آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » أوغاريت أول أبجدية في التاريخ وأيقونة الحضارات السورية

أوغاريت أول أبجدية في التاريخ وأيقونة الحضارات السورية

المهندس علي المبيض

 13-11-2019

تقع أوغاريت في تل رأس شمرا الذي يبعد 12 كم شمال مدينة اللاذقية، وسمي تل رأس شمرا بهذا الاسم لانتشار زراعة نبتة الشمرة فيه وهي نبتة معروفة في المنطقة، وكان موقع رأس شمرا في الألف الثامنة قبل الميلاد نموذجاً مهماً لبدايات تشكل القرى الزراعية الأولى واستقرار الجماعات البشرية، إذ كان الإنسان قبل هذا التاريخ يعيش حياة متنقلة يصطاد ليأكل ويلجأ للمغاور والكهوف ليحتمي من الحيوانات المفترسة ومن أنواء الطبيعة القاسية، وبذلك فقد شكّل الموقع نقطة انعطاف مهمة في مسار التجمعات البشرية ونقلة نوعية في تطور الإنسانية إذ لم يعد الإنسان عبداً للطبيعة بل خطا أولى خطواته في السيطرة عليها، فمارس الزراعة ودجّن الحيوانات وبنى البيوت وخزّن المحاصيل وبدأت رحلة تحول الإنسان من مستهلك إلى منتج، ومع بلوغ القرن الخامس عشر قبل الميلاد ازدهر الموقع وتطوّر وتوسعت القرية لتتحول تدريجياً إلى مدينة ثم إلى عاصمة لمملكة أوغاريت التي يعتبرها علماء الآثار من أهم ممالك الشرق والتي بسطت سيطرتها على أكثر من مئة قرية ضمن مساحة واسعة على الساحل السوري، وامتدت حدودها من الجبل الأقرع في الشمال وحتى نهر السن في الجنوب وتربعت على أكثر من ثلاثين تلاً.
يعدّ اكتشاف مملكة أوغاريت من أبرز الأحداث التاريخية التي غيّرت وجه الخريطة الأثرية في العالم وتصدّرت أوغاريت قائمة أهم الحضارات القديمة التي قامت في سورية خلال تاريخها الطويل، واليوم وبعد مرور نحو 90 عاماً على اكتشاف مملكة أوغاريت الأثرية فإنها لا تزال موضع بحث مستمر من الباحثين والمؤرخين في العالم ولاسيما وقوعها على تخوم إمبراطوريات متجذّرة عبر التاريخ، حيث قدّم موقع أوغاريت عدداً كبيراً من اللقى الأثرية أفادت كثيراً في قراءة تاريخ أوغاريت والممالك المحيطة بها وسلّطت الضوء على أوضاعها، كما وثّقت ووصّفت حياة السكان ضمن تلك الحقبة من خلال النصوص المنقوشة على الرقم الفخّارية التي بلغت أكثر من 3000 رقم تعود للقرنين 13 و14 قبل الميلاد، إضافة إلى التماثيل والأثاث العاجي والأختام الأسطوانية والأوزان والقوالب والقلادات والأسلحة والأواني الفخارية والمعدنية، وشكّلت الألواح الفخّارية التي تم العثور عليها خلال أعمال التنقيب مصدراً مهماً لدراسة أوجه الحياة والنظم الاجتماعية التي كانت سائدة، كما زوّدتنا بوثائق مهمة عن الحياة الفكرية والثقافية في تلك الفترة حيث تناولت تلك الوثائق مواضيع تتعلق بمختلف نواحي الحياة السياسية والأخلاقية والفلسفية والفنية والاقتصادية والعلمية، كما وضّحت الآداب والعقائد السائدة وأخبار العلاقات السياسية والاقتصادية مع سكان الممالك الأخرى، وتضمّنت العديد من الرسائل المتبادلة بين ملوك أوغاريت والممالك المحيطة بهم كركميش وامورو وقبرص ومصر وجبيل وغيرها ما يدل على تمتّع أوغاريت بعلاقات دبلوماسية متقدمة، إضافة إلى وجود وثائق تدعو للتعلم والعطف وتحث على العمل واحترام الأم والأسرة وجميع مكوّنات المجتمع وقواعد مهمة لتعزيز العيش المشترك والتي تعكس طبيعة السوريين ومنها على سبيل المثال:
«لا تشتم إلهاً لا تعبده»
«ارمِ سلاحك وتناول معولك واتبعني لنزرع المحبة والسلام في كبد الأرض»
كانت أوغاريت وما زالت مركز إشعاع حضاري للإنسانية وموضع اهتمام ودراسة العديد من الباحثين التاريخيين والآثاريين والمهندسين، حيث احتلت أوغاريت موقعاً مهماً على الخريطة الأثرية السورية نظراً لكونها موطناً لأقدم أبجدية مكتوبة في التاريخ الإنساني وهي أبجدية أوغاريت، وإن كانت هنالك محاولات أخرى في اختراع الأبجدية التي وجدت في تلك الفترة وخاصةً في مصر فكانت من دون وجود أدلّة مادية على ذلك، ويذهب كثير من الباحثين إلى أن أبجدية أوغاريت هي اختراع محلي صرف وليست تطويراً لأي أبجدية أخرى، وقد بيّنت الرقم الفخارية التي تم العثور عليها في أوغاريت ثماني لغات كانت موجودة في أوغاريت وهي الأوغاريتية، الأكادية، الحورية، الحثية، اللوفية، السومرية، المصرية، والقبرصية، وهذا يعكس الغنى الثقافي الذي يرجع إلى تنوّع الشعوب التي استوطنت أوغاريت ويعكس حيويتها وهذا مرده بالتأكيد إلى ازدهار الأنشطة التجارية والاقتصادية وتوافر أسباب الحياة الكريمة فيه، ولكل لغة من هذه اللغات بنيتها واستخداماتها الخاصة بها، وقبل الحديث عن أبجدية أوغاريت التي تعتبر أول أبجدية في التاريخ لابد أن نوضّح الفرق بين اللغة والأبجدية، فاللغة هي التي يتحدث بها الناس منذ آلاف السنين، أما الأبجدية فهي ترتيب الأحرف لاستخدامها في الكلمات وفق ضوابط معينة والتي دلت الدراسات أن أوغاريت هي التي اخترعتها في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، وتعتبر أبجدية أوغاريت بحق واحدةً من أعظم الاختراعات التي عرفتها البشرية إذ إنه لا أحد ينكر أهمية اللغة في التعبير ونشر الثقافات والفنون، ولم يكن اختراع الأبجدية في أوغاريت من قبيل المصادفة بل كانت البيئة الثقافية والعلمية السائدة في أوغاريت مهيأة لذلك تماماً، فقد كان يلتقي فيها الكثير من الفنانين والعلماء والحرفيين والتجار من مختلف أنحاء البلدان حاملين معهم علوماً وثقافات متنوعة، حيث استوعب أبناء مملكة اوغاريت بعقليتهم المنفتحة على الحضارات الأخرى هذه العلوم وأضافوا إليها من خبراتهم المتراكمة نتيجة تعاقب الحضارات العديدة على هذه المنطقة، وفي عام 1929 م تم اكتشاف نحو ستين رقماً طينياً في منزل الكاهن الأكبر يعود تاريخها لعام 1300 قبل الميلاد، كتبها كاتب أوغاريتي اسمه إيلوميلكو وقام بالتوقيع على بعضها، وقد أتاحت لنا هذه الوثائق التعرف إلى نظام كتابة أبجدية أوغاريت ومواصفات مهنته وثقافته والتعرف إلى أدوات الكتابة على الرقم الفخارية ودرجة اللدانة المثالية المطلوبة للصلصال من أجل الكتابة، وتؤكّد اللقى الأثرية والنقوش الكتابية المكتشفة في موقع رأس شمرا ورأس ابن هاني الأثريين أن ملك أوغاريت وباقي أفراد الأسرة الحاكمة قد تعلموا القراءة والكتابة باللغة الأوغاريتية كما تؤكّد وجود مدارس لتعليم القراءة والكتابة بلغات عديدة كالسومرية والأكادية وإعداد المترجمين، وقد ابتكر السوريون نظام الكتابة الأبجدية المسمارية الأوغاريتية وهو نظام كتابة مسماري سهل للتعلم والاستخدام وهو أقدم نظام كتابي أبجدي مسماري في العالم ذي نظام قواعدي متكامل مكونٍ من 30 حرفاً أو رمزاً مسمارياً أبجدياً يكتب من اليسار إلى اليمين، منها السبعة والعشرون الأولى تعكس الحروف الساكنة أو الصامتة أما الأحرف الثلاثة الباقية فهي صوتية ويأخذ الترتيب الأبجدي العربي المعروف أبجد هوز حطي كلمن… وتبيّن للباحثين التشابه الكبير بين أبجدية أوغاريت واللغة العربية حيث تضم نحو 800 كلمة موجودة في لغتنا كما لوحظ تشابهها مع اللغة العربية في صياغة الجمل وبعض التعابير، ولا تختلف تلك الأبجدية عن العربية إلا في غياب الضاد عنها وفي وجود حرف سين ثان، أما أبجدية جبيل فقد دوّنت في القرن العاشر قبل الميلاد أي بعد ظهور أبجدية أوغاريت وهي مكونة من 22 حرفاً، وإذا قارنا بينهما نجد أن أبجدية جبيل هي تطوير لأبجدية أوغاريت حيث شكّلت أبجدية أوغاريت القاعدة الأساسية في ابتكار وظهور أبجدية جبيل والأبجدية الآرامية والأبجديات الأخرى التي اشتقت من الفينيقية والآرامية واليونانية والنبطية والتدمرية والسريانية والعربية الجنوبية والصفائية والعربية الشمالية.
تربّعت الكتابة على رأس قائمة اهتمامات أبناء أوغاريت وكانت تشغل حيّزاً كبيراً في الحياة المعيشية اليومية وبشكل لافت للنظر، ومثال ذلك هناك نص عثر عليه وهو عبارة عن رسالة توصية وطلب مساعدة لرجل يعمل كاتباً وهي أقرب إلى قصيدة على شكل ابتهال:
للقضية التي أستعطفك من أجلها لا تظهر في عظمتك عدم الاهتمام
بهذا التلميذ الفتي الجالس أمامك
لا تظهر عدم الاهتمام في فن الكتابة
أي سر اكشف له العدّ المحاسبة
أي حل اكشف له الكتابة السرية
اكشف له القصب المبرئ والجلد الدهن والفخار
أعط ذلك لهذا التلميذ الفتى أذناً من كل ما يتصل بفن الكتابة
لا تهمل شيئاً
نقطة أخرى تدل على اهتمام الأوغاريتيين بالعلم والكتابة وهي أن التعليم كان يتم في المكتبات وفي قاعات مخصصة، لذلك إن معظم الوثائق ذات الطابع المدرسي قد وجدت في تلك القاعات وكذلك فقد تم العثور على عدة أقلام كانت تستخدم لحفر الإشارات المسمارية فوق فخار الرقم، كما عثر على تمرين مدرسي يتضمن أربعة حروف تفصل بينها خطوط صغيرة عمودية من الممكن أن يكون تدريباً للتلاميذ على تركيب كلمة وهناك اكتشافات كثيرة تلحظ جهود الكتبة والتعليم الذي كان يقدم للتلامذة.
أما نهاية حضارة أوغاريت فقد كانت قاسيةً ومدوّيةً وهناك عدة فرضيّات تبحث في نهاية مملكة أوغاريت عام 1180 قبل الميلاد، تقول الفرضية الأولى إن زلزالاً عنيفاً قد ضربها وقضى عليها، على حين يرى عدد من الباحثين بأنه تم تدميرها من غزاة قساة يطلق عليهم شعوب البحر التي ألحقت الخراب والدمار بكل حضارات الساحل السوري، وبكل الحالات فإن حضارة أوغاريت تبقى علامة مشرقة براقة في التاريخ السوري الحافل.

(سيرياهوم نيوز-الوطن)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

‏‫ (المشنف)… طبيعة جبلية ساحرة وآثار شاهدة على عظمة الحضارة في جنوب سورية

2019-12-02 السويداء-سهيل حاطوم تشتهر بلدة المشنف الواقعة في الريف الشرقي لمحافظة السويداء بموقعها الجغرافي المتميز وانتشار بساتين التفاح والكرمة بالإضافة إلى طبيعتها الجبلية الساحرة وهوائها ...