آخر الأخبار
الرئيسية » الأدب و الفن » الميديا الجديدة وغياب الشاعر النجم..

الميديا الجديدة وغياب الشاعر النجم..

«عنتريات» في وجه رقة القصيدة و«الانفجار الشعري» في الحيز الضيق من القراءة

مقالات؛ أقرب إلى التقريع، تلك المقالات التي تنزل «سلخاً» بأصحاب الإصدارات الجديدة في الشعر، مقالات وزوايا يبدو أصحابها، وكأن ثمة جهة خفيّة كرستّهم حماةً لشرف القصيدة، يقعدون طول الوقت حراساً على عذريتها، والجميع في نظرهم هم جُناة أو قاب قوسين من ارتكاب فعل الجناية بحق القصيدة والاعتداء عليها، ذهبوا في ذلك مذاهب عدة، منهم من هو ضد كل هذه الحيوية في القصيدة الحديثة، أو القصيدة المُفعمة باليومية، والتفاصيل الحياتية، منهم من هو ضد هذا الاشتباك بين القصيدة والكثير من الإبداعات التي تشترك معها في الكثير من مكونات بنيتها، مثل هذه «الحكائية» في القصيدة، أو استعارتها «الحدث» من القصة القصيرة، ومنها أيضاً هذا الاختزال والقد الميّاس والتكثيف الذي يجعلها في منزلة واحدة مع القصة القصيرة جداً.
كل تلك العنتريات، وكأن ثمة «جمهوراً» هائلاً ستفعل به القصيدة الأفعال من تأثر وتأثير وتحريض، وهو الغارق في همومه اليومية حتى يكاد يختنق بكل أصناف اليباس والخراب.

في مواجهة الوهم
يكاد هؤلاء «الأوصياء» على القصيدة أن يقيموا الحواجز على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وأمام دور النشر، وإلقاء القبض على كل من سولت له نفسه كتابة قصيدة خرجت من معاطفهم ولبست «تنانير» جديدة، حروب ضارية تتنوع في شراستها يُمارسها الكثير من الشعراء والصحفيين والكتاب على اختلاف شواغلهم الكتابية، وكأن أمر انتشار القصيدة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى في الإصدارات الشعرية التي تتسع مع كل تضييق لدائرة القراءة في مُفارقة مدهشة، وكأن هؤلاء المراقبين لتحركات القصيدة، يقعُ عليهم واجب دفع تكاليف تلك الإصدارات أو عليهم حماية الذائقة الشعرية التي تربوا عليها لأجيال كثيرة، وخوفهم عليها من الانتهاك.
أهمية القصيدة اليوم، أو طغيان «أناقتها» أنها تدخل في صميم مختلف الأجناس الإبداعية وأنواعها، فلا معنى لروايةٍ اليوم إن لم تكن مُزينة بالشعرية، لا جاذبية اليوم للوحة تشكيلية إن لم تكن مُفعمة بغنائية شعرية، عندما تخلع الأنواع الإبداعية أثواب الشعرية؛ يعني أنها دخلت في باب الصنعة والحرفية إن نجحت في ذلك، والتي غالباً ما تدخل ضمن تلك الأحاسيس الخشبية، وهذا ما وصف به الكثير من الروايات التي ذهبت باتجاهٍ حرفي صرف، ومن ثُمّ كانت أن نُسيت على الرفوف.
فكل الفنون ومختلف الكتابات، لابد من أن تكون في أصلها شعرية، أو هكذا يُفترض، من هنا لا مناص إلا اللقاء بالشعر، وإن كان في لبوسات أخرى غير القصيدة.
لمن كل هذا الشعر؟
لكن اللافت حقيقة؛ هو هذه الغزارة في النتاجات الشعرية، بغض النظر عن النوعية، ثمة كم – شخصياً أراه جميلاً ولأكثر من سبب- يأخذ صفة المُفارقة المُدهشة في المشهد الثقافي، وهي ليست محصورة في الساحة الثقافية السورية على ما يبدو، فهذا الشاعر الأمريكي دانا دجويا مؤلف كتاب أمازال للشعر مكانة؟ يرى أنّ الشعر الأمريكي؛ ينحصر الآن ضمن دائرةٍ ضيقة مكونة من فريقٍ صغيرٍ منعزل من الاختصاصيين، وقد خسر مكانه على مسرح الحياة الفنية والثقافية. والغريب الذي يجده هذا «الأمريكي» أن ذلك يحصل في آونةٍ تشهد توسعاً ضخماً للشعر؛ إذ إن هناك غزارة غير معهودة في طباعة الدواوين والمجلات الشعرية، والنقد المطبوع الذي يعالج قضايا الشِّعر المعاصر يملأ صفحات الدوريات الأدبية والجرائد اليومية الجامعية.
على الضفة المُقابلة، أي في جهتنا، ثمة أمرٌ مُشابه لذلك «الانفجار الشعري» وإن كان في حدود دائرته الضيقة، أي ضمن المهتمين بالقول الشعري من شعراء وأدباء وقلة من المثقفين، ومن الذين يجدون القصيدة حاجة تماماً، أمر ذلك الانتشار الشعري «مثل الجواميس البرية.. للاستعراض لا للأكل». كما يُشبهه دانا دجويا.
تقول الشاعرة عبير سايمان في مجموعتها «ونفخ في الناي»:
«لفرط وحدتي
صرتُ شاعرة،
ولفرط الشعر
خلقتُ حبيباً يحرسني
من كائنات المجاز الضارية،
ولفرط رجولته
خلق حرباً،
ولفرط ازدحام حبيبي في الميادين
عدتُ
وحيدة».
وفي استعراضٍ بسيط للدوافع الشعرية لكتابة القصيدة سنحصل على الكثير من الأسباب والمفارقات لدى الكثير من الشعراء للقول الشعري، فهذه الشاعرة ليزا خضر تُقدم لمجموعتها «كأني أنا» وفيها تشرح أسباب لجوئها للشعر، حيث القصيدة تبدو كقارب نجاة عابر في عرض البحر، وهي قاب قوسين من الغرق:
«أكتبُ الشعر لأنجو
فما أشد انسكاب الخمرِ في تأويل الحبر.
أكتبُ الشعر لأُترعَ لذتي بالسلام،
وأذهبُ في صوفية البوح
أدراجَ الخرافة».
أما الشاعرة سارة حبيب، التي تقرأ في أسباب هذا الطوفان الشعري: أولها ميلنا العام للسريع بحكم انتمائنا لعصرٍ متسارع الخُطا، بما معناه أننا نُفضلُّ قراءة وكتابة؛ أن نحصل أسرع على الصورة وبتكثيفٍ أكثر، بينما صار يضجرنا إمضاء صفحات سردية تصف من دون طائل.. سبب آخر ربما يكمن في استسهال كتابة القصيدة على حساب الرواية مثلاً، لا أعني أنها عملية سهلة، لكن قد تنجو بأدوات اللغة الجيدة والالتقاط الذكي للمشاهد، بينما تتطلب الرواية خطوطاً درامية كثيرة وحياكة طويلة الأمد، ولاسيما أن الكثير من الحبكات قد استهلكت، ولا يمكن –في رأيها- اقتحام عالم الرواية من دون موضوع كامل الجدة سرداً وقصةً، بينما القصيدة تُسلم ذاتها مطواعةً أكثر.. الشاعرة حبيب التي توصف حالة من يكتبون الشعر الذي هو وإن كان «هماً شخصياً» لكنه يمتدّ في الآخرين وإلا كان نجوى يموت صداها داخل المرء، فحاجة الشعراء إلى مستمعٍ؛ تماماً كحاجة شاربٍ إلى كأس:
«كاذبٌ من يدّعي أنه يكتبُ لذاته..
القصيدة تتخذ أبعادها
من الامتداد الذي تُحققه في ذوات الآخرين.
بعض القصائد لبلاب.
بعضها نعناع».
ويتقاطع مع رأي الشاعرة سارة حبيب، ما تذكره الشاعرة عواطف بركات، التي تقول: بالنسبة للغزارة في كتابة الشعر؛ لأنه الأكثر سهولة في النظم، حيث لا يحتاج كالرواية مثلاً، أو كتابة القصص إلى خبرة عالية وتجربة حياتية مُعتقة، ولا يحتاج إلى تقنيات سردية لا يتمتع بها إلا السارد القاص أو الروائي ذو الموهبة والنفس الطويل في الكتابة، تذكر الشاعرة عبير سليمان أيضاً:
«أتعلق بثوب الشعر
وهو يهوي
كجثةٍ ثقيلة
إلى قاع الندم».
في الحيز الضيق
لكن كل هذا النتاج الشعري الواسع، يتم تداوله ضمن دائرة النخبوية الضيقة، ويكاد لا يصل إلى الجمهور خارج هذه الدائرة، فما ضرورة القصيدة إذاً؟، وهذا ما كنتُ وجهته للشاعر الإسباني أنطونيو غامونيدا في إحدى زياراته لدمشق؛ حينها أجاب: هي ضرورية لهذا العدد مهما كان حجمه، وهو مصرٌّ على أن يبقى حولها، لأنها لاتزال تُشكّل لهم مجالاً للخروج من مُعاناتهم، وتُعطيهم شيئاً من السعادة، وتُكثفها داخل شعورهم، ويعتقد أن أهمية القصيدة هنا؛ في هذا التخفيف من مُعاناة البشر وتحرير السعادة الكامنة في دواخلهم، وهذا أمر مهم جداً للقصيدة يجب عدم التقليل من شأنه، وهنا سألته: هل تخشى على القصيدة، من ألا يبقى في جوارها أحد؟ فيرد: هذا الاحتمال من الصعب تخيله، أعتقد أن القصيدة ستستمر بهذا المحتوى، وبهذا العدد القليل من الذي بقي بجوارها، مع ذلك لا نحلم أن يصير بقربها عدد كالذي يهتم بكرة القدم، فالناس مأخوذون بالمشاهد البصرية التي لا تترك مجالاً لتلقي القصيدة، ولا نحلم بأن تقوم بما كانت تقوم به منذ خمسمئة سنة، لأنه حتى العدد القليل الذي إلى جوارها اليوم سينفضّ من حولها.
لأجل هذه القلة
وقريباً من هذه الأجواء يؤكد الشاعر أدونيس، عندما سألته السؤال ذاته؛ فيذكر: إن سر الشعر وعظمته؛ أنه لا توجد أجوبة نهائية لأي شيءٍ فيه، ولا شيء أعمق من الشعر يوحد العالم فيما وراء اللغة، وفيما وراء الانتماء القومي أوالعرقي أو الثقافي، فالشيء الإنساني؛ هو الإبداع الفني إجمالاً والإبداع الشعري بشكلٍ خاص، والتجربة الإبداعية لا آخر لها، وأظن أن الموت نفسه لا ينهيها.
«لصناعة قصيدة ما؛
يلزم الكثير من الضوء المشتول
والديكة المنحوتة،
يلزم إزميل لحروفِ العلة،
ومبرد لأدوات التعجب.
جارور لألوان الطيف،
وممحاة لأحلام اليقظة،
ولن ننسى حبل غسيلٍ أزرق
نُجفف فوقه فكرة أو فكرتين».
ذلك ما ينصحُ به الشاعر عابد إسماعيل، كل من يُغامر بـ«ارتكاب» هذه الصنعة – الشعر، ومثل نصيحة إسماعيل تتكرر «البيانات» الشعرية حول تعريف الشعر والقصيدة، بل حتى التعبير عن موقف منها، في كل الأحوال ثمة ما يغوي في اقتراف هذه الجميلة كوهم، والرشيقة كحزمة قمح– القصيدة، كل ما تحتاجه غاوٍ يعرف ترتيب طاولة المجاز وفتح شبابيك الاستعارة، وإلباسها «تنانير» الكنايات، ويبدو اليوم أن ثمة الكثير من استطاع إلى ذلك سبيلاً، الكثير منهم تعثر، والقلة أصابت، وفي كلا الأمرين؛ تكمنُ حالةٌ صحية مهما ضاقت دائرة المرسل إليهم، بل حتى لو بقيت الرسالة الإبداعية ضمن المرسلين أنفسهم، اليوم ثمة انتشار أفقي للقصيدة، وهذا ما يُفسره غياب الشاعر– النجم، وربما هذا من فضائل الميديا الجديدة التي فكت العزلة عن القصيدة، ومن ثم كان هذا «الانفجار الشعري» سواء على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، أو هذه الكثافة في إصدار المجموعات الشعرية برغم كل انتشار الخراب من حوله، يحكي الروائي أمبرتو إيكو عن اقترافه الشعر في صباه، فيقول: أظن أنه في عمرٍ مُعين، لنقل في الخامسة أو السادسة عشرة؛ يكون الشعر مثل العادة السرية، لكن بعد ذلك في الحياة يلد الشعراء الجيدون شعرهم مُبكراً، والشعراء السيئون ينشرونه».
ومع ذلك، لا بأس من الاستئناس بما يراه الصديق الشاعر القس جوزيف إيليا الذي ينصح:
إنْ كنتَ كثيرَ النّشرِ احذَرْ
كي لا مِنْ أصحابِكَ تُهجَرْ
مِنْ نشرِكَ خفّفْ كنْ سلِساً
ليصيرَ حضورُكَ ذا أكبَرْ.

سيرياهوم نيوز/5- تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عن الهيئة العامة السورية للكتاب.. لواء اسكندرون في مجموعة من الكتب.. حكاية الجغرافيا العالقة بأرواح جميع السوريين

17-09-2019علي الرّاعي: يا.. صديقي..أنت في أسطورة التاريخفي التاريخ.. في أنطاكيةعرّج قليلاً على ضيعتنافليست زغردات طفولتي بالنائيةعرّج على العاصي الذي مازال يجري في دمي،و.. يمرُّ قرب ...