الرئيسية » كلمة حرة » أضغاث ألحان..

أضغاث ألحان..

20-07-2019 

وليد معماري:

فقدت السمع في أذني اليمنى قبل ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن، نتيجة حادث سيارة لا ذنب لي فيه.. وهذا لم يكن مشكلة معوقة في حياتي.. حتى إن كبيرة الأطباء في أحد مشافي موسكو قالت لي وهي تودعني: لا تخجل من علتك.. وعليك التأقلم معها بأن تعلن عنها لمن تتحدث معهم.. وابحثْ دائماً عن الإيجابي فيها، وليس السلبي..
وهذا ما اتبعته.. فمن الإيجابيات، على سبيل المثال، حين تحمِّلُني زوجتي قائمة مشتريات من السوق، أعود بنصف المواد التي طلبتها، وأخجل من الاعتذار منها، بأن النقود التي كانت في جيبي لم تكفِ إلا لنصف المطلوب، وأتحجج بأني سمعت نصف كلامها التي أذاعته عليّ في أذني اليسرى، ولم أسمع ما قالته في اليمنى.. وهي تدرك، وتستوعب أن السمع لدي يساري ما في جيبي من نقود!..
وأعترفت بلا خجل بأن لدي خللاً في السمع.. وهو علة لم تشوّه لدي الاستماع إلى السيمفونيات العالمية، ولا الغناء العربي النظيف.. ولا أغاني فيروز، وسيد درويش، وعبد الوهاب، وعبد الحليم، ونجاة الصغيرة…. كل ما في الأمر هو مشكلة أغان تبث ليل نهار من إذاعات ال (إف. ام.) بألحان صُنّعت على عجل، وأصوات متواضعة.. مع حشد هائل من موسيقا مرتجلة وهزيلة، تغطي ضعف أصوات بعض المغنين والمغنيات بصخب إيقاعات إلكترونية.. مع حشد هائل من الآلات المتنافرة، والمستنسخة من طبل مسحراتي أيام زمان… ناهيك عن كلام باهت وسطحي ومكرر ومثقل بالآهات والتنهدات..
والأكثر إغاظةً (لي على الأقل) أن بث كل هذا الهرج والمرج يذاع بطريقة (الشوربا).. نصف أغنية من هنا.. وربع أغنية من هناك.. مع إغفال تام لاسم مؤلف كلمات الأغنية، وملحنها، ومغنيها، كأنما كل منها (طاسة حمّام) ضائعة.. ربما من باب السترة.. ويبدو لي (وأنا لا أعمم هنا، لأن التعميم لغة الجهل) أن أغلبية المحطات الـ (إفْميّة) تسعى للتركيز على استقطاب المعلنين التجاريين.. وهذا حقهم لأنه المردود لتغطية التكاليف.. لكن (الغرق) فيه سيكون على حساب المستمعين!.. ومن هنا أنا فخور بعلة نصف السمع عندي… ولله فيما يغنون ويلحنون شؤون…

سيرياهوم نيوز/5- تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وصفات مجانية

15-08-2019  يسرى ديب  كرر الفريق الاقتصادي عبر العقود المتلاحقة مقولة: «ليس بالإمكان أفضل مما كان»، وإنه لا توجد إمكانية لجعل الدخل يغطي تكاليف المعيشة، وإذا ...