آخر الأخبار
الرئيسية » الأدب و الفن » فيلم “الحبل السري” لليث حجو.. السينما كشعر ممتع وموجع

فيلم “الحبل السري” لليث حجو.. السينما كشعر ممتع وموجع

16-09-2019
جواد ديوب:

يدخل علينا كل من رامي كوسا (تأليفاً) والليث حجو (إخراجاً) في الفيلم القصير «الحبل السرّي» (مدته عشرون دقيقة) من دون مبالغات درامية أو بكائياتٍ وندبٍ وعويل، وخاصةً أنه بين أن تقول بصدق وعفوية؛ أو أن تبالغ في ضخّ الأحزان لاستدرار التعاطف هناك خيطٌ رفيعٌ وحساس إما أن ينسجه المخرج وكاتب النص ببراعةِ حائكٍ دمشقيٍّ أو أن يهتكانه فيجعلان مما يقدمانه لنا مجرَّدَ لوحةٍ مشوّشةٍ وممجوجة. لكنّ صنّاع الفيلم هنا امتلكوا جينات الإبداع كأن حبلاً سرّياً يربطهم بجينات سورية/ ولّادة العظماء فورثوا منها تلك الاحترافية وذاك الصدق.
بإيجاز تدور حكايةُ الفيلم عن زوج شابٍ (يزن خليل) وزوجته الحامل (نانسي خوري) بقيا عالقين في أحد الأحياء المدمّرة، مع مياهٍ شحيحة عكِرةٍ لا تصلح حتى للاغتسال، والقليل من شتلات النعنع زرعاها في أصيصٍ مكسور وبقايا علب مياه بلاستيكية، ثم يحين موعد ولادتها بشكل مفاجئ لا يستطيعان معه أن يعبرا إلى الجانب الآمن من الحيّ حيث بقي بعض الأهالي وجارتهم «الداية/ ضحى الخطيب»، وذلك بسبب قنّاصٍ يترصّد حتى خيالاتهم وأنفاسهم.
لا نعرف شيئاً عن ماضي الشخصيتين أو وضعهما الاجتماعي ولا عن أي سياقٍ لحياتهما (باستثناء ربما بعض علب الدهان في سيارة الشاب كإشارة ربما إلى عمله كدهّان) لكن اللقطات القريبة التي ركّزت على وجهيهما وتعرّق جسد الزوجة التي اضطرت أن تلد في سيارتهم المعطّلة المركونة أمام البيت وتلك الشحنات الانفعالية الممزوجة بالخوف والترقّب والألم جعلتنا نشعر كما لو أننا مكان الزوجين المحاصرين، كما لو أن صرخات الحامل التي دوّت في أرجاء الحي إنما هي صرخاتُ كل من عرفناهن من النساء، وأنّ جزع الشاب الأب وقلقه وما قام به من دور القابلة ليُخرج زوجته من مخاضها الموجع إنما هو كلّ واحدٍ منّا. خاصةً أن الرائعَيْن يزن ونانسي لم يؤدّيا دوريهما فقط بل اندغما فيه حدّ التماهي، وجعلانا نصدّق فعلاً أنهما زوجان ضاقت بهما الحرب ووضعتهما في هذا المأزق.
ولعلّ ما اشتغل عليه كوسا بدءاً من لمسة سخريّة مُرّةٍ أو ما تمكن تسميته كوميديا الدمعة وحجّو تالياً بما التقطه من روح النص/ الفكرة جعلنا نطلق زفرات الارتياح بعد أن نجَت الشابة من محنتها وولدتْ بسلام كأنما نجونا جميعاً من مخاضنا، بل انتزع منّا ضحكاتِ النهاية مع العبارة/ الشتيمة: «مرتي ولدت وجابت بنت يا…» التي وجهها الزوج للقناص مكتوبةً على سيارته بعد أن نجح في إصلاحها وإعادتها للحياة هي أيضاً. شتيمةٌ نابيةٌ لكنها مثيرةٌ للضحك والارتياح نكايةً بقنّاص عديم الشفقة لم ينفع معه أي استجداءٍ إنسانيّ من الزوج ولا حتى مناداته بـ «يا بنيّ» من الجارة/الداية.
نفحةُ سخريةٍ ذكيّةٍ من الأيديولوجيا السياسية والدوغمائية الدينية، محبوكةٍ ببراعة في سياقها الدرامي الصحيح كأنما ليقول لنا صنّاع الفيلم إن الخلاص من محنتنا/ حربنا/ مأساتنا/ أوجاعنا/ وبشاعة الأيام التي نمرّ فيها لم ولن يكون فقط بالتسليم الأعمى للغيبيات والأدعية ولا باستعادة ما حفظناه بحكم العادة والوراثة والتلقين… إنما بفعلٍ عظيمٍ يقارب فعلَ الولادة العظيم، وفعلَ الأمومة، وإخلاصَ الأبوة وحنانها وتضحياتها، بل بإعمالِ العقل والقلب معاً.
ربما يكتب كوسا بدموعه، ويُخرِجُ حجّو بصبره واحترافيته، ويعمل معهم كادرٌ بكامل شغفهم… لكننا نحن أيضاً شاهدنا الفيلم بكامل أحزاننا وجراحنا وذكرياتنا عن حربٍ لم ترحم أحداً.. شاهدناه ونحن واثقون «من الشمس في غدنا»، ومن أن السينما مقابل الموت، وأن «الحبل السرّي» حقيقةً ومجازاً لايزال يربطنا بهذا البلد، وأننا باقون فيه كما الخبز وحبّات البرتقال التي ضيّفتها الأم لجاراتها «حلوان» ولادتها.
ولعلّنا نحيّي الغرفة الفنية الدولية في دمشق (JCI) وكل الجهات الداعمة للفيلم في أنهم منحونا فرصة حضور الفيلم بهذا التنظيم المميز والجمهور اللافت في أوبرا دمشق مؤخراً.

سيرياهوم نيوز/5- تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

‏‫ شكران مرتجى وباسم مغنية يدافعان عن سلافة معمار … نادين الراسي ونادين نجيم متعاطفتان مع طفلة.. ومحمد رمضان يسبب أزمة في مصر

| وائل العدس   17-10-2019 بدت منشورات النجوم هذا الأسبوع شحيحة للغاية، وبدا البحث عنها يحمل الكثير من الصعوبة مع انشغال الكثير من الفنانين بأعمالهم الدرامية ...