آخر الأخبار
الرئيسية » منوعات » حين يصير المرض رحلة من العمر..!!

حين يصير المرض رحلة من العمر..!!

05-08-2019 

وصال سلّوم:

بكل وجدانية تابعت أخبار مرض السيدة الأولى لحظة بلحظة، بخاطر تجاوز سلوكيات مهنتي كصحفية والتي يجب فيها معرفة الشأن العام والخاص في الشارع السوري، ولم يكن أيضاً مجرد مجاملة لعناوين أحفظها وأتباهى في المجالس أنني أعرفها مادامت تخص سيدة الياسمين التي لامسنا همها وتابعنا أخبارها واحتفظنا بصورها في أرشيف حاسبنا الشخصي وموبايلاتنا، وكأنها فرد من عائلتنا الصغيرة.
يوم أمس لم أربط المنبه على الساعة التاسعة والنصف كما العادة وذاكرتي باتت تعاني النسيان المؤقت، فالشوق لمقابلة السيدة أسماء كان يعنيني بشكل خاص، لأستمد منها القوة ولأعرف «الروشتة» الكاملة وبكل خطواتها وأنا المهمومة بفكرة معاناة مرضية تسيطر على «الهو» من عقلي الباطني.
كيف استطاعت الوقوف بكامل قامتها في أروقة المشفى، كيف تابعت أعمالها، وحضور مناسبات أطفالها المدرسية، كيف حافظت على ابتسامتها، وأناقتها مع «الفولار» المورد بزهور وكأنها الغار على رأسها؟؟
أسمعها تخبرنا تفاصيل انتصارها على المرض، وزهوها بتقنيات وكوادر الوطن سورية، وبكل غرور أشعر وكأن الحديث يخص أذني فقط .. لأترك لذاكرتي المتعبة الخوض مع «تتر» المقابلة صوراً لحياتي الشخصية، ألم تقل سيدة الياسمين: إننا عائلة واحدة نتشارك الوجع والهم الواحد؟؟ كيف لا أستطيع معها ومنها استمداد القوة والبوح بتفاصيل شاركت جزءاً منها عياء كل سيدة لفكرة احتمالية الإصابة بسرطان الثدي..
بعناية قدرية باركني الرب بحفظ صحة والديّ لسبع سنوات غربة، أكلت من جسدي الكثير وأفرزت أعراض شوق مرضية كثيرة سببه الحنين لكل ماهو كائن حي في وطني الحبيب (أشخاص أبنية جدران شوارع.. حتى اللافتات الطرقية) وبعد أشهر من عودتي لأرض الوطن كان المرض لوالدي بحصيلة جراحية لقلبه المتعب، لتماثله والدتي بالعياء وتكون طريحة الفراش بعد استئصال ورم خبيث من صدرها.. مع كل غصات الألم التي تملكها قلبي إلا أنني كنت الحامدة الشاكرة أبداً أن مرضهم لم يكن في سني غربتي..
سرطان الثدي الذي انتهك حرمة جسد أمي الطيبة وضعنا في خانة المشتبه به وماكان علينا أنا وأختي إلا الالتزام بالفحوصات الطبية الدورية للكشف المبكر عن السرطان وخاصة أن في عائلتنا حالة وراثية.
بداية عام2011 لا أستطيع نسيان ذاك التاريخ أبداً (سورية الوطن) تشارك عائلتي المرض (تفجيرات، نعوات، أحداث دامية..) تقض مضجع وجداننا وأنا أتحسس صدري الباكي المهموم بأوجاع مضاعفة، إنها أعراض حقيقية لكتلة مرضية، صور سوداء لم أفقه منها شيئاً وطبيبي لم يكن كثير الكلام إلا من جملة مختصرة (تحتاجين عملية إسعافية سريعة)..تقررت لأجلها عمليتي بعد يومين من تاريخه، غصة السرطان احتلت جسدي وبت كالشاردة في شوارع دمشق التي يغطيها الليل بشبه سلام آني.
ياسيدتي أنا لم أستطع الحديث عن مرضي المشبوه لجبن تام أخشى من أن يصل الأمر لوالدتي المنكوبة به، فأقسم ظهرها بابنتها الصبية، ولم أستطع البكاء بين طفليّ اللذين كانا دون سن الإعدادية، لم يكن خوفي أنانياً من فكرة المرض والجرعات الكيماوية إلا أنني كنت أخشى الموت ولم أتم بعد واجباتي كأم وابنة وصديقة وأخت.. كنت وحيدة تماماً إلا من «كبسولات اللوكسوتان» التي وصفها لي طبيبي قبل العملية، طبيبي الذي هاتفني قبل الموعد المحدد لنتيجة الفحوصات المخبرية التي كانت نتيجتها سليمة، غمرني بعاطفة الطبيب الأب والمهني بامتياز، كما الكثير من قامات وطني سورية الطبية.. تجاوزت مرحلة الألم الجسدي والنفسي وكانت آخر زيارة لي لعيادة الطبيب مع «زريعة خضراء» عربون شكر وامتنان.. حيث باعدت ما بيني وبين العيادة مسافة تذكرة رحيل ورسالة صوتية للمجيب الآلي في العيادة تقول: نحن في إجازة حتى السنة الجديدة، هذه الرسالة كانت أواخر الـ 2011 ومرّت رأس السنة ومرت السنين ولم يعد الطبيب من إجازته.
توجعت كثيراً لفكرة خسارة أطبائنا وبكيت كالعادة لفكرة هجرة العقول الاستثنائية.
فكرة انتصارك على المرض سيدتي انتشلتني من فكرة الخوف واكتناز ملفي الطبي بفحوصات وتقارير يجب متابعتها، إلا أن الاستسلام سيطر على عقلي ولم أستطع لثماني سنوات تقبل فكرة مراجعة طبيب وإجراء الفحوصات الدورية، إلا أنني- ومن قامة حضورك- سندت معنوياتي وتقبلت فكرة المراجعة ومراقبة صحتي من دون خوف وكأن السرطان «بعبع» يمكن أن يثنيني عن مزاولة حياتي اليومية. لكن السؤال يحاصرني منذ الليلة قبل الماضية، كيف يمكن لمقابلة تلفزيونية أن تغيّر من قناعاتي وأنا المرأة العنيدة، كيف يمكن لمقابلة أن تلامس الأبهر من قلبي ليضخ كل تلك القوة في ثنايا جسدي؟
لو لم يكن ضيفها شخصاً مؤثراً وقريباً جداً وكأنه يخصني بصلة قربى لامستها من عفوية حضورها وصدق حوارها..
ألف ألف سلامة أتمناها لك، وأنت المنتصرة اليوم على رحلة خاصة من العمر، تقاسمناها معك بكل الودِّ.. دمت بخير.

سيرياهوم نيوز/5-تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الموهبة الشابة قصي علي يشارك في الجزء الثاني من «ببساطة»

17-09-2019 بدأ قصي علي تصوير دوره في الجزء الثاني من مسلسل «ببساطة» إلى جانب نخبة من الفنانين السوريين من بينهم: باسم ياخور وفادي صبيح ونادين ...