آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب و آراء » رسائل إلى الوطن

رسائل إلى الوطن

21-8-2019
أنيسة عبود

كنت سأكتب عنك وحدك

عنك أنت.. الذي سافر ذات غبش تاركا” خلفه الأهل والأحبة والخراف الصغيرة التي كنت تربيها وتعتني بها كي تبيعها في أيلول وتشتري ثياب المدرسة لأخوتك.وعندما جاء أيلول لم يكن هناك خراف ولا زريبة..‏‏

لم يكن سوى الورق الأصفر يعبث بباحة القرية وحول الباحة صور الشهداء الذين سبقوك وتركوا مثلك أهلهم وأحبتهم وأبقارهم وأرزاقهم وجرن (القمحية التي كانت نساء القرية يجتمعن حوله لقشر الحنطة المبلولة بالماء من أجل طبخة (قمحية باللبن أو قمحية باللحم. مع أن اللحم صار من النوادر في القرى المسكونة بحب الوطن والأبناء الراحلين من أجل الوطن.. والوطن ربما نسي أسماءهم.أو غاب عنه أنهم زرعوا أطرافهم في تربته وأنهم رووا حجارته الصماء بدمائهم كي تخضرّ الحقول وتعود شجرة التوت تظلل المصطبة المجاورة (لجرن القمحية) وتجمع رجال القرية للعب (المنقلة) والتحدث عن موسم الزيتون والبرتقال.‏‏

لكن المصطبة فارغة منذ أن غادرت.. وشجرة التوت تقزّمت، لا ظل لها ولا ثمار. أما موسم الزيتون – على كثرة أشجار الزيتون – لا يكفي.. ولهذا ربما يضطر بعض التجار لخلطه واللعب بمواصفاته كي يصير في متناول الجميع.. مع أن الجميع – كما تعرف يا حسن – لا يأكلون زيت الزيتون.. لقد اكتفوا بزيت القطن.أو أي زيت ولو زيت السيارات. لأن زيت الزيتون رفاهية كبيرة، لا تتوفر إلا لأبناء التجار والميسورين والمسؤولين.لكن اعذرني.لا أعرف لماذا أخلط (عباس بدباس) قلت لك كنت سأكتب عنك.. وأحكي كيف التحقت بالجيش السوري.وكيف خطفك أحد جنودك.قال لك (سيدي أحتاج بعض المال) فأعطيته راتبك الذي كان من المفترض أن ترسله إلى والدك المريض الذي يحتاج أدوية لا تتوفر في مشافي الدولة.حيث أكلت الحرب معظم هذه المشافي بعد أن نهبت ودمرت وتحولت إلى ثكنات للمسلحين يمارسون فيها هواية القتل والذبح وسرقة الأعضاء. ألم يسرقوا أعضاء ولدك الصغير أمام عينيك بعد أن خطفوه.؟ ثم سألوك (ولاه. إنت مع مين)؟‏‏

ورددت السؤال (أنا مع مين؟) وحياتك أنا لا أعرف.لكن صراخ ابنك بعد يقظته من البنج ردّ إليك روح الوطن.. قلت أنا مع الوطن.لكن ما هو الوطن؟ كيف نعرف لونه ورائحته وهمسه وعطره ونحن لم يظهر أمامنا ولا مرة سوى من وراء ستار (أنا الوطن دافعوا عني).‏‏

ورحت تدافع عن الوطن.. وهو كومة أشجار وعدة خراف تركتها في القرية.. وزوجة وطفل صغير وأب مقعد وأم تجوب الحقول وهي تعشب الفرح والحزن معاً من أرض الفقر والجوع.. وحين سألوك (أتحب وطنك؟) قلت (أفديه بروحي) وحين صرخ طفلك (قلت افديه بروحي).‏‏

والله يا حسن. الواحد منا لا يعرف كم روحاً يحتاج حتى تفي بكل متطلبات الوطن والأحبة.‏‏

وحين عاد الجندي الذي أعطيته الراتب وقد اشترى الطلقات المناسبة حتى يقتلك من أجل الوطن وعيون الوطن.ولماّ لم تمت أخذك أسيراً من أمام الفرن.. كنت ستشتري الخبز وكنت ستوزعه على الجنود الواقفين في عين الشمس. لكن خبزك لم يصل.لقد داسته أقدام المارة.غير أن المسلحين أطعموك خبزاً.. لقد شبعت خبزاً أزرق يابساً.. وعندما رفضت الطعام أتوا بابنك الصغير.. راح يحبوا أمامك.لم يعرفك.. وعندما ناديته (حسين.. يا حسين.. ) التفت إليك وراح يبكي خائفا” من شعرك الأشعث, وأسنانك (المشلعة) وثيابك القذرة.. وعندما هموّا بقتله، صرخت كذئب جريح فانهالوا عليك تشطيباً بالموس الحادة.. بعد ذلك نسيت.. نسيت اسمك ووطنك واسم قريتك.. ماتت الخراف.. وبقرة أم محمود جفّ حليبها فباعتها لقصّاب المدينة بسعر بخس.. وأمك لم تقطف الزيتون حيث لا يوجد من يقطفه.أما أنت فقد رحلت.أقصد استشهدت.. وزفوك شهيدا” ووضعوا إكليل زهور على قبرك وأطلقوا واحدا وعشرين طلقة وعزفوا موسيقا الوداع.. ولكن لم تنته القصة هنا.. لقد قدموا العلم لوالدك المقعد فلفّ رأسه بالعلم ثم مات شوقا” وجوعا”.‏‏

كان يمكن أن أكتفي بذلك.لولا أن أخاك (علي) عاد جريحا” بلا أطرافه الأربعة.وبلا عكازات أو سند يعينه على اجتياز العمر المرير.‏‏

أنت ارتحت يا حسن. سلام الله عليك.لك قبر وشاهدة.لكن عليّ ما زال على قيد الألم.. نسيه الأصدقاء ونسيه الوطن.. ولم تبرعم أطرافه في حقول الذاكرة ولم يذكره أحد.‏‏

سيرياهوم نيوز/٥- تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الانذار الاخير للأمريكيين: أيامكم في الشرق معدودة .. خذوها من فم الاسد

نارام سرجون كم توقفت أمام الحصون والقلاع وقاعات العروش التي تحولت الى متاحف ومسارح وبعضها تحول الى فنادق وبارات ومقاه .. لتلك الحصون ايام كانت ...