آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب و آراء » الحرب الأوراسية قادمة.. لكن بطريقة أخرى

الحرب الأوراسية قادمة.. لكن بطريقة أخرى

08-08-2019 

إدريس هاني:

إنّها ثورة داخل المقاولة، ذلك تماماً ما يقوم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو أوّل مدرك لهشاشة القانون الدّولي، الشيء الذي ما زال دعاة تطبيق القانون يعزّ عليهم إدراكه، فالقانون أكثر صلابة وجدية لكن السياسة أكثر مكراً وهيمنة.
في مسلسل انقلابي قام ترامب بتمزيق الكثير من الاتفاقيات، وفي ظرف وجيز، وبأسلوب لم يعتده النظام الدولي أو حتى أولئك الذين لديهم انتظارات كثيرة من الدولة العظمى، وكان آخر ما قام به ترامب الانسحاب من معاهدة الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى مع موسكو، هل هي عودة للحرب الباردة أم إن ترامب أصلاً أتى إلى الإدارة «لتنظيفها» من كل التزاماتها الدولية؟
إذا لم نفهم عمل المقاولة فلن نفهم شيئاً، هذا يؤكد أنّ هناك شعوراً بالإفلاس، وفي مثل هذه الحالة يجب أن تخفف المقاولة من الكثير من سياساتها ونفقاتها وربما قد تلجأ إلى تسريح العمال وتغيير كل شيء والإبقاء فقط على جهاز المعلومات والتخطيط والرأسمال وإعادة بناء المشروع والتنكر لكل الالتزامات والصفقات.
هذا المسلسل الانقلابي يسير بوتيرة سريعة وغير مكترث للسمعة، لأن الإفلاس واقع والسمعة من الكماليات.
فرضت واشنطن على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إجراءات حظر فردية وعدّته «لا يملك من النفوذ ما يجعلها تفاوضه»، وهذا يؤكد مفارقات عدة مقصودة في سياسة ترامب:
1 – إنها نقيضة حقّاً، إن كان ظريف لا يملك نفوذاً ولا سلطة، فلم «معاقبته»؟!
2 – هل يملك وزير الخارجية في واشنطن نفوذاً وسلطة حقيقية؟ 3 – ما سلطة وزير الخارجية سوى أن ينقل وجهة نظر أصحاب القرار؟
4 – ماذا سينتج من فعل فرض عقوبة من قبل دولة عظمى على وزير خارجية دولة أخرى؟
وهناك أمور أخرى يكشف عنها هذا الفعل غير الواضح، وطبعاً لن نتحدث عن قيمته في ميزان القانون الدولي.
في ظل هذا الوضع لا شيء يبدو واضحاً، بل إنه سلوك سياسي يهدف إلى أن لا يسمح بالوضوح، هناك تحضير لتحولات أخرى داخل فعل الإلهاء، مرحلة انتقالية على المستوى الجيواستراتيجي، فالصين قادمة وهي المزعج الحقيقي حتى وهي لا تكثر الضوضاء. تدرك واشنطن – كما عبّر ترامب- أنّ الصين هي العدو الأول للولايات المتحدة. لم تعلن الصين أنها في حالة حرب ولكنها تطور إمكاناتها ونفوذها الاقتصادي في العالم، وهذا يجعلها المنافس الأكبر للولايات المتحدة، أي العدو بتعبير المقاول ترامب. ومع إن واشنطن فرضت رسوماً جمركيّة على بقيّة الواردات الصينيّة بلغت قيمتها 300 مليار دولار كرد فعل على صفقة الأسلحة الروسية إلى بكين، فإنّ هذا الإجراء لن يوقف العملاق الصيني عن المضي إلى أقصى نقطة.
يدافع ترامب عن الجناح الأساسي في الولايات المتحدة، وعن لوبي شركات السلاح، الطريق الوحيد لمكافحة خطر الإفلاس الاقتصادي، بينما انتعش سوق بيع السلاح الروسي وهذا يتزامن مع شكل آخر من العقوبات ضد روسيا ترجمت في انسحاب واشنطن من معاهدة السلاح النووي مع موسكو. فالعودة إلى سباق التسلح هي شكل من الحرب الاقتصادية التي تخوضها واشنطن ضد موسكو، فسباق التسلح كما وصفه كيسنجر منذ عقود كان مجرد ذهان عسكري الغاية منه استنزاف الميزانية السوفييتية.
وعليه، نحن أمام حرب اقتصادية ستكون أوسع، وستتجلى بقوة في المجال الأوراسي حيث الشرق الأوسط مجرد تقاطع طريق في حرب كبرى ستكون اقتصادية، لكن ستكون عسكرية في كثير من الجيوب والمفاصل داخل المجال الأوراسي. هكذا نفهم الحرب الجارية اليوم في الشرق الأوسط والخليج.. حرب هي مقدمة وامتداد في آن معاً لحروب كبرى تستصعبها واشنطن، ولكنها تجد نفسها مضطرة للكشف عنها، فمحاصرة الصين لا يمكن أن تقع بعيداً عن المجال الأوراسي نفسه، وهذا يعني أن من كان يرى حروب المنطقة بمنظار صغير فاته أن المعركة أكبر، وأنّ انفتاح الجغرافيا أمام التحالفات هو استجابة لهذا التحدّي.. الحرب في الشرق الأوسط والخليج هي امتداد لحرب باردة قائمة تظهر ملامحها حينما تنهار التوازنات في الشرق الأوسط والخليج.. بالنسبة إلى سورية، فإنّها في قلب هذا الصراع وهي المؤشّر على حقيقته، وانتصار سورية وحلفائها في هذه المعركة هو انتصار في مجال جيوبوليتيكي متحرك، ذيله في الشرق الأوسط والخليج، ورأسه في المجال الأوراسي.

سيرياهوم نيوز/٥- تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إحراجات السؤال الأنطولوجي.. نخبة القطيع والمثقّف «الصّردي»

18-09-2019إدريس هاني: مازلنا ندور عن السؤال الوجودي، وما زلنا نقرأ وضعية الفلسفة والعلم والمثقف في ضوء خطورة السؤال، وسنتحدث هنا عن العلم التّعلّمي الذي ينتج ...