آخر الأخبار
الرئيسية » الأدب و الفن » هل تقدّم وسائل الإعلام ثقافة في كيفية قراءة وتلقي الأعمال البصرية؟

هل تقدّم وسائل الإعلام ثقافة في كيفية قراءة وتلقي الأعمال البصرية؟

15-08-2019 

نضال بشارة

انطلاقاً من أن وسائل الإعلام يمكن لها أن تستكمل نواقص المؤسسات التعليمية والثقافية، بحكم ديناميكية عملها، من دون أن تلغي ضرورة تجديدهما لخطابهما ومناهجهما، هل ما تقدمه وسائل الإعلام (المقروءة والمرئية والمسموعة) لمن يتابعها ثقافة في كيفية قراءة وتلقي الأعمال البصرية، ومن ثم مناعة ضد ما هو مملوء بفيروسات القبح والتفاهة وكل ما هو غير أخلاقي، أي ضد التأثير السلبي في المتلقين؟ هذا ما توجّهت به «تشرين» إلى المبدعين: القاص والمحاضر سابقاً في المعهد العالي للفنون المسرحية د. جمال عبود، والفنان التشكيلي محمد بدر حمدان، والممثل والمخرج حسام الشاه، معاً نقرأ إجاباتهم:

شجاعة الاعتراف
يستهل القاصّ د. عبود مساهمته بالقول: « تستطيع وسائل الإعلام أن تقدم ما جاء في سؤالك، إن امتلكت الأدوات المناسبة واستعانت بالمختصين ووضعت لذلك خطة مناسبة وأخلصت في تنفيذها ونأت بنفسها عن المشاركة بتعميم المفاهيم المغلوطة والمصطلحات المراوغة». ويرى أن قراءة الخبر والتلقي البصري تتطلب الوقوف بتأنٍّ كافٍ عند القراءة السياقية وعدم الاكتفاء بالقراءة النسقية. ويعلل ذلك بـ «القراءة السياقية تربط الخبر أو الواقعة بسياق ما يراد للخبر أو الواقعة أن تحيل إليه، وهو ما يلتقطه المهتمون المختصون والمثابرون على تتبع الأحداث بمختلف المراحل الزمنية، ولذا نحتاج هنا للقراءة التاريخية الذكية ثم نقف بعد ذلك عند القراءة النسقية، أي التكوينية، أي دراسة الخبر كواقعة لها حيثياتها ومكوناتها الخاصة ومن ثم نكون جاهزين للتحليل والاستنتاج. غير ذلك نكون تحت سطوة الخبر نفسه وبدلاً من تحليله نقع تحت سيطرته الصادمة لنا ويغدو نقاشنا حوله ليس عقيماً فقط بل ويعمل على الترويج له وتعميمه بالحال التي هو عليها».

ويشير لنقطة مهمة وهي « التلقي البصري يتطلب محررين أكفياء ينفقون وقتاً كافياً في قراءة الصورة ويميزون حقاً بين الصورة الرمز والصورة من حيث هي دلالة ومن حيث هي أيقونة ومن حيث هي قرينة، كل ذلك ونحن نقرأ الصورة ذاتها ونشرح ذلك للقارئ الذي نعرف كلنا أن هذه القراءة جديدة عليه وبعيدة عن اهتمامه المباشر. وأعطيك مثالاً، فأنت أو غيرك، لاشك صادفت من يسألك عن معنى الحروف في لوحة حروفية للمبدع محمد غنوم أو غيره بعدما عجز هذا السائل المهتم عن تجميعها في كلمة لها معنى .. نحن قراء نصوص «على الماشي» وتعودنا على عناوين اعتباطية لا تحيل إلى دلالة وما نراه من صور اعتباطي ومرتجل وغالباً ما يكون بحكم أنه موجود وضغطاً للنفقات لا لزوم لتغييره». خلاصة الكلام بالنسبة للقاص عبود أننا «لم ندخل بعد في ثقافة الصورة بل إن معظم ما يكتب على أنه نقد – وأقصد نقد الدراما التلفزيونية فقط كمثال- يقف عند حدود تلخيص المضمون فقط. ثم ماذا عن الإخراج وهل بتنا قادرين على التمييز بين الإخراج وإدارة المنصة، بين الإخراج وإدارة المشهد؟ الأمر يحتاج شجاعة الاعتراف والجرأة على إفساح المجال للمختصين وإلا فإننا سنظل ندور في فلك الزعيم والدركي والزكرتي وشباب الحارة وسنظل نتابع ميتاتهم المأسوية حتى لا يظل منهم أحد. طبعاً ليس قبل أن يقضوا على كل الفرنساوية ليس في سورية فقط بل في بلاد واق الواق».
تحليل لا تهليل
الفنان حمدان انطلق من مقولة له كتبها ذات يوم ومفادها: «إن المديح ليس نقداً وعدم المديح بمعنى الذم ليس نقداً. وكلاهما يحمل قيمة ثقافية واحدة في مقولة بناء الثقافة التي تساعد على الدخول في حوار مع العمل البصري الذي يتطلب ثقافة بصرية من نوع خاص تندرج تحت مقولة ثقافة العين بمعنى الخبرة في كيفية رؤية الشكل أو المشهد البصري الغني بالإشارات والدلالات التي لابد من أن نعرف كيف نتلقاها كي نستطيع إكمال الحوار الذي هو حوارنا لأن حوار العمل الذي نقرؤه بصرياً يكون مكتملاً بملامحه وفضائه وألوانه». وفي ضوء ما سبق يطرح الفنان حمدان تساؤلاً يضج به الورق وفق توصيفه: ما مدى ثقافة واطلاع من يتصدى لهذه المهمة في وسائل الإعلام التي ذكرت, وما القيمة الإبداعية للأعمال التي يتم الحديث عنها؟. لأن ما نتابعه في أغلب الحوارات والبرامج والمقالات يتسم بلون واحد ولغة عامة تصلح لكل الحالات وأخطر ما في الأمر أنها لغة مديح وتهليل لا معنى لهما، وبهذا وصلنا إلى تسطيح الإبداع وتساوي الفنان صاحب التجربة المميزة مع الهاوي الذي لم تتشكل ملامح تجربته بعد.
يخلص الفنان حمدان للإشارة إلى أننا أمام مقولة: إن النقد هو عملية تحليل وبحث وتفصيل في المادة التي نتناولها ومن ثم نصدر حكم النقد عليها، ولذلك لابد من أن يكون الكادر العامل في إنتاج المادة الإعلامية لديه ثقافة تمكنه من تقديمها للمتلقي في كل الوسائل التي ذكرت. فالاستسهال الذي نراه ساهم في إصابتنا بكل أنواع العمى البصري الذي يقودنا إلى عمى ثقافي لا خلاص منه».
جدلية التغيير
ورأى الفنان حسام الشاه أننا «ما زلنا ومنذ عقود نتوه في فلك تحديد المسؤوليات عن أسباب الاهتزازات المستمرة والتقهقر الدائم لبنيان مجتمعاتنا. وعندما لا نستطيع ردم هذا الثغر (أو نختلف على كيفية سدّه) ننتقل إلى ثغر آخر, تاركين عوامل الحت الخارجية تعري ضعف أسوارنا في مواجهة سرعة رياح التغيير، لنضطر في النهاية لاستخدام أقمشة شعارات رقيقة وبالية نجمّعها ونكتّلها لرأب تلك الثغور في أوقات الأعاصير. وبالمنطق نفسه نتراشق التهم بشأن المسؤول عن كل ذلك القبح في حياتنا, هل هو المؤسسات التعليمية التي يديرها موظفون يبحثون عن كفاف يومهم؟ أم الكمّ المتعاظم من المؤسسات الإعلامية الرسمية وغير الرسمية التي تنفذ سياسات مموليها؟».
ولأننا اليوم في عصر الإعلام المفتوح يقول الفنان حسام: «لم يعد بإمكاننا نكران انهدام السور وتأرجح قدرة المؤسسة التعليمية التربوية على تحصين المجتمع, لذلك لا بد من الانفتاح الإبداعي على أفكار أكثر جاذبية، ومعالجات أقرب للغة التكثيف والإبهار، للوصول بنفس لغة التغيير الخارجي إلى عقول أبنائنا. فمثلاً لا يكفي أن تنقل درساً تفاعلياً للطلاب على منصة عالمية فيها ملايين المغريات البصرية الذكية بنفس شكل تقديم الدرس على شاشات تقليدية. فعندما تجد مقطعاً دعائياً أو عملاً درامياً صنع في الصين أو إسبانيا أو في أي مكان من العالم يصل لملايين من الأشخاص ويحصل في الوقت نفسه على متابعات بالعدد نفسه». ويؤكد الفنان الشاه على جدلية التغيير بالقول «عندما تتغير وسيلة الوصول والتواصل لا بد من أن يتغير شكل الطرح والتقديم وبجرأة استثنائية, ما يعني أنه علينا الاعتراف أولاً أننا لن نستطيع مواجهة هذه الأنواء إلا إن بدأنا من اليوم بوضع سياسات لا تخرجنا عن خريطة الانتشار الإبداعي، كي نتناول ثمارها بعد عشرين سنة أو أكثر, فتجديد المؤسسات الإعلامية الرسمية لشبابها بشكل مستمر لتلامس روح العصر، حاجة أكثر من ضرورية.
ليس أخيراً
يمكن لنا أن نضيف على ما تفضل به الأساتذة عبود وحمدان والشاه، أن الظروف الموضوعية حالياً لا تساعد على توافر العناصر البشرية التي يمكن أن تقوم بتلك المهمات، وهذا ليس تبريراً، بل توصيفاً,ما يعني أن طبيعة العمل الحالي وتعويضاته لا تحفّز على أداء أفضل وأعمق. وبالتالي عدم توافر الصحفي الاختصاصي الذي يتفرغ لتقديم جهده، باختلاف نوع الوسيلة (مقروءة أم مسموعة أم مرئية) التي سيقدم جهده فيها,وما يعني أيضاً ضرورة توفير تلك الظروف الموضوعية للعناصر البشرية أولاً، كما أنه بات ثمة ضرورة لتخصيص برامج لمتابعة الفنون وتوعية المتلقين بكيفية قراءة ما يتابعون، يمكن من خلالها تناول أي عمل بصري، ولأكثر من مرة، تتناول مقوماته الفكرية ومقوماته الفنية المتعددة، برامج تُعنى بكيفية متابعة تلك المقومات، لا نقدها فقط، أي التركيز على دورها في بناء العمل, كما أننا بحاجة لملاحق ثقافية وفنية أو مجلات تخصصية تتناول الإبداعات البصرية عموماً، تصدر أسبوعياً وشهرياً، تقوم بالمهمة ذاتها، إلى جانب نقد وتحليل الأعمال الفنية البصرية عموماً.

سيرياهوم نيوز/٥- تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عن الهيئة العامة السورية للكتاب.. لواء اسكندرون في مجموعة من الكتب.. حكاية الجغرافيا العالقة بأرواح جميع السوريين

17-09-2019علي الرّاعي: يا.. صديقي..أنت في أسطورة التاريخفي التاريخ.. في أنطاكيةعرّج قليلاً على ضيعتنافليست زغردات طفولتي بالنائيةعرّج على العاصي الذي مازال يجري في دمي،و.. يمرُّ قرب ...