آخر الأخبار
الرئيسية » الأدب و الفن » “العتق”.. المكافئ الأدبي لتاريخ محكوم بخطي دم

“العتق”.. المكافئ الأدبي لتاريخ محكوم بخطي دم

  • مفيد عيسى أحمد

يبدأ العتق بالدم، فمحمد المعمّد بدمه سيفتتح الحدث، محمد العاشق والذي سفح  دمه العشق وكاد أن يقتله، هو ثاني محمدين، ربما سيصبح ثالثاً بعد التطهر لتفوح منه رائحة البخور أو تلحق به أينما حل، والعتق إضافةً لكونه حدث وحالة هو عنوان الرواية الصادرة عن دار أرواد للطباعة والنشر، عام 2019.

هي مغامرة ولا شك أن تكون شخصيتان في الرواية لهما نفس الاسم، مع اختلاف وعي ودور كل منهما، ما جعل ذلك مقنعاً ومفهوماً هو طغيان شخصية من الشخصيتين على الأخرى، رغم وجود العلاقة العضوية بينهما، فمحمد العاشق طغى على محمد الأخ، كما أن حبيبة العاشقة التي لم يفتها الخصب رغم كبر سنها، الخلاقة والتي ما زالت على خيط الدم، طغت على حبيبة التي باء زمنها بالموت مبكراً.

كل شخصيات الرواية إشكالية، حيث نجد إضافة إلى الشخصيات الثنائية المزدوجة روحياً وفيزيولوجيا، شخصيات مزدوجة فيزيولوجياً فقط، وواحدة روحيا، فعلي هو عمر في الرواية، وعمر هو علي، روح واحدة مع تبّدل قميص الجسد، هذا التبدل لم يأخذ بالذاكرة التي بقيت على حيويتها وكأن صاحبها لم يمت، ولم يأخذ بأكثر ما يربط الإنسان الجسد بالدنيا، الحبيبة والزوجة، فهيفاء هي زوجة عمر وزوجة علي فيما بعد.  سنجد في الرواية عمر آخر لا علاقة له بعمر غونيه الذي صار علياً في حياة جديدة، وهو الشخص الذي يتقاسم الغرفة مع محمد ملفوفاً بالضماد، عمر هذا هو رسام انضم إلى ما سمي ثورة، ثم انضم إلى جبهة النصرة، لينتهي جريحاً بجوار محمد الذي حاول الانتحار، وكأنهما يتشاركان بنفس الفعل، محاولة الانتحار، كما أننا سنجد علياً آخر غير علي اليتيم قبيل نهاية الرواية ونهاية علي اليتيم، هو علي بن محمد ابن علي اليتيم.

هناك شخصيات مفردة عابرة في الرواية، أي أنها لم تكن من الشخصيات الأساسية، لكنها كانت ذات حضور مؤثر ومهم، مثل شخصية عازف الناي، الصوفي الذي أفسح لهيفاء فضاءَ الصوفية البهي والعميق، هذا الفضاء الذي يتم ارتياده بالمعرفة والموسيقا. وهناك أيضاً شخصية سائق التكسي الثري بالمعرفة التراثية، وشخصية القس ببعدها الروحي والمعرفي.

لا تقتصر الازدواجية على الشخصيات فقط، بل تتعدى ذلك إلى الأحداث، فالثورة ثورتان رغم اختلاف كل منهما والاختلاف مع الآخر فيما يخصهما بدءاً من المصطلح وانتهاءً بالأهداف، والرواية ذاتها تمضي وفق خطين متوازيين، خطي دم: خط الحرب الموت، وهو خط ذو عمق تاريخي كوني يبدأ من زمن الأسطورة، مع أول حادثة قتل وردت في النصوص والموروث البشري، هابيل وقابيل، والتي تمّت بفك حمار، حيث لم تكن هناك أسلحة فتاكة كما الآن، لكنها كانت بداية الدم، وخط الخصب الولادة، خط ذو بعد كوني لن ينتهي إلا بنهاية البشرية.

تبتعد الرواية عن التقليدية في بنائها السردي، فهي لم تبن وفق خط سردي واحد، بل وفق خطوط تشابكت وتقاطعت وتواشجت لتشكل السيرورة الدرامية لها. هذا البناء أتى مناسباً لشخصيات الرواية الكثيرة، ولإيقاع الأحداث حيث تم تقطيع الأحداث ومنتجتها بالتناوب دون الالتزام بالزمان والمكان.

أمّا الانتقال بين حدث وآخر أو بين مقطع وآخر فقد تم وفق كلمات مفتاحية، تشمل أسماء الشخصيات، الأماكن، والحوار الذي يبدو في بداية بعض المقاطع وكأنه تكملة لحوار سابق. كذلك أتى البناء السردي مناسباً للسويات الزمنية المتعددة، فهي تجري في ثلاث سويات زمنية أو أكثر، ولا يمكن للسويات الزمنية أن تكون متناغمة، فلكل زمن خصائصه وشروطه، الرابط بين هذه السويات كان الشخصيات العابرة لها والتي شكلت حاملاً للخصائص والأحداث، مثل عمر، علي اليتيم، مصطفى الشامي وهيفاء الشخصية الإشكالية الثرية بتجربتها، فهي الصبية الأرمنية  ثم السبية العثمانية، تصبح بعد ذلك المرأة الحرة زوجة عمر غونيه التركي، الذي حررها وحرر نفسه من استبداد الطغمة العثمانية، ثم زوجة علي اليتيم العربي، وفي النهاية هي أم لحبيبة ومحمد وتبدو أما للجميع.

والمكان  أمكنة في الرواية أيضاً، مكان ثابت: اسكندرون، بانياس، طرطوس، بيروت، دمشق. ومكان متحرك: السيارة، القطار، المركب، وهي أمكنة تشكل بيئة حيوية بما تضمه من موجودات وأشياء وبمن فيها من أشخاص.

لغة الرواية طغى عليها النزوع الشاعري، فالشعر له متسع كبير فيها بالإضافة إلى اللغة الشاعرية، حيث نجد توظيفاً للشعر أتى على لسان هيفاء الشاعرة، حبيبة ومحمد وغيرهم، كما أن للشعراء الكبار حضورا فيها، فقد استحضرتهم هيفاء إما بشخصهم مثل الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت والشاعر السوري الكبير بدوي الجبل، أو عن طريق ذكراهم كحضور الشاعر جبران خليل جبران.

أمر لافت في لغة الرواية هو استخدام ضمير الغائب (هو، هي) في سياق الوحدة اللغوية الواحدة التي يرد فيها أكثر من شخص وفي الحوار بشكل يجعل أحد طرفي الحوار أو أحد شخوص الرواية ينحى إلى الغياب.

تنتهي الرواية بالدم، دم علي اليتيم الذي تجمع بقعة قانية تحت رأسه، وذلك قبل أن يغيب. قبل دم البداية كان عشقا، وبعد دم النهاية كان شعرا، وبينهما حياة ودم من صنف آخر وبأسباب أخرى.

“العتق” رواية مهمة ومختلفة في كتابتها، ولا بد أن تكون كذلك في قراءتها، فما نكتبه بحرقة وبقلم حقيقي لا يمكن أن نقرأه بما يشبه الأحلام فقط.

(سيرياهوم نيوز-البعث20-10-2019)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

انطلاق ملتقى بيارق البيادر الثقافي من الدريكيش

شهدت صالة المركز الثقافي العربي في الدريكيش منذ عدة ايّام الإنطلاقة الأولى لملتقى بيارق البيادرالثقافي حيث أقام الملتقى مهرجانه الإبداعي الاول تحت عنوان(الوفاء لقائد الوطن ...