آخر الأخبار
الرئيسية » تحت المجهر » بسام ابو شريف: في 24 آب نتذكر ياسر عرفات القائد الذي رحل وبقي معنا بفكره ونضاله وارثه.. محطات وقصص عاشرتها معه لا يعرفها الا القلة

بسام ابو شريف: في 24 آب نتذكر ياسر عرفات القائد الذي رحل وبقي معنا بفكره ونضاله وارثه.. محطات وقصص عاشرتها معه لا يعرفها الا القلة

بسام ابو شريف

توارى العملاق ياسر عرفات، لكنه باق معنا نحن، وسيبقى مع الأجيال القادمة، وسيسجل التاريخ أن هذا العملاق، قاد الفلسطينيين من وضع مشرذم الى وضع متحد، ليقوم الجميع بقيادته بنفخ الروح مرة اخرى في قضية شعب ظلمه المستعمرون، واعتدى عليه الغزاة .

فقد رسخ ياسر عرفات جذور شجرة الزيتون في الأرض المقدسة، وأعاد لها هويتها الفلسطينية الكنعانية، وعبر المستنقعات وحقول الألغام بقوة شعبه في مسيرة العودة الطويلة .

ياسر عرفات أصبح عملاقا لأن شعبه عملاق أيضا، وأدار بحنكة وذكاء تلك العملية التبادلية بينه وبين شعبه، تلك العملية التي رفعت مكانته كقائد وزعيم عالمي يشار له ( حتى من أعدائه) ورفع هو بقيادته الفذة من مكانة شعبه .

من عدم الاعتراف بحقوقنا، ومحاولة طمس وجودنا ( لا بل أحيانا نفي هذا الوجود كما كان يحلو لجولدا مئير أن تفعل )، نقل ياسر عرفات شعبه المناضل والمرابط الى الاعتراف الدولي الكامل بحق هذا الشعب في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .

رجل شجاع، عندما تتطلب الظروف شجاعة تصل الى حد المغامرة، وحكيم اذا تطلب الأمر حكمة ومرونة حين تشتد العاصفة .

جدلي في تفكيره، ويربط عوامل صنع الوضع السياسي ربطا جدليا، مكنته من قيادة الفلسطينيين عبر المحن وتحت وطأة القصف التدميري، ومحاولة تهشيم مابناه هذا الشعب من مؤسسات الى شاطئ الدولة المستقلة .

عندما التقيته في الكرامة قبل المعركة الأولى بعد هزيمة حزيران، رأيت فيه ذلك الانسان الذي يمتلك نظرة ثاقبة ورؤية بعيدة المدى لمعنى أن يخوض معركة ضد جيش تمكن من الانتصار على جيوش مصر وسورية والاردن في حرب 1967 .

دار نقاش حول ماالعمل أمام الغزو الاسرائيلي المعد للأغوار لتدمير القواعد الفدائية التي أقيمت هناك .

كان واضحا :

يجب أن نلقن العدو درسا ونعطي أشقاءنا مثلا مهما كان الثمن، نحن حفنة قليلة أمام جيش الجبروت لكن كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بدعم من الله تعالى .

ان قرارنا بالمواجهة سيعني الكثير، ليس على الصعيد الفلسطيني بل لكسر طوق الهزيمة الذي أحاط برقاب الجماهير العربية من المحيط الى الخليج .

سوف نحدث التغيير، ونعلم الجميع أن بامكاننا أن نواجه، مهما بلغت قوة العدو العسكرية وهكذا كان .

فقد شاهد المواطن العربي لأول مرة على صفحات الصحف وعبر شاشات التلفزيون الدبابات الاسرائيلية مدمرة وجنودها المقيدون بالسلاسل محترقون .

ونفضت الأمة العربية عن نفسها ترابا ثقيلا من الاحباط والشعور بالذل والضعف، لأنها رأت في نتائج قرار العملاق بارقة أمل جديد .

في انتصار الكرامة انطلق العملاق ليرتفع بشعبه وليرفع مكانة شعبه في العالم .

في العام 1948، قامت العصابات الصهيونية المسلحة بدعم من انجلترا ودول اخرى، بتهجير مئات الآلاف من أهل فلسطين نحو الدول المجاورة، وتجاوزت عن سابق اصرار قرار التقسيم ( تقسيم فلسطين الى دولة لليهود ودولة للفلسطينيين )، الذي اتخذ عام 1947 في الأمم المتحدة، واحتلت كل الأرض الفلسطينية باستثناء قطاع غزة والضفة الغربية .

ومنذ الهزيمة التي أنزلتها اسرائيل بالجيوش العربية، مصر، سورية، الاردن في حزيران من العام 1967، أتيح للفلسطينيين ولأول مرة منذ العام 1948، أن يمسكوا بأيديهم زمام قضيتهم وتم تحويل مركز القرار الفلسطيني الى الفلسطينيين .

ومنذ حزيران 1967 بدأ اسم ياسر عرفات بالبروز تدريجيا حتى أصبح القائد والرمز .

ففي العام 1967 برز في الاجتماعات التي عقدت في دمشق لانشاء جبهة فلسطينية موحدة تخوض الكفاح المسلح ضد الاحتلال الاسرائيلي .

وعندما اختلفت قيادة فتح حول اختيار قائد لفتح، تسلل ياسر عرفات للأرض المحتلة وأمضى أسابيع طويلة ينظم صفوف حركة فتح هناك، وعاد ليقود ( حركة فتح دون منازع ) ونشر بيان مقتضب في العام 1968، في الصحف اللبنانية يعلن أن ” ياسر عرفات هو الناطق الرسمي الوحيد باسم حركة فتح “، ونشرت له صورة يضع فيها نظارات سوداء تخفي عينيه

هكذا يعرف المتابعون بداية مسيرة ياسر عرفات لكن ياسر عرفات كان قد بدأ مسيرته قبل ذلك فقد التحق كمتطوع في حرب 1948 مع القوات المصرية، كما انضم للمقاومة المصرية أثناء الغزو الثلاثي البريطاني، الفرنسي، الاسرائيلي، لقطاع غزة وسيناء وقناة السويس .

أسس ياسر عرفات تنظيما طلابيا ضم الطلبة الفلسطينيين الملتحقين بالجامعات المصرية واستأجر مقرا لهذا التنظيم الطلابي، ليكون خلية عمل دفاعا عن حقوق الشعب الفلسطيني (تحولت رابطة الطلبة الفلسطينيين الى الاتحاد العام لطلاب فلسطين الذي يضم كافة الطلبة الجامعيين الفلسطينيين في شتى أنحاء العالم ) .

وبعد نيله شهادة الهندسة، توجه الى الكويت للعمل هناك كما كان يفعل معظم الفلسطينيين الذين يتخرجون من الجامعات، فقد ساهم هذا الجيل من الفلسطينيين المتعلمين في بناء الخليج العربي مساهمة كبيرة .

ولم تغب فلسطين عن ذهنه لحظة .

اذ نشط أثناء عمله في الكويت لتكوين حركة فلسطينية هدفها تحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح، كما فعلت شعوب اخرى لتحرير أوطانها .

وبقي يتابع انشاء هذه الحركة أثناء عمله في الكويت، وتنقله في البلدان العربية لتجنيد الفلسطينيين لحركة التحرر الوطني الفلسطيني ( فتح ) .

وفي العام 1965 قررت الحركة بدء عملياتها والاعلان عن برنامجها .

فغادر ياسر عرفات الكويت الى المشرق العربي ( سورية ولبنان )، وتعرض للملاحقة والاعتقال أكثر من مرة .

لكن الظروف التي ساعدت على الانطلاق الحقيقي والواسع لهذا العمل الوطني التحرري كانت ظروف مابعد هزيمة حزيران .

اذ لم تعد أجهزة الدول العربية المحيطة بفلسطين قادرة عمليا، ومعنويا وسياسيا على ملاحقة الذين يعملون لتطوير الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، وكانت فرصة التقطها المناضلون ومنهم ياسر عرفات للانطلاق، ولم تعد مبررات ” عدم التوريط “، قائمة فقد احتلت اسرائيل ماتبقى من فلسطين( الضفة الغربية وقطاع غزة ) وسيناء والجولان، وبهذا سقطت كل ذرائع منع العمل المسلح أو النشاط التنظيمي الرافد للعمل المسلح كما سقطت ذرائع منع نقل السلاح الخفيف الى الجبهات .

ياسر عرفات وزملاؤه قيادات المنظمات التي رفعت شعار الكفاح المسلح كانوا يعلمون تمام العلم أن هذه الفرصة مؤقتة، وسرعان ماتزول باعادة بناء الدول المحيطة بفلسطين أجهزتها وجيوشها .

فأصبح عامل الوقت عاملا مركزيا في عملهم لبناء شبكة المقاومة المسلحة داخل الأرض الفلسطينية المحتلة وقواعد الاسناد خارجها .

حتى تلك اللحظة كانت التنظيمات الفلسطينية التي تدعو للكفاح المسلح، وتعمل لتهيئة البنية التحتية له تعتبر خارجة عن قانون الدول العربية .

ففي العام 1964 أنشأت جامعة الدول العربية منظمة التحرير الفلسطينية، وجيش التحرير الفلسطيني اللذين بقيا تحت سقف القرار العربي بشأن الصراع العربي – الاسرائيلي .

ونالت ” م ت ف ” اعتراف الدول العربية ودعمها، وتعاملت معها الدول العربية كممثل للشعب الفلسطيني .

وضع ياسر عرفات نصب عينيه السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية، التي شكلت اطارا معترفا بشرعية تمثيله الشعب الفلسطيني .

وكان أمر قيادة الكفاح المسلح غير محسوم في تلك الفترة، فقد شكلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قطبا التف حوله الآلاف، وكانت الجبهة الشعبية تحظى بدعم من مصر والعراق في الوقت الذي كان زعيمها الدكتور جورج حبش يرزح في سجن ” الشيخ حسين بدمشق ” .

من هنا رأى ياسر عرفات بنظرة ثاقبة أن الهيمنة على ” م ت ف ” سوف تعطي فتح دفعة كبيرة على طريق قيادة ” الثورة ” .

وفي الوقت الذي كان يخطط فيه ياسر عرفات للهيمنة على منظمة التحرير الفلسطينية خرجت الجبهة الشعبية بموقف يرفض الانغماس في تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني الجديد، الذي سينتخب قيادة فلسطينية جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتقط ياسر عرفات موقف الجبهة الشعبية ” الثوري ” ليسيطر على ” م ت ف “، وهكذا تحولت ” م ت ف ” ( الشرعية والمعترف بها ) الى هيكل كبير لحركة فتح .

وانتخب ياسر عرفات رئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ( وهي عضو كامل في جامعة الدول العربية )، فأمسك ياسر عرفات بذكاء وحنكة بالموقع الشرغي والمعترف به، وبموقع الكفاح المسلح على الأرض، ومازال يمسك بهما، وتمكن في معظم الحالات والظروف من ربط الموقعين أو الفصل بينهما بذكاء، مما وفر له أكبر قدر ممكن من الدعم والحماية، واستخدم في اللحظات الحرجة الموقعين، الواحد ضد الآخر، ليخلق ربطا فاعلا، كان في معظم الحالات يمكنه من اتخاذ القرار الذي سبكه في ذهنه .

اذ كان عندما يواجه موقفا معارضا في صفوف قيادة فتح ( اللجنة المركزية )، كان يلجأ للجنة التنفيذية، ويسنخدم رأيها للضغط على قيادة فتح، والعكس كان أيضا صحيحا، اذ عندما تعارض اللجنة التنفيذية كان يستخدم قرار فتح للضغط على اللجنة التنفيذية .

واحد من عمالقة العالم السياسيين وأصبح العملاق بعد وفاة جواهر لآل نهرو، وجمال عبدالناضر، وجوزيف بروز تيتو، وانديراغاندي .

ونقول العملاق، لأن ماواجهه ياسر عرفات في قيادة شعبه نحو الحرية والاستقلال، لم يواجهه عملاق آخر من عمالقة العالم، رغم أن ما واجهوه صعب ومعقد وتطلب تضحية عظيمة .

كون ياسر عرفات عملاقا سياسيا، ينبع من كون قضية شعب فلسطين القضية الأعقد في تاريخ البشرية، وينبع أيضا من ضخامة معسكر أعداء القضية الفلسطينية والفلسطينيين، وتكالب هذا المعسكر لتشتيت وتفتيت الشعب الفلسطيني واذابة هويته الوطنية .

فقد كبر ياسر عرفات بكبر قضية شعبه ونهض شعبه بفضل قيادته وحنكته السياسية، وقدرته على عبور حقول الألغام، التي زرعت في طريق النضال الفلسطيني في كل مكان، وفي كل اتجاه .

وكلما حوصر ياسر عرفات وقوات الثورة خارج فلسطين، هب الفلسطينيون للنصرة، وكلما اشتعلت نار الثورة داخل الأرض المحتلة تتحرك قيادة الثورة لاسناد انتفاضة الشعب، تناغم وتضافر ووحدة دون رابط جغرافي، صنعوا المعجزات، وشقوا طريق الصخر .

المشاهدون في الغرب، عندما يشاهدون ياسر عرفات، لايخرجون بانطباع صحيح عن شخصية هذا الرجل، خاصة عندما يتحدث باللغة الانجليزية – فهو لم يدرس في انجلترا أو الولايات المتحدة ليتقن اللغة واللهجة كما يتقنها بنيامين نتنياهو مثلا ,

لكن الذين قابلوا ياسر عرفات ذهلوا لأن الانطباع مختلف جدا، فشخصيته تأسر، وأدبه الجم وكرمه وسرعة بديهته تلعب دورا أساسيا في رسم الانطباع عند الآخرين .

ياسر عرفات حازم وصارم عندما يبت بأمر المهام والعمل والانجاز .

وهو دمث ولطيف ومهذب مع ضيوفه وزواره من سياسيين واعلاميين وقادة ومواطنين، حنون على الضعفاء، يحب الأطفال ويحمي النساء اللواتي يتعرضن للظلم .

ياسر عرفات مسلم ومؤمن، لايقطع فرضا، لكنه منفتح الذهن ومتسامح ويؤمن بالتعايش والتوحيد .

أمين على ماعهد به اليه، ويتعامل مع المواطنين سواسية، مسيحيين كانوا، يهودا، أم مسلمين .

جريء عندما يتطلب الظرف ذلك وأحيانا تصل جرأته حد المجازفة لكنه حكيم في الوقت ذاته ويحسب للأمور حسابها، شجاعته ليست موضع نقاش، فالكل يعرف أنه خاض ويخوض معارك شعبه بروحه وعقله وجسده، وهذا ما أكسبه احتراما وهيبة لدى شعبه منذ معركة الكرامة، مرورا بمعارك أيلول 1970 في الاردن، ومعارك لبنان العديدة وأهمها غزو شارون للبنان ومحاصرة قيادة الثورة وقيادة الحركة الوطنية اللبنانية في بيروت العاصمة .

حسه الأمني خارق لدرجة كبيرة، ولا يعتمد في ترتيباته الأمنية الا على نفسه وجهاز من حرسه الخاص ينتقي أعضاءه بحذر شديد، ويخضعون لتجربة طويلة .

نجا من عدة محاولات اغتيال حاولت الأجهزة الاسرائيلية القيام بها، وكذلك الطيران الحربي الاسرائيلي، وتراوحت هذه المحاولات من محاولة دس السم له في بيروت الى قصفه في شوارع بيروت بطائرات ” ف 16 “، الى محاولة تدمير مقره برام الله فوق رأسه .

لكنه نجا من كل ذلك بحسه الأمني الخاص، وبسرعة تحركه، وتنقله من مكان لآخر .

ياسر عرفات متواضع وخجول جدا، ونادرا مايسمح لنفسه بالضحك، فهو متواضع أمام المتواضعين، لكن كبرياء شعبه المناضل تنتصر دوما عندما يواجه مواقف يشعر فيها أن شعبه تهضم حقوقه، أو يهان، يثور عندها لكرامة شعبه، ويتخذ مواقف تتميز بالكبرياء والعزة .

فكم من مرة رأيته يثور كبرياء أمام رؤساء وملوك تعاملوا مع شعبنا ونضاله تعاملهم مع شعب مهيض الجناح .

يجلس على الأرض ليتناول الطعام مع المقاتلين، ويتصرف حسب البروتوكول على موائد الملوك والرؤساء، يقاتل في خنادق المناضلين ويتفقد حرس الشرف الرئاسي عندما يقوم بزيارة رسمية لدولة من الدول، وهو خجول كما قلت ومهذب يقف دائما عندما يصافح امرأة أو فتاة كما يركع ليعانق طفلا أو طفلة، وعندما يتجرأ أحد المساعدين على رواية نكتة من النكت، تراه يضحك بخجل واضعا كفه على فمه كأنه يريد أن يخفي ضحكته، يهوى رؤية أفلام الكارتون المضحكة والمسلية وكذلك المسرحيات .

على مائدته يحرص أن يأكل الآخرون قبله، وغالبا مايمد لضيوفه الطعام، ويستحسن لهم أصنافا منه وعندما يريد أن يكرم أحدهم بشكل خاص يقتطع من صحن ” الحلاوة ” الخاص به شرحة ويقدمها لضيفه أو يناوله لقمة من القمح الصافي مغمسة بالعسل الصافي ( الذي يحبه عرفات ) .

وياسر عرفات لايدخن، ولايشرب الكحول، ويحافظ على نظام طعام صارم، يحب تناول السمك، ومن الفواكه يحب الجوافة، وفي الصباح يتناول الخضار والذرة الصفراء .

بين الحين والآخر، يحب ياسر عرفات أن يتناول صحنا من الحلوى، وأهم الحلوى لديه مايسمى ” أم علي ” .

لكنه زاهد جدا بشكل عام في طعامه ولباسه .

منذ أن غادر الكويت، لم يلبس ياسر عرفات سوى لباس المقاتلين الاعندما كان يضطر للتنكر أوالتخفي، ويرفض أن يكون لباسه العسكري لباسا خاصا، بل يختاره من اللباس الذي يوزع على المقاتلين .

وأذكر أنني أهديت له معطفا عسكري اللون لأنه كان على وشك التوجه الى موسكو في زيارة رسمية، ولم يكن لديه معطف حقيقي يقيه برد وصقيع موسكو، احتج في بداية الأمر كون المعطف ثمينا .

فقلت له ان برد موسكو شديد ولايمكن لثيابك العادية أن تقيك من بردها .

وبعد تردد قرر أن يلبس المعطف، والذي حماه من برد موسكو .

وعرفات لايحب الطقس البارد ويتحاشاه، ويحب الجو الحار خاصة عندما يخلد للنوم، وأذكر أننا كنا نعاني الأمرين من حر بغداد، خاصة في الليل، فقد كان الرئيس عرفات يأمر بايقاف التبريد المركزي عندما يتوجه لغرفة النوم، وكنا نحن نعاني بينما هو يغطي نفسه دون تبريد بعدة بطانيات .

يحب الجمال، ويعجب به سواء كان جمال البشر أو الطبيعة أو الفن .

كان يرتاح ويسر عندما يرى أن من يرافقونه يتمتعون بالأناقة والشكل الجيد، ومصدر السرور كما أحلله هو أنه كان يفتخر أمام الآخرين بالشباب الفلسطيني الكفؤ والأنيق .

لايحب السمنة، ولايفلت ضابط من ضباط الجيش من تعليقه اللاذع، اذا لاحظ أن وزنه زاد عن الحد المقبول، ولايتردد في ابداء ملاحظة حول الوزن، اذا لاحظ زيادة فيه لدى أي من مساعديه أو وزرائه أو مستشاريه، ويعجب ياسر عرفات بالمرأة الجميلة ولايتردد في ابداء ملاحظة تمدح جمالها أو أناقتها بتهذيب شديد، فهو يعلم أن هذا المديح سوف يثلج صدر المرأة ويجعلها سعيدة .

قلائل هم الذين شاهدوا ياسر عرفات يمسك بالايرة والخيط ليغلق ثقبا في جرابه، وأنا أحد هؤلاء القلائل وعندما سألته لماذا تفعل ذلك ؟

قال : حتى لا أرمي الجراب وحتى استخدمه مدة أطول ولأن هذا العمل يريح أعصابي قليلا، لأنه يبعدني عن العمل الذهني .

خلال السفرات البعيدة ينام ياسر عرفات ملء جفنيه في الطائرة، ولايستيقظ حتى حين تهتز اهتزازا مقلقا، ويستيقظ قبل الهبوط بنصف ساعة ليستعد للعمل .

أذكر أننا أقلعنا للجزائر من تونس في جو عاصف جدا، وكان المرحوم عبدالرحيم أحمد ضمن الوفد المرافق للرئيس الذي أخلد للنوم على مقعده، اهتزت الطائرة اهتزازا شديدا، وفجأة هوت الطائرة عشرات الأمتار مما أفقد الجالسين توازنهم، وعندها فتح ياسر عرفات عينيه وقال ” ماذا حصل ؟ ” .

أبلغوه بأن مطبا هوائيا كبيرا واجهنا، وأن الأمور الآن على مايرام، وأغلق عينيه ثانية وأخلد للنوم .

فقرر عبدالرحيم أحمد ألا يعود على نفس الطائرة الصغيرة الى تونس وأن يتوجه بطائرة تجارية كبيرة .

وعرفات مثقف ثقافة عالية من خلال مطالعاته وخلفيته العلمية ( كمهندس )، والأحب له ربط معلوماته وثقافته ربطا مفيدا بالواقع السياسي، وبالصراع دوليا واقليميا ومحليا، فمعرفته بالتاريخ كبيرة، ومعرفته بتفاصيل بعض فصول التاريخ مذهلة، وكنت أستمتع بالاصغاء له عندما يسرد قصصا تاريخية ترتبط بالبلدان التي نطير فوقها، ونحن متوجهون في زيارة لبلد ما سرد لنا مرة تاريخ الأسطول اليمني (حضرموت) وكيف وصل الى اندونيسيا وسنغافورة، وتحدث عن وسط مدينة سنغافورة وكيف أن اليمنيين حولوه الى وقف يمني حتى لايشتريه الصينيون الذين كانوا يدفعون بموجات بشرية كبيرة نحو سنغافورة .

وبقيت مباني وسط المدينة في سنغافورة حتى اليوم وقفا اسلاميا يمنيا .

وتحدث حول ” موزامبيق “، ولماذا يطلقون عليها هذا الاسم ؟ فالقائد العربي الذي نزل الى شواطئها كان يدعى موسى بن شفيق ومع الزمن لفظ الاسم موسى بن شفيق موزامبيق .

لم أكن أعرف هذه المعلومات ودهشت وسررت لسماعها .

واكتشفت أن ياسر عرفات كان يلم بعادات وتقاليد كل بلد من البلدان التي زارها، وأنه كان يلم بوضعها الاقتصادي ومشاكلها الاجتماعية والطائفية والسياسية .

وعلى سبيل المثال كان يلم الماما كاملا بتاريخ وتقاليد القبائل الأفغانية، وتناقضات أفغانستان الطائفية وتناقضاتها القبلية، وكان يلم بأسماء أمراء القبائل ومنافسيهم، أو صلات القربى بينهم، كان مدهشا بالفعل .

يلم ياسر عرفات بتاريخ اليهود، ومدارس الفكر الصهيوني، الماما كاملا عبر التاريخ الطويل ويدهش في كثير من الأحيان زواره من اليهود بعمق معرفته هذه .

وبطبيعة الحال يلم ياسر عرفات بتاريخ فلسطين الماما كبيرا جدا، ويعرف تفاصيل نضال هذا الشعب على مدى قرون، وكيف واجه هذا الشعب الغزوات الكبرى التي تعرضت لها فلسطين

هذه الصفات المميزة، والمعرفة الواسعة، والخلفية العلمية لدى ياسر عرفات مكنته استنادا لنضال شعبه من أن يصبح عملاقا من عمالقة الحرية والتحرر في العالم .

وحافظ ياسرعرفات دائما على العلاقة الوثيقة بصفوف الشعب، وقدرته القيادية على اتخاذ قرارات حاسمة ( وان لم يعجب بها الشعب لفترة من الوقت ) مكنته من الصمود والاستمرار .

( مقدمة كتاب – ياسر عرفات – لمؤلفه بسام ابو شريف)

(سيرياهوم نيوز/٥-رأي اليوم٢٣-٨-٢٠١٩)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سمات العلمانية في سورية وأهدافها

دخل الله: الخلط بين الدين والسياسة له نتائج خطيرة جداً ونوس: العلمانية ممارسة أكثر منها أفكاراً.. وتحتاج لبيئة متحاورة غير متنافرة اسماعيل: العلمانية ليست نقيضاً للأديان إنما للأصولية ...