آخر الأخبار
الرئيسية » الأدب و الفن » «أدونيس».. يشرِّح «الشعرية العربية».. بـ «الكشـــف عــن النقـــص.. واســـــــتنطاق الصمــــت»

«أدونيس».. يشرِّح «الشعرية العربية».. بـ «الكشـــف عــن النقـــص.. واســـــــتنطاق الصمــــت»

*هفاف ميهوب22-7-2019

في كتاب «الشعرية العربية» الذي يحتوي على محاضراتٍ ألقاها الشاعر «أدونيس» في «الكوليج – دو فرانس-باريس».. في هذا الكتاب الصادر حديثاً عن دار التكوين بدمشق، يقول الشاعر والناقد الفرنسي «إيف بوتفوا» مقدِّماً ومعرِّفاً بالكتاب ومؤلفه الذي برهن على وحدة الإبداع الشعري عبر العصور: « إن قبول شاعر من كبار شعراء اللغة العربية المعاصرة، أن يعرض بلغتنا الملامح الأكثر أهمية في الشعرية التي يرثها، إنما هو شرفٌ لثقافتنا، فهو مثال عن مثقفي العالم العربي والإسلامي، الذين يجدون معنى وقيمة في أن يفصحوا عن أنفسهم عند الحاجة بلغة شاطئٍ آخر، وهو إذ يتجه في نتاجه الخاص نحو المستقبل، يشجعنا لنفكر بأن التبادل القديم يمكن شيئاً فشيئاً، أن يتجاوز التنافر والاختلاف..».
هي مقدمة، بيَّن كاتبها قيمة ومكانة «أدونيس» على المستوى العالمي، وباستدعائه لما تناوله في محاضراته من عرضٍ تشريحي فكري شديد الوضوح، ولوقائعٍ لم يكن الفرنسيون يعرفون عنها إلا القليل، قبل أن يتناول هذا الشاعر تراثهم الشعري الخاص، ومن العصر الوسيط، حتى السوريالي.
إنه ما جعل «بوتفوا» يرى، بأن ما قدمه «أدونيس» قد عمّق صوتا كبيرا بينهم، بل ووطَّن هذا الصوت بشكلٍ كبير، ولاسيما في زمنهم الجديد الذي «يستغويه اكتشاف عمل اللغة» رغم «تنكّره ونسيانه لحقِّ الشعر». جعله يرى أيضاً، بضرورة أن تستجيب بلاده لتأملاتِ شاعرٍ، دعاهم إلى التوسع في دراسة آداب اللغة العربية والتأمل في الشعر «لا كتسلية، ولا كمادة للعلم، بل كتنفس للمجتمع في أجياله المتتابعة. أي حظه.. حظه الحقيقي الوحيد في البقاء».
دعاهم إلى ذلك، فباتوا يتأملون فيما أراده من نصوصه التي كان أولها «الشعرية والشفوية الجاهلية». النص الذي نوّه فيه إلى أنه استخدم عبارة الشفوية ليشير إلى أن «الأصل الشعري العربي في الجاهلية، نشأ شفوياً ضمن ثقافة صوتية-سماعية، ولم يصل إلينا محفوظاً في كتابٍ جاهلي، بل مدوَّناً في الذاكرة عبر الرواية».

نوه إلى ذلك، وإلى أن هذا الصوت «بمثابة النسيم الحي. الكلام وشيئاً آخر يتجاوز الكلام، وفي هذا ما يدل على عمق العلاقة وغناها وتعقّدها بين الصوت والكلام، وبين الشاعر وصوته. الصوت النشيد الذي يتجاوز الجسد إلى فضاء الروح».
تناول كل هذا بدقة بيَّنت ماهية الشفوية الشعرية الجاهلية، وما تلاها من نقدٍ شفوي غربي، ومانتج عنها من معايير وقواعد لاتزال مهيمنة، ليس على الكتابة الشعرية وحدها، وإنما أيضاً على المقاربة الذوقية والفكرية والمعرفية المتصلة بالشعر وقضاياه.
لاشك أنه أراد الإشارة، إلى أن «التنظير للشفوية الجاهلية، عمل قام به العرب في بدايات التفاعل بين الثقافة العربية الإسلامية، والثقافات الأخرى. اليونانية والفارسية والهندية، وهذا التنظير كان يهدف إلى التوكيد على ما للشعر العربي من خصوصية بيانية وموسيقية تميزه عن شعر الأمم الأخرى، وإلى تبيان أهمية صيانة هذه الخصوصية وممارستها في الصناعة الشعرية، تمييزاً للهوية الشعرية العربية، ولهوية الشاعر العربي».
أما عن الصيانة، فرأى بأنها تكون بتأريخ الشعرية العربية، وقضاياها الكامنة في الإعراب، الوزن، السماع.. أيضاً، بـ»وضع قواعد اللغة خوفاً من تسرب اللحن أو التحريف، وبوضع أوزان الشعر لحفظ إيقاعاته وتمييزها عن غيرها، إضافة إلى قواعد الصناعة الشعرية والتذوق والتواصل الشعريين».
ينتهي من هذا البحث، بدعوتنا إلى «قراءة الماضي الشعري بطريقةٍ نقدية شعرية، تكشف عن الغياب والنقص، وتستنطقُ الصمت».
يدعو إلى ذلك، فينتقل وننتقل معه إلى «الشعرية والفضاء القرآني». النص الذي أشار فيه إلى شعراءٍ أخذوا «وبدءا من منتصف القرن الثاني الهجري» يحققون في شعرهم تطبيقاً، مارأته الدراسات القرآنية نظرياً، مشيراً بعدها إلى تجليات الحداثة التي أسس لها النص القرآني، محاولاً إيجازها في مبادئ عامة، جمالية ونقدية أسَّست لحركة الانتقال من الشعرية الشفوية الجاهلية، إلى شعرية الكتابة، ومن هذه المبادئ: «الكتابة دون احتذاء نموذج مسبق».. «الثقافة العميقة الواسعة لكلِّ من الشاعر والناقد».. «النظر إلى كلٍّ من النص الشعري القديم، والنص الشعري المحدث، بمعزل عن السبق الزمني أو التأخر».. «نشوء نظرة جمالية جديدة لا تعتمد الوضوح الشفوي الجاهلي كمعيارٍ للجمال والتأثير، بل تعتبرهُ في النص الغامض المشابه. أي الذي يحمل تأويلات ومعاني مختلفة ومتعددة، والذي تذهب النفس فيه كل مذهب».. أيضاً، «إعطاء الأولوية لحركية الإبداع والتجربة، بحيث يبدو الشعر تجاوزاً للموروث. يبدو، آفاقاً روحانية ولكن «تتلبّس بالأوهام والأفهام، دون الأجسام والأجرام».
ننتقل إلى «الشعرية والفكر» النص الذي حرص على أن يبدأه بتشريح الشعرية والفكر عند العرب، والنقد الشعري العربي، ومن ثمَّ النظام المعرفي القائم على علوم اللغة العربية الإسلامية، نحواً وبلاغةً، فقهاً وكلاماً، وصولاً إلى النظام المعرفي الفلسفي.. بدأ بذلك، مفنِّداً أنواع الكتابات الشعرية التي ختمَ بعدها: «إن كتابة الشعر هي قراءة للعالم وأشيائه، وهذه القراءة في بعض مستوياتها، قراءة لأشياءٍ مشحونة بالكلام والكلام مشحون بالأشياء، وسرّ الشعرية أن تظلّ دائماً كلاماً ضد الكلام، لتتمكن من تسمية العالم وأشيائه بأسماءٍ جديدة. اللغة هنا، لا تبتكر الشيء وحده، وإنما تبتكر ذاتها، والشعر حيث الكلمة تتجاوز نفسها مُنفلتة من حدود حروفها، وحيث الشيء يأخذ صورة جديدة ومعنى آخر، وهذ مايتحقق في التجربة الكتابية والجمالية والمعرفية».
هذا ماانتهى إليه «أدونيس» في هذا النص الذي تلاه، بـ»الشعرية والحداثة» التي رأى بأن من الصعبِ فهمها بشكلٍ صحيح، دون العودة إلى سياقها التاريخي اجتماعياً وثقافياً وسياسياً..
يعود، فنعود وإياه إلى هذا السياق، لينتهي بنا إلى ما تكمن خلاصته في نظريته: «تتأسس الحداثة الشعرية العربية، في بعض جوانبها، على تحرير المكبوت. أي على الرغبة، وكلّ ما يزلزل القيم والمعايير الكابتة ويتخطاها، فإن مقومات الأصالة والجذور والتراث والانبعاث والهوية والخصوصية ومثيلاتها، تتخذ معاني مختلفة ودلالات مختلفة.. جوهر ذلك، أن الحداثة تكون رؤية إبداعية، بالمعنى الشامل أو لا تكون إلا زياً، ومنذ أن يولد الزي يشيخ، غير أن الإبداع لاعمر له. لذلك، ليست كل حداثة إبداعاً، أما الإبداع فهو أبدياً، حديث».

(سيرياهوم نيوز-الثورة)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بعد الصراع بين “بلا هيبة” و”الهيبة”.. المحكمة تصدر قرارها

علم موقع “الفن” من مصادر مقرّبة من شركة ​فالكون فيلمز​، المنتجة لفيلم “​بلا هيبة​”، أن الشركة ربحت مجدداً الدعوى القضائية وتحديدا الإستئناف، التي أقامتها ​شركة ...