آخر الأخبار
الرئيسية » الأدب و الفن » كل طفولة رهينة برجولتها.. عن الإبداع الذي يأتي من صور بعيدة

كل طفولة رهينة برجولتها.. عن الإبداع الذي يأتي من صور بعيدة

21-10-2019
علي الرّاعي:

الانتقال إلى الأمكنة الجديدة، غالباً ما يُقدم للمنتقل إليه فضاءات جديدة، لاتعدو مع الوقت أن تجد لها مطرحاً في أوراق الذاكرة وسجلاتها، وهكذا مع كل اكتشافٍ جديد، وفضاءات مختلفة، تتسع رفوف الذاكرة.
عندما يصل «الحبل» في أدراج هذه الذاكرة إلى ذروته، يأتي المخاض بالنتاج الإبداعي، أي تصير الذاكرة مهيأة لولادة ماتكتنزه سرداً، وحتى وإن لم يكن صاحب الذاكرة مبدعاً، فإنه يفجّر ذلك المخزون من خلال طرق مختلفة، وبالتأكيد فإن الكتابة على اختلاف أجناسها وأشكالها، وحتى الفنون البصرية، ستمتحُ من هذه الذاكرة، حتى يكون الإبداع ذاكرياً بالدرجة الأولى.
1
ومع إن الروائي المغربي محمد شكري، لا يؤمن بمن يدعي أنه يعرف كل طفولته، بل قد يكون له إحساس غامض بها، لكن هذا لاينجلي إلا بمنزلة قبس من نور في فضاء دامسٍ، ويرى شكري، أنه لايمكن معرفة كل شيء، وعما يمكن أن تؤثر به طفولة الكاتب على كتاباته، فهو يكتب طفولته من رجولته، ونضجه، وهو يحوم حولها، لأن كل طفولة هي رهينة برجولتها، ومع ذلك سيبقى المكان الأول له «مذاقه» الخاص في تلافيف هذه الذاكرة الحبلى بالسجلات، ذلك أن هذه الذاكرة كانت هنا قد سجلت أولى أوراقها، وسيكون لهذه «الأولى» شيئاً من الطغيان أحياناً، بحيث إنه قد يطغى على ما سُجل منذ زمن قريب جداً، فهنا كانت الخطوات الأولى، والجمال الأول إن وجد، الحب والحزن الأولين، هنا ستخصص الذاكرة أوراقاً كثيرة لسجلاتها الأولى، بحيث لم تعد، أو بصعوبة، تجد مطارح لتسجل عليها ما يحدث اليوم، وذلك أنه عندما يصبح المرء في «أرذل العمر» فإنه لم يعد يذكر، أو حتى إنه لم يعد يحلم، و.. أو «يُكوبس» إلا بذلك المخزون الطفلي، وكأنه يحصل الآن..
2
العودة للمكان الأول مهما تعددت الفضاءات الجديدة، سيبقى ماداً بمجساته التي تشدُّ صاحب الذاكرة إليه، حتى إنه ربما تكون آخر الوصايا أن يُعيدوا الجسد – الذي أصبح ميتاً- إلى هذا المكان الأول، أو مايُدعى «مسقط الرأس» هكذا أوصى نسيب عريضة ذات يوم أن يُعيدوا به إلى «أم الحجار السود» ويقصد مدينة حمص، و«لو حشو الكفن» وهذا ما رتّب له أدونيس الذي سافر في مشارق الأرض ومغاربها، في قرية «قصابين» جبلة.!
3
وفي عزبة «ياسنويا بوليانا» مسقط رأسِ ليف تولستوي المكان الذي بقي يبحث فيه عن العود الأخضر وسرِ السعادة، ثمة جهود ثقافية أعادت تركيب المشاهد السابقة لحياة وطقوس صاحب «الحرب والسلام» بعد مضي قرن على رحيله، وحتى عالم الموضة يُعيد مثل هذه الذاكرة، إذ تُسمى «البلوزة» الرياضية بـ«تولستوفكا» لكونها تشبه القميص الذي ارتداه الكاتب، وفي الغرفة ذاتها التي كتب فيها ليف نيكولايفيتش تولستوي «الحرب والسلام» يجلس اليوم تولستوي من جديد ولكن ليس ليف بل فلاديمير، مع ما يقرب من (270) هم عدد أحفاد تولستوي، فرقتهم ظروف الحياة بين روسيا ودول أوروبية عدة، وجمعهم حبهم لذكرى جدهم الأكبر، فأصبح اجتماعهم تقليداً نصف سنوي، يعلون فيه نيران الذاكرة مع ملايين تزور منزل الكاتب، الذي صار متحفاً.
4
واللافت أن كل النتاج الإبداعي، أو على الأقل معظمه – حتى لا نجنح باتجاه المبالغة- ولاسيما في ظهوره الأول، يكاد يكون «تسجيلاً» ونقلاً من ذلك المخزون عند الشباب المبدعين، أو الذين يسطرون إبداعهم للمرة الأولى، وذلك في مختلف الأجناس الإبداعية، حتى تكاد الرواية الأولى، وحتى اللوحة الأولى، أن تكون سيرة ذاتية، أو دفتر مذكرات قلما «نجا» من وطأتها مبدع، مع إن هذا «التسجيل» كان يُفترض أن يكون مسك الخواتيم لهذه النتاجات، لا لبداياتها.. البعض، وللمفارقة هنا، أنّ «السيرية» غالباً ما تُزحم في العمل الأول للمبدع وكأنّ الكاتب «يصرف» كل رصيده منذ العمل الأول، ويصير «المجد» الذي سيعتاش عليه كل الوقت، لأنّ الأعمال التالية ستكون تنويعاً عليه، أو صدى له، والأمثلة على ما نروي أكثر من أن تُحصى..؟!
5
وفي الاتجاه صوب الذاكرة، فإن ثمة أمرين سوف يظهران بجلاء؛ الأول: هو إبداعي يتمثل في تحريك الذاكرة، أو إعطاء حياة لهذا الذي خُزن في تلافيف الدماغ، وفي المقابل، منح النتاج الجديد شيئاً من العزلة التي تشبه «الصمت»، في وجه حداثة لا تلوي على سكون، ومع ذلك يأتي العمل الإبداعي بكامل مفردات الحداثة والمعاصرة، أي الشغل على موضوع الذاكرة ليس مبعثه الحنين، ولو كان الأمر كذلك، لوقع النتاج في الجانب الثاني أي النكوصي – النستالوجي، فالمزية المدهشة للفن هي – على ما يرى بودلير- أن الشيء المخيف المفزع يصبح جميلاً، عندما نعبّر عنه تعبيراً فنياً، وأن الألم الذي يخلقه الإيقاع والتكوين يملأ الروح بالفرح الهادئ، ومن هنا يكون الشغل على مسألة التلوين بغنائية أكثر ثراءً، والإبداع لا يكون بالعودة لماضٍ ما، وإنما الإغواء في كل ذلك المرجعية هي المفردات، أي كمن يحاول البناء من حجارة قديمة بناءً معاصراً، ولذلك هو يُناكف هذا المخزّن، وربما يُناوشه.!
6
و.. اللافت في أمر الذاكرة أن ثمة من ينعت العرب بأنهم أصحاب ذاكرة ضعيفة، غير أن هناك إشارات تدل على العكس تماماً، واللافت أيضاً في أمر هذه الذاكرة –العربية- أنها كانت على الأغلب ذاكرة شفوية، تعتمد على الروي، والشعر نفسه لم يكن مدوناً قبل الإسلام، وأيضاً القرآن الكريم لم يُكتب إلا في عهد عثمان بن عفان، غير أن مأساة العودة إليها لا تكمن في المعنى العميق للثقافة، بل في المعنى السلفي الانتقائي، كأن استبعد أبو النواس وقرّب أبو العتاهية، وهذا الانتقاء السلفي هو تدمير للذاكرة، وهو اليوم يُمارس بقوة رأس المال، إذ يُغيّب مايقارب من 90% من هذه الذاكرة.
7
من أسباب العودة للذاكرة، أو من ضروراتها، أن هذه الذاكرة نفسها اليوم مهددة من أكثر من عدو، ولعل أقرب أعدائها اليوم هما العدوان «الإسرائيلي والتركي»، كما أن من يتمسك بها اليوم هو من منطق إنساني، أو على حد ما ذكر لي الأديب المصري جمال الغيطاني مرةّ: «من إحساسي بالزمن، الذي يحملني شعوراً بالفقد» فأنت باستمرار تتطلع لما فات، ولما هو مفقود، والكتابة كما هو معروف ضد الإمحاء، والبعض قد يواجه الواقع المرير وحالة الفقد، أو الإحساس به بالكتابة.
8
الغريب أنه في شد مجسات المكان الأول لصاحب الذاكرة إليه بقسوة أحياناً، لدرجة أنه يُحاول فيها المرء، أن يُعيد تشكيل مفردات ذلك المكان بمشاهده الأولى، وإذا لم يستطع أن يفعلها على أرض الواقع، فهو سيعيد سردها إبداعاً إذا ما توافرت له إمكانية التعبير بطريقة ما، والغريب أيضاً أنه عند العودة إلى الأمكنة الأولى، إذا ما سنحت الظروف بذلك، فستكون الغربة مرة جديدة هي الطاغية، ذلك أن لا شيء يبقى على حاله، ومن ثم تكون التغيرات والتطورات قد فعلت فعلها بالتبديل، ومن هنا قد تحصل «الغربة» الثانية حتى على من بقي في المكان ذاته، فثمة زمن ذهب ولم يعد، زمن مرتبط بوعي سابق، هو الآخر تبدل، ووعي بالأشياء المحيطة اختلف بحميميته، و.. دائماً ثمة محاولات لإعادة تشكيل ما كان، وثمة إبداع بالضرورة، حتى وإن جاء الأمر بإعادة ترتيبه بالكلام الشفاهي وحسب، وفي كل إعادة «تركيب» للمشاهد الأولى ثمة إبداع جديد قد يتجلى بنص سردي، أو بمشهد بصري، وغير ذلك من صنوف الإبداع.!

سيرياهوم نيوز/5- تشرين

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

«بنات ثانوي» بطولة سينمائية لجميلة عوض

2019/11/14 بدأت الفنانة المصرية جميلة عوض، تصوير فيلمها الجديد «بنات ثانوي»، تأليف أيمن سلامة، وإخراج محمود كامل.جسدت عوض شخصية فتاة في الصف الثاني الثانوي في ...