهي تروي مرحلة العصر الحجري الحديث أي منذ الألف السابع قبل الميلاد ومرحلة البرونز القديم أي منذ الألف الثاني قبل الميلاد كما تحكي تاريخ الدولة العربية، وقد ظلت هذه الدولة العربية تحتفظ باستقلالها حتى مرحلة سيطرة الإمبراطورية الرومانية عام 64 قبل الميلاد حيث حافظت تدمر على استقلالها حتى منتصف القرن الأول الميلادي، وسلطنا الضوء على طريق الحرير التجاري الذي عبرته القوافل التجارية وعبره أيضاً علماء وفلاسفة وشعراء وقادة ومغامرون من شتى أنحاء العالم، وبيّنا أهمية مروره في تدمر وأهمية الموقع الإستراتيجي لتدمر التي منحت طريق الحرير بعداً إستراتيجياً.
لم يتفق الباحثون على تاريخ نشوء تدمر، وأقدم ما وجده المؤرخون في هذا الشأن هو الإشارة إلى تدمر التي ذكرت في عدّة مواضع في النصوص القديمة على مرّ التاريخ، فقد ذكرت في مخطوطات آشورية عثر عليها في كانيش الآشورية منذ الألف الثاني قبل الميلاد، كذلك وجدت نصوص أخرى في مملكة ماري يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد كما ورد ذكر تدمر في نصوص إيمار التي تعود للقرن الرابع عشر قبل الميلاد.
تميزت تدمر بأشجار نخيلها الباسقة وبحيرتها الطبيعية الكبيرة ذات المياه المالحة المعروفة بسبخة الموح ونبعها المائي الشهير نبع أفقا وموقعها الجغرافي المهم حيث شكلت هذه العوامل أساساً لنشوء مدينة تدمر التاريخية وشهرتها الكبيرة.
سكن الإنسان القديم تلك المنطقة حيث بُنِيت تدمر كمستوطنة صغيرة بالقُرب من واحة خضراء خصبة غنية بأشجار النخيل في وسط الصحراء في العصر الحجريّ، منحتها اسمها مدينة النخيل (بالميرا) في العهد الروماني والتي بلغت فيه تدمر أوج ازدهارها، وقد ساعد توافر الماء وخصوبة التربة في تزايد القاطنين فيها فاتسعت رقعة المدينة تدريجياً وجعل فيها فرص الحياة والسكن متوافرة من أرض خصبة ومياه ينابيع وموقع إستراتيجي وتجاري مهم ما ساعد على نشوء حضارة إنسانية في المنطقة وغدت تدمر مدينةً تجاريةً مهمةً، ثم نزل العرب مدينة تدمر في الألفيّة الأولى قَبل الميلاد وشكَّلوا أغلبية أهلها وأصبح هناك نوع من التعايش بين الحضارتين وقد استخدم العرب اللغة الآراميّة حيث ظهرت في بعض الكتابات الآراميّة بعض المفردات والمصطلحات العربيّة الأصيلة.
ويتساءل من يزور تدمر اليوم كيف تم بناء تدمر في بادية الشام؟ وكيف أشاد التدمريون أعمدتها الضخمة؟ وما المعدات والتجهيزات الهندسية التي كانت تتوافر لديهم في ذلك الزمن، ومن الطريف أن أبناء المنطقة القدامى يتناقلون بعض الأساطير الشعبية والروايات التاريخية التي تقول إن الجن هم الذين بنوا تدمر، وقد ذكر ذلك الشاعر النابغة الذبياني في إحدى قصائده حين قال:
وخيّس الجن إني قد أذِنت لهم
يبنون تدمر بالصفّاحِ والعمدِ.
ارتبطت تدمر باسم ملكتها زنوبيا أو بت زباي والتي حازت لقب ملكة ملكات الشرق تلك الشخصية المثيرة التي تجسد حالةً فريدةً بين الملكات اللاتي تربعن على عرش الحكم، فهي القائدة العسكرية الشجاعة وهي الأديبة والباحثة التي تركت عدة مؤلفات مهمةً عبّرت عن عمق ثقافتها وسعة اطلاعها، وقد ازدهرت تدمر خلال فترة حكم زنوبيا ووصلَت إلى حالة من الاستقلال عن الحكم الروماني وسعت طوال فترة حكمها لبناء مجد تدمر وتحقيق مشروعها الإستراتيجي بتوسيع وتوحيد مملكتها، فضمت إليها سورية بكاملها ومصر وآسيا الصغرى حتى أصبحت تمتد من البوسفور إلى النيل وأسّست جيشاً قوياً قادته بنفسها، وأصبحت تدمر من أقوى الممالك وأهمها في الشرق على الإطلاق، وصكت زنوبيا العملة الخاصة فيها وطبعت عليها صورة ابنها وهب اللات على الوجه الأول للعملة وعلى الوجه الثاني صورة الإمبراطور الروماني.
لكن طموحاتها وحجم انتصاراتها أقلقت إمبراطور روما أورليان فدخل مع زنوبيا بمفاوضات كي توقف معاركها التي بدأتها من تدمر لتحرير سورية ومصر من الرومان وسعيها لتوحيدها تحت راية واحدة وضمها إلى مملكة مستقلة وتنصيب ابنها وهب اللات ملكاً عليها، لكن سرعان ما حاصر إمبراطور روما تدمر على رأس جيش كبير وهاجمها بقسوة مما يعكس مدى خوفه من قوتها وانتصاراتها، ودافع التدمريون بقيادة زنوبيا عن تدمر بضراوة فعمد جيش روما إلى تدمير المدينة ومحو كل أثر يشير إلى زنوبيا وقام بتحطيم كل تماثيلها وجمع كل النقود التي أصدرتها وتشير إليها وأخذ ملكتها أسيرةً إلى روما، وقد يكون هذا سبباً في أننا لا نجد اليوم أي تمثال لزنوبيا ولم يصل إلينا من النقود التي صدرت في تلك الفترة سوى نقدين وحيدين اكتشفا مصادفة في أنطاكية يحمل كل منهما صورة جانبية لرأس الملكة، كتب حول الصورة كلمتان (زنوبيا ملكة) باللغة اليونانية القديمة، لكن حياة زنوبيا لم تنته بموتها فتحولت سيرتها إلى ملحمة بطولية مجيدة، علماً أن الباحثين لم يتفقوا على رواية واحدة لنهايتها بل هناك من يقول إنها انتحرت وقيل إنه قد دسّ لها السم في طعامها، ومهما تعددت روايات نهاية زنوبيا إلا أن الكل يجمع على أن زنوبيا أصبحت رمزاً من رموز البطولة والشموخ والتحرر في التاريخ السوري العريق، وأصبحت زنوبيا أيقونة تلهم الفنانين والمبدعين سواء كان المجال الإبداعي في الرواية أم المسرح والنحت والرسم والسينما والموسيقا.
ننتقل للحديث عن قلعة تدمر أو قلعة فخر الدين المعني أو قلعة ابن معن وهي عدة تسميات لتلك القلعة التي تقع في الشمال الغربي من مدينة تدمر وتتربع شامخةً فوق هضبة عالية ترتفع 150 م عن الأرض التي تحيط بها وتعتبر من أبرز معالم وآثار مدينة تدمر التاريخية وهي تنتصب على قمة جبل شاهق منيع شديد الانحدار من جوانبه كافةً وهو من أكبر وأعلى جبال تدمر، وبسبب موقع القلعة المرتفع فإنها تشرف على مدينة تدمر وواحتها وعلى البادية حول تدمر حيث تتمكن حامية القلعة من رؤية أي قافلة أو جيش يقترب من المدينة لمسافات شاسعة وبكل الاتجاهات لذلك فقد حرص التدمريون على بقائها تحت سيطرتهم حمايةً للمدينة.
ينسبها بعض الباحثين إلى فخر الدين المعني المتوفى عام 1635 م والذي حكم جبل لبنان وأجزاء من سورية في بداية القرن السابع عشر الميلادي وهي أشبه ما تكون بقصر محصن وربما تكون أقدم من عهد فخر الدين المعني، إذ يرجع بعض الباحثين أصول القلعة إلى فترة الحروب الصليبية حيث اجتهد الأيوبيون في تحصين المواقع الإستراتيجية بوسائل متعددة للدفاع عنها، وجاء بناء القلعة كأول بناء عسكري متكامل وقوي في تدمر وتعتبر من القلاع المحصنة بشكل كبير، وقد ساهم موقعها الإستراتيجي المرتفع في منعتها وزاد عليها التدمريون من خلال خبراتهم العسكرية التراكمية في تحصينها، إذ قاموا بحفر خندق وعلى كامل محيط القلعة بعرض 12م وعمق 12م وتم استخدام حجارة الخندق في بناء القلعة نفسها، وكانت حامية القلعة تملأ الخندق بالماء عندما تتعرض القلعة لهجوم فيشكل عائقاً إضافياً لمنع المهاجمين من اقتحامها ما يزيد في منعتها، وكان المدخل الوحيد للقلعة يتم عن طريق جسر متحرك يقع فوق الخندق أمام المدخل الرئيسي، وعندما تتعرض القلعة لأي خطر فكان يتم سحب هذا الجسر فتصبح القلعة معزولة تماماً عن محيطها، يحيط بها خندق عريض مملوء بالماء كما ساهم ارتفاع أسوارها وبنائها في زيادة مدى إشرافها ومراقبتها لما يدور من وقائع وأحداث في المدينة ومحيطها وقد تم إشادتها من الحجارة الكلسية وتضم سوراً مدعماً بأبراج وقاعات وآبار مياه.
الطبيعة السورية جميلة بكل قلاعها وأنهارها وجبالها ووديانها وبمثل هذه القلاع تتجسد الحضارة السورية والتاريخ يتجسد بالحب والأمل والتضحية والفداء لأجل بلد جميل يستحق الجمال ويسكنه النور والمحبة والسلام

تدمر… تشع لآلئ خالدة مدى الدهر.. الحاضرة الشاهدة في بنائها وعمارتها.. صورة معجزة للبقاء

| المهندس علي المبيض

 10-07-2019

يعتبر المخزون الثقافي لأي أمة وسيلتها لتأكيد ذاتها وهويتها وخصوصيتها التي تميزها عن باقي الأمم ووسيلتها في الوقت ذاته للدفاع عن وجودها وكيانها إضافة إلى أنه هو السبيل للتفاهم مع الشعوب الأخرى، والتراث السوري يجعل التواصل في حضارتنا نهجاً ثقافياً يفيض على الكون حضارةً وثقافةً وعلماً وهو بالتأكيد يسهم بإقامة جسور التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل.
كنا قد تحدثنا في المقال السابق عن تدمر مدينة الأحلام الفريدة أعظم مدن الشرق التي وصفها المؤرخ فولني عندما زار تدمر في القرن الثامن عشر وشاهد آثارها الساحرة وزار مسرحها الأثري ومشى في طرقاتها وخشع أمام هيبة الموكب الملكي وهو يتجول في الشارع الطويل قال: يجب أن نعترف أن العصور القديمة لم تترك في بلاد اليونان أو إيطاليا ما تمتاز به آثار تدمر من روعة وعظمة، ومن ناحية ثانية أينما يتجول المرء في تدمر ولغاية اليوم فإنه يلمس شخصية زنوبيا تتجلى على قوس النصر والشارع الطويل والمسرح والآغورا وقاعة الاحتفالات ومجلس الشيوخ والتترابيل والكنائس والمعسكرات والدور اليونانية والمدافن بأنواعها المختلفة.. وكافة مبانيها الأثرية ومعالمها التاريخية.
في تدمر يتجلى التاريخ في مراحل شتى، فهي تروي مرحلة العصر الحجري الحديث أي منذ الألف السابع قبل الميلاد ومرحلة البرونز القديم أي منذ الألف الثاني قبل الميلاد كما تحكي تاريخ الدولة العربية، وقد ظلت هذه الدولة العربية تحتفظ باستقلالها حتى مرحلة سيطرة الإمبراطورية الرومانية عام 64 قبل الميلاد حيث حافظت تدمر على استقلالها حتى منتصف القرن الأول الميلادي، وسلطنا الضوء على طريق الحرير التجاري الذي عبرته القوافل التجارية وعبره أيضاً علماء وفلاسفة وشعراء وقادة ومغامرون من شتى أنحاء العالم، وبيّنا أهمية مروره في تدمر وأهمية الموقع الإستراتيجي لتدمر التي منحت طريق الحرير بعداً إستراتيجياً.
لم يتفق الباحثون على تاريخ نشوء تدمر، وأقدم ما وجده المؤرخون في هذا الشأن هو الإشارة إلى تدمر التي ذكرت في عدّة مواضع في النصوص القديمة على مرّ التاريخ، فقد ذكرت في مخطوطات آشورية عثر عليها في كانيش الآشورية منذ الألف الثاني قبل الميلاد، كذلك وجدت نصوص أخرى في مملكة ماري يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد كما ورد ذكر تدمر في نصوص إيمار التي تعود للقرن الرابع عشر قبل الميلاد.
تميزت تدمر بأشجار نخيلها الباسقة وبحيرتها الطبيعية الكبيرة ذات المياه المالحة المعروفة بسبخة الموح ونبعها المائي الشهير نبع أفقا وموقعها الجغرافي المهم حيث شكلت هذه العوامل أساساً لنشوء مدينة تدمر التاريخية وشهرتها الكبيرة.
سكن الإنسان القديم تلك المنطقة حيث بُنِيت تدمر كمستوطنة صغيرة بالقُرب من واحة خضراء خصبة غنية بأشجار النخيل في وسط الصحراء في العصر الحجريّ، منحتها اسمها مدينة النخيل (بالميرا) في العهد الروماني والتي بلغت فيه تدمر أوج ازدهارها، وقد ساعد توافر الماء وخصوبة التربة في تزايد القاطنين فيها فاتسعت رقعة المدينة تدريجياً وجعل فيها فرص الحياة والسكن متوافرة من أرض خصبة ومياه ينابيع وموقع إستراتيجي وتجاري مهم ما ساعد على نشوء حضارة إنسانية في المنطقة وغدت تدمر مدينةً تجاريةً مهمةً، ثم نزل العرب مدينة تدمر في الألفيّة الأولى قَبل الميلاد وشكَّلوا أغلبية أهلها وأصبح هناك نوع من التعايش بين الحضارتين وقد استخدم العرب اللغة الآراميّة حيث ظهرت في بعض الكتابات الآراميّة بعض المفردات والمصطلحات العربيّة الأصيلة.
ويتساءل من يزور تدمر اليوم كيف تم بناء تدمر في بادية الشام؟ وكيف أشاد التدمريون أعمدتها الضخمة؟ وما المعدات والتجهيزات الهندسية التي كانت تتوافر لديهم في ذلك الزمن، ومن الطريف أن أبناء المنطقة القدامى يتناقلون بعض الأساطير الشعبية والروايات التاريخية التي تقول إن الجن هم الذين بنوا تدمر، وقد ذكر ذلك الشاعر النابغة الذبياني في إحدى قصائده حين قال:
وخيّس الجن إني قد أذِنت لهم
يبنون تدمر بالصفّاحِ والعمدِ.
ارتبطت تدمر باسم ملكتها زنوبيا أو بت زباي والتي حازت لقب ملكة ملكات الشرق تلك الشخصية المثيرة التي تجسد حالةً فريدةً بين الملكات اللاتي تربعن على عرش الحكم، فهي القائدة العسكرية الشجاعة وهي الأديبة والباحثة التي تركت عدة مؤلفات مهمةً عبّرت عن عمق ثقافتها وسعة اطلاعها، وقد ازدهرت تدمر خلال فترة حكم زنوبيا ووصلَت إلى حالة من الاستقلال عن الحكم الروماني وسعت طوال فترة حكمها لبناء مجد تدمر وتحقيق مشروعها الإستراتيجي بتوسيع وتوحيد مملكتها، فضمت إليها سورية بكاملها ومصر وآسيا الصغرى حتى أصبحت تمتد من البوسفور إلى النيل وأسّست جيشاً قوياً قادته بنفسها، وأصبحت تدمر من أقوى الممالك وأهمها في الشرق على الإطلاق، وصكت زنوبيا العملة الخاصة فيها وطبعت عليها صورة ابنها وهب اللات على الوجه الأول للعملة وعلى الوجه الثاني صورة الإمبراطور الروماني.
لكن طموحاتها وحجم انتصاراتها أقلقت إمبراطور روما أورليان فدخل مع زنوبيا بمفاوضات كي توقف معاركها التي بدأتها من تدمر لتحرير سورية ومصر من الرومان وسعيها لتوحيدها تحت راية واحدة وضمها إلى مملكة مستقلة وتنصيب ابنها وهب اللات ملكاً عليها، لكن سرعان ما حاصر إمبراطور روما تدمر على رأس جيش كبير وهاجمها بقسوة مما يعكس مدى خوفه من قوتها وانتصاراتها، ودافع التدمريون بقيادة زنوبيا عن تدمر بضراوة فعمد جيش روما إلى تدمير المدينة ومحو كل أثر يشير إلى زنوبيا وقام بتحطيم كل تماثيلها وجمع كل النقود التي أصدرتها وتشير إليها وأخذ ملكتها أسيرةً إلى روما، وقد يكون هذا سبباً في أننا لا نجد اليوم أي تمثال لزنوبيا ولم يصل إلينا من النقود التي صدرت في تلك الفترة سوى نقدين وحيدين اكتشفا مصادفة في أنطاكية يحمل كل منهما صورة جانبية لرأس الملكة، كتب حول الصورة كلمتان (زنوبيا ملكة) باللغة اليونانية القديمة، لكن حياة زنوبيا لم تنته بموتها فتحولت سيرتها إلى ملحمة بطولية مجيدة، علماً أن الباحثين لم يتفقوا على رواية واحدة لنهايتها بل هناك من يقول إنها انتحرت وقيل إنه قد دسّ لها السم في طعامها، ومهما تعددت روايات نهاية زنوبيا إلا أن الكل يجمع على أن زنوبيا أصبحت رمزاً من رموز البطولة والشموخ والتحرر في التاريخ السوري العريق، وأصبحت زنوبيا أيقونة تلهم الفنانين والمبدعين سواء كان المجال الإبداعي في الرواية أم المسرح والنحت والرسم والسينما والموسيقا.
ننتقل للحديث عن قلعة تدمر أو قلعة فخر الدين المعني أو قلعة ابن معن وهي عدة تسميات لتلك القلعة التي تقع في الشمال الغربي من مدينة تدمر وتتربع شامخةً فوق هضبة عالية ترتفع 150 م عن الأرض التي تحيط بها وتعتبر من أبرز معالم وآثار مدينة تدمر التاريخية وهي تنتصب على قمة جبل شاهق منيع شديد الانحدار من جوانبه كافةً وهو من أكبر وأعلى جبال تدمر، وبسبب موقع القلعة المرتفع فإنها تشرف على مدينة تدمر وواحتها وعلى البادية حول تدمر حيث تتمكن حامية القلعة من رؤية أي قافلة أو جيش يقترب من المدينة لمسافات شاسعة وبكل الاتجاهات لذلك فقد حرص التدمريون على بقائها تحت سيطرتهم حمايةً للمدينة.
ينسبها بعض الباحثين إلى فخر الدين المعني المتوفى عام 1635 م والذي حكم جبل لبنان وأجزاء من سورية في بداية القرن السابع عشر الميلادي وهي أشبه ما تكون بقصر محصن وربما تكون أقدم من عهد فخر الدين المعني، إذ يرجع بعض الباحثين أصول القلعة إلى فترة الحروب الصليبية حيث اجتهد الأيوبيون في تحصين المواقع الإستراتيجية بوسائل متعددة للدفاع عنها، وجاء بناء القلعة كأول بناء عسكري متكامل وقوي في تدمر وتعتبر من القلاع المحصنة بشكل كبير، وقد ساهم موقعها الإستراتيجي المرتفع في منعتها وزاد عليها التدمريون من خلال خبراتهم العسكرية التراكمية في تحصينها، إذ قاموا بحفر خندق وعلى كامل محيط القلعة بعرض 12م وعمق 12م وتم استخدام حجارة الخندق في بناء القلعة نفسها، وكانت حامية القلعة تملأ الخندق بالماء عندما تتعرض القلعة لهجوم فيشكل عائقاً إضافياً لمنع المهاجمين من اقتحامها ما يزيد في منعتها، وكان المدخل الوحيد للقلعة يتم عن طريق جسر متحرك يقع فوق الخندق أمام المدخل الرئيسي، وعندما تتعرض القلعة لأي خطر فكان يتم سحب هذا الجسر فتصبح القلعة معزولة تماماً عن محيطها، يحيط بها خندق عريض مملوء بالماء كما ساهم ارتفاع أسوارها وبنائها في زيادة مدى إشرافها ومراقبتها لما يدور من وقائع وأحداث في المدينة ومحيطها وقد تم إشادتها من الحجارة الكلسية وتضم سوراً مدعماً بأبراج وقاعات وآبار مياه.
الطبيعة السورية جميلة بكل قلاعها وأنهارها وجبالها ووديانها وبمثل هذه القلاع تتجسد الحضارة السورية والتاريخ يتجسد بالحب والأمل والتضحية والفداء لأجل بلد جميل يستحق الجمال ويسكنه النور والمحبة والسلام

(سيرياهوم نيوز-الوطن)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تل «السويحات» يحفظ في باطنه مدينة «بورمان» التاريخية

14-10-2019 يتربع تل السويحات، على الضفة اليسرى من بحيرة الأسد على الخط الإداري بين محافظتي حلب والرقة ناحية صرين، ويبعد عن مدينة الرقة نحو 95 ...