آخر الأخبار
الرئيسية » الأدب و الفن » رواية العتق للصحفي الكاتب محمد حسين تحت مجهر النقد

رواية العتق للصحفي الكاتب محمد حسين تحت مجهر النقد

د.نضال الصالح:إضافة حقيقية للكتابة الروائية السورية والعربية

*مفيد أحمد:طغى عليها النزوع الشاعري إضافة لإستحضار ناظم حكمت وبدوي الجبل وجبران

*أحمد م . أحمد:هواء وماء سوريا كانا نسغ كل عمل فني صادق وأصيل

*يحيى زيدو:كل الشخصيات تتوق إلى الإنعتاق لكنها مشدودة إلى الماضي بخط دم    

هيثم يحيى محمد

في الأزمنة كالتي نعيش فيها يصبح الاحتفاء بالكتاب فعل من أفعال الحياة لا يمكن  إغفاله بل من الواجب الاحتفاء به وبصانعه على الدوام ..من هنا يأتي احتفاء(الوطن)بالرواية الجديدة للزميل والكاتب محمد حسين على هامش حفل توقيعها الذي أقيم في مركز ثقافي طرطوس منذ أيام  ,من خلال وضعها تحت مجهر نقد أربعة من الكتاب الذين كانوا ضيوف الجلسة والذين لهم بصمتهم الإبداعية في مشهدنا الأدبي السوري.. 

*يقول الأديب مفيد عيسى أحمد:

يبدأ العتق بالدم، فمحمد المعمّد بدمه سيفتتح الحدث، محمد العاشق والذي سفح  

 العشق دمه وكاد أن يقتله، هو ثاني محمدين، ربما سيصبح ثالثاً بعد التطهر لتفوح منه رائحة البخور أو تلحق به أينما حل، والعتق إضافةً لكونه حدث وحالة هو عنوان الرواية الصادرة عن دار أرواد للطباعة والنشر، عام 2019.

هي مغامرة ولا شك أن تكون شخصيتان في الرواية لهما نفس الاسم، مع اختلاف وعي ودور كل منهما، ما جعل ذلك مقنعاً ومفهوماً هو طغيان شخصية من الشخصيتين على الأخرى، رغم وجود العلاقة العضوية بينهما، فمحمد العاشق طغى على محمد الأخ، كما أن حبيبة العاشقة التي لم يفتها الخصب رغم كبر سنها، الخلاقة والتي ما زالت على خيط الدم، طغت على حبيبة التي باء زمنها بالموت مبكراً.

كل شخصيات الرواية إشكالية، حيث نجد إضافة إلى الشخصيات الثنائية المزدوجة روحياً وفيزيولوجيا، شخصيات مزدوجة فيزيولوجياً فقط، وواحدة روحيا، فعلي هو عمر في الرواية، وعمر هو علي، روح واحدة مع تبّدل قميص الجسد، هذا التبدل لم يأخذ بالذاكرة التي بقيت على حيويتها وكأن صاحبها لم يمت، ولم يأخذ بأكثر ما يربط الإنسان الجسد بالدنيا، الحبيبة والزوجة، فهيفاء هي زوجة عمر وزوجة علي فيما بعد.  سنجد في الرواية عمر آخر لا علاقة له بعمر غونيه الذي صار علياً في حياة جديدة، وهو الشخص الذي يتقاسم الغرفة مع محمد ملفوفاً بالضماد، عمر هذا هو رسام انضم إلى ما سمي ثورة، ثم انضم إلى جبهة النصرة، لينتهي جريحاً بجوار محمد الذي حاول الانتحار، وكأنهما يتشاركان بنفس الفعل، محاولة الانتحار، كما أننا سنجد علياً آخر غير علي اليتيم قبيل نهاية الرواية ونهاية علي اليتيم، هو علي بن محمد ابن علي اليتيم.

هناك شخصيات مفردة عابرة في الرواية، أي أنها لم تكن من الشخصيات الأساسية، لكنها كانت ذات حضور مؤثر ومهم، مثل شخصية عازف الناي، الصوفي الذي أفسح لهيفاء فضاءَ الصوفية البهي والعميق، هذا الفضاء الذي يتم ارتياده بالمعرفة والموسيقا. وهناك أيضاً شخصية سائق التكسي الثري بالمعرفة التراثية، وشخصية القس ببعدها الروحي والمعرفي.

لا تقتصر الازدواجية على الشخصيات فقط، بل تتعدى ذلك إلى الأحداث، فالثورة ثورتان رغم اختلاف كل منهما والاختلاف مع الآخر فيما يخصهما بدءاً من المصطلح وانتهاءً بالأهداف، والرواية ذاتها تمضي وفق خطين متوازيين، خطي دم: خط الحرب الموت، وهو خط ذو عمق تاريخي كوني يبدأ من زمن الأسطورة، مع أول حادثة قتل وردت في النصوص والموروث البشري، هابيل وقابيل، والتي تمّت بفك حمار، حيث لم تكن هناك أسلحة فتاكة كما الآن، لكنها كانت بداية الدم، وخط الخصب الولادة، خط ذو بعد كوني لن ينتهي إلا بنهاية البشرية.

تبتعد الرواية عن التقليدية في بنائها السردي، فهي لم تبن وفق خط سردي واحد، بل وفق خطوط تشابكت وتقاطعت وتواشجت لتشكل السيرورة الدرامية لها. هذا البناء أتى مناسباً لشخصيات الرواية الكثيرة، ولإيقاع الأحداث حيث تم تقطيع الأحداث ومنتجتها بالتناوب دون الالتزام بالزمان والمكان.

أمّا الانتقال بين حدث وآخر أو بين مقطع وآخر فقد تم وفق كلمات مفتاحية، تشمل أسماء الشخصيات، الأماكن، والحوار الذي يبدو في بداية بعض المقاطع وكأنه تكملة لحوار سابق. كذلك أتى البناء السردي مناسباً للسويات الزمنية المتعددة، فهي تجري في ثلاث سويات زمنية أو أكثر، ولا يمكن للسويات الزمنية أن تكون متناغمة، فلكل زمن خصائصه وشروطه، الرابط بين هذه السويات كان الشخصيات العابرة لها والتي شكلت حاملاً للخصائص والأحداث، مثل عمر، علي اليتيم، مصطفى الشامي وهيفاء الشخصية الإشكالية الثرية بتجربتها، فهي الصبية الأرمنية  ثم السبية العثمانية، تصبح بعد ذلك المرأة الحرة زوجة عمر غونيه التركي، الذي حررها وحرر نفسه من استبداد الطغمة العثمانية، ثم زوجة علي اليتيم العربي، وفي النهاية هي أم لحبيبة ومحمد وتبدو أما للجميع.

والمكان  أمكنة في الرواية أيضاً، مكان ثابت: اسكندرون، بانياس، طرطوس، بيروت، دمشق. ومكان متحرك: السيارة، القطار، المركب، وهي أمكنة تشكل بيئة حيوية بما تضمه من موجودات وأشياء وبمن فيها من أشخاص.

لغة الرواية طغى عليها النزوع الشاعري، فالشعر له متسع كبير فيها بالإضافة إلى اللغة الشاعرية، حيث نجد توظيفاً للشعر أتى على لسان هيفاء الشاعرة، حبيبة ومحمد وغيرهم، كما أن للشعراء الكبار حضورا فيها، فقد استحضرتهم هيفاء إما بشخصهم مثل الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت والشاعر السوري الكبير بدوي الجبل، أو عن طريق ذكراهم كحضور الشاعر جبران خليل جبران.

أمر لافت في لغة الرواية هو استخدام ضمير الغائب (هو، هي) في سياق الوحدة اللغوية الواحدة التي يرد فيها أكثر من شخص وفي الحوار بشكل يجعل أحد طرفي الحوار أو أحد شخوص الرواية ينحى إلى الغياب.

تنتهي الرواية بالدم، دم علي اليتيم الذي تجمع بقعة قانية تحت رأسه، وذلك قبل أن يغيب. قبل دم البداية كان عشقا، وبعد دم النهاية كان شعرا، وبينهما حياة ودم من صنف آخر وبأسباب أخرى.

“العتق” رواية مهمة ومختلفة في كتابتها، ولا بد أن تكون كذلك في قراءتها، فما نكتبه بحرقة وبقلم حقيقي لا يمكن أن نقرأه بما يشبه الأحلام فقط.

*الشاعر والمترجم  أحمد أحمد

  أهدى محمد حسين ديوانه (يا أبتِ إني رأيتُ) إلى رفاق جيله. وأبناء جيله هم حرسُه القديم، وافد ‏حيدر وسعد الله مقصود، وأنا.‏

  أبناء جيل محمد، نحن، شهدنا هزائمَ وحروباً خاسرة وانتصارات لم تكتمل. كان وجهُ كلٍّ منّا وكالةَ أنباءٍ ‏خرساء، لذلك قلّما ابتسمنا في هذا العمر، وحين ضحكنا كنّا (نعيِّر) الضحكة إلى مستوى “الوسط” لئلا ‏تنقلبَ إلى بكاء. جيلنا يا صديقي جيلٌ مشرشَحٌ، ولكنه عارفٌ…‏

  العارفان الأولان، وافد وسعد، ذهبا، أو راحا، أو استراحا.. تركَنا اللئيمان.. وبقي محمد وأنا، كلّ ‏يتشبث بالآخر ويحنو بيده على ظهره حيث جرحُ أجنحةِ صديقينا الراحلَين المقتلَعَةِ لا يزال طرياً، يُرسِلُ ‏دفقةَ ألمٍ مع كلِّ انكسارٍ شخصيّ، وكلٍّ نهْدةٍ تندُّ عن سورية، البلادِ التي أكرمتْنا بهوائها ومائها- فشكراً ‏لهوائك ومائك يا سورية، لأنهما كانا نسغَ كلِّ عملٍ فنيّ صادق وأصيل.‏

    فرَزَتِ الحربُ الصادقَ والأصيلَ عن الغثِّ والـمُتاجرِ؛ لدرجة أننا نَشْتَمُّ، حتى في الكتاباتِ الإيروتيكية، ‏رائحةَ ماءِ وهواءِ الحرب، وأننا نكتبُ الفرحَ بأعينٍ دامعة.‏

ولدى محمد حسين، نضتِ الروايةُ عنها ترَفَ الكتابة، وتحللتْ من الصِّنعة. ثمةَ ذهولٌ عنِ الشكلِ ‏والبنيان، وإيغالٌ في سردٍ متقشِّفٍ لا يعبأ بالمدارس، وكأنه إعادةُ إنتاج “للمسرح الفقير”، وانحيازٌ مكتملٌ إلى ‏الكلمةِ- الفعل، وإلى اللغةِ بما هي سلْكُ توصيل لامرئيٌّ. لتأتيْ الشِّعريةُ حلاً ومتّكأً- حلاً يحوْلُ دون إطالة ‏السرد والتورط في مئات من الصفحات ليس لنزَقِ محمد ونفسه اللاهث أن ينهضا بها، وهو المهندس الروائي ‏الـمَلول والمزاجيّ؛ ومتّكأً لوجدانٍ مكابرٍ يختزلُ حزمةَ المشاعرِ المختلطةِ الغريبةِ التي صبغتْ روحَ المبدع ‏السوري في السنوات العشر الأخيرة.‏

  للوهلة الأولى تبدو كتابةُ محمد من الخارج مثل تدخينه، نزقةً، وقلِقة (…..). ثم لا يلبث الصوتُ ‏العميقُ أن يهمسَ من جنبات النصّ، ليتفصّدَ أملاً وقهراً ومليونَ نهرٍ مما حفلتْ به ذاكرته الثّرّةَ العميقة. ففي ‏كتابته، شعراً ورواية ومسرحاً، فإنّ محمد- هو- هو/ ذاتُه بكلّ ما فيها. وإذا استعدتُ عبارةَ (فرانسيس ‏بيكون): “إنّ أيَّ فنان لا يكتب إلا تاريخ حياته”، فسأصلُ إلى القولِ إنه، بعد الحربِ، قد دوّنَ نفسَه، ‏وتلك هي ما يسميها الآخرون ((حداثة))- تلك الكلمة التي باتت مُضحكة، إذ توصّلنا، هو وأنا، إلى ما ‏معناه أنّ كلّ من يوغلُ ويدوِّن أعماقه بجرأة وأمانة ويستنسخ الـ ‏DNA‏ الخاص به، هو المبدعُ الحقّ. فالمجدُ، ‏كلّ المجدِ، للذات وحدها لا شريك لها.‏

  محمد حسين، الذي أسمعُ عبر السطور صوتَه النبيل، عبارتَه الدائمة (الله يسعدك) كردٍّ على كلمة محبّةٍ ‏منّي، وأحياناً على كلمةٍ لئيمة، هو مَنِ استنهضني منذ أشهر من أعتى اكتئاب عرفتُه في حياتي، اكتئابٌ دام ‏عشرة أشهر حارقة خارقة. ثم وأنا أشعر بنوع من التعافي، نظرتُ إليه وقلتُ: لولاك لما خرجتُ منه سالماً.. ‏والآن أقول لك، كما قلتُ لصديقنا الحبيب قبيل زرع الكليَة: ستنهض، وسيكون الأمر ذكرى، فالحياةُ ‏مطهرٌ وفردوسٌ وجحيم- كوميديا إلهية تراجي-كوميدية، وسأضيف: لديك عشرون عاماً أخرى تعيشها، ‏ألتمسُ منك، ومن صديقنا الدكتور الجميل الحاضر هنا، “أنّو لا (تتخِّنوها) وتطمعوا بالمزيد”، فأنا باقٍ من ‏أجلكما، وبعد ذلك لن يستطيعَ ابنُ الخسارات، أنا، الانتظار.‏

  الله، بكلّ نبله وضلالاته، معكَ، إنساناً وكاتباً وصديقاً، معك لأنك ’لنا‘، وهو يعلمُ أننا خلقناه من ‏نطفة أرواحنا وليس من قيء غرائزنا- يرانا ويسمعنا.. أحيانا!‏

خيط دم 

*الباحث يحيى زيدو

–  يفتتح محمد حسين رواية (العتق) بمشهد« محمد المعمَّد بدمه» حين كان يقاتل مع أحد التظيمات المؤيدة للدولة السورية ،ليلتقي في المشفى بدم الآخر؛ الفنان التشكيلي الذي تحول مهرّب أسلحة لصالح تنظيمات معادية للدولة السورية،لكن سيارته تتعرض للاستهداف بصاروخ حراري فيصل إلى المشفى محترقاً، و قد احترق معه كل ما كان يعتقد أنه جمال و فن فيما مضى. ليستكمل الكاتب بعدها ما بدأه في (الوحل)، في تتبع خيط الدم الذي  يرسم حدود الدول، و مصائر الناس فيجمعهم و يقسمهم أخوة أو أعداء، أو أخوة أعداء على  ضفاف مساره.

من مرسين، حيث يغادر (علي اليتيم) و (هيفاء) لواء اسكندرون، بعد سلخه بتواطؤ تركي-فرنسي-دولي، إلى الساحل السوري، و بيروت ،و دمشق، يروي الكاتب حكاية خط الدم و علاقته بمصائر البشر و الدول ، و يقص حكايات الحب و الحرب و الخيبة و الهجرة بريشة شاعر مهووس بعوالم جوانية عرفانية مليئة بالرؤى و رائحة البخور و العطر و الشعر؛ رؤى لا تعبأ بالزمن المستقيم بل بالمعنى العميق و المكثف للزمن.

فإذا كان الزمن في(الوحل) يشبه الشجرة التي تدل عليها أغصانها و ثمارها، فإن الزمن في (العتق) هو زمن عنكبوتي متصل منفصل في آن، فكل  الشخصيات تطل على بعضها، و ترى ماضيها و مستقبلها من موقع اللحظة الراهنة، و كل المصائر متصلة ببعضها فلا خلاص فردي لأي منها، ولا خلاص جماعي يلوح في الأفق، بل خيط واهٍ يربطها كلها أشبه ب(شعرة معاوية) التي قامت (ميشا) الفرنسية بتقديم تفسير صوفي لها يختلف عما ذكرته كتب التاريخ ؛ فهي ليست مقولة الخليفة الأموي (معاوية) بقدر ما كانت مقولة” وزير إعلامه“ عمرو بن العاص، لتغدو (الشعرة) لاحقاً رمزاً لكل شيء يجمع بين الشبق إلى السلطة و المال.

يتنقل محمد حسين بين خيوط الدم من نكبة فلسطين إلى هزيمة 1967 مروراً بالصراعات السياسية و الحزبية في سورية منذ الاستقلال و حتى نهاية الستينيات، وصولاً إلى أحداث 1980 و ما يسمى اليوم ب(الربيع العربي) عبر شخصيات تتأبى على الموت، فكلما اعتقدنا أن شخصية ما ستنتهي يفاجئنا الكاتب بولادة جديدة لها تنسال منها حكايات أخرى و مصائر جديدة. هذا ما حصل مع (علي اليتيم) الذي لم ينته بعد من تقلباته في قمصان مصائره التي لا ثابت فيها سوى حبه لهيفاء. هيفاء بدورها، و من خلال علاقتها مع شيخ متصوف يعزف الناي، و يقرأ أشعار السنجاري و العاني و الحلاج، ستكتشف أنها ليست هيفاء بقدر ما هي (فاراتوش) الأرمنية الناجية من مجازر العثمانيين بحق الأرمن، و هي ابنة(إيليا) الغائب الحاضر في الرواية. أما (برهوم) الذي يتجه ليكون ماضياً فإنه سيكتشف بحدسه أولاً، ثم بالوثائق ابنه (أيمن) الذي سيكون مستقبله، لكن هذا المستقبل(الابن) ما زال متردداً في الانتماء إلى هذا الحاضر لأنه لم يعاني مشاعر هذا الانتماء كما يجب، و لعل رفض إحدى الممرضات لوجوده في المشفى، و هو القادم من إحدى المناطق الساخنة التي تسيطر عليها التنظيمات المسلحة، قد عزز لديه هذا التردد الذي يمنعه من الانتماء الغريزي لحاضر يلفظه بسبب الجغرافيا التي رسمها خط الدم بقوة السلاح. الأمر نفسه يحدث بين محمد و حبيبة التي تحمل في سن متأخرة متمردة على قيم المجتمع الذي يتشظى، و تتفسخ بنيته القيمية في الحرب الدائرة.

في( العتق) كل الشخصيات تتوق إلى الانعتاق و التحرر لكنها كلها مشدودة إلى الماضي بخيط الدم، عاجزة عن مغادرة القاع و بعيدة عن ولوج المستقبل، لذا تبقى تراوح في حاضرها و تكرر خيباتها في محاكاة فانتازية لمفهوم (العود الأبدي).

ربما كانت اللغة الشعرية، و توظيفها فنياً إلى جانب الأشعار الصوفية و العامية في الرواية، هو التحدي الذي اختاره الكاتب، و هو ربما اختار الأسلوب الأصعب، ونجح في استخدام أدواته في مقاربة شخوص روايته و مصائرها في انتقالات زمانية قد تتعب القارئ الذي يجب أن يبقى متنبهاً  يقظاً كي لا يقع في الخلط بين الحدث و الزمان.

و من قال أن (العتق) و الحرية يمكن أن تأتي بشكل مجاني دون تعب و معاناة و تيقظ دائم ؟

صوت روائي مبدع 

*الناقد د نضال الصالح

يقدم محمد  حسين  سيرة وطن مظفرة بسيرة انسانية في كلا السيرتين قدم في الوحل وتابع في العتق حكاية هاتين السيرتين على نحو غير مباشر وينأى بنفسه عن الدعاوى والهتاف والانتصار لطرف ضد طرف آخر .

مرحى له اذ كتب هاتين الروايتين ليقول بصوت عال  اما ان نكون شهود عدل على الحقيقة او نرتضي لأنفسنا أن نكون شهود زور وارتضى محمد  لنفسه شهود العدل فكتب هاتين الروايتين ليقول للأجيال اللاحقة  ان لم يرتق الوعي الجمعي في هذا الوطن  الطعين المذبوح من الوريد الى الوريد  فينتصر للدم ضد السيف فلا بد انه سيكون محكوما بحروب جديدة يتناسل بعضها من بعضها الاخر هاتين الروايتين دعوة غير مباشرة للاجيال اللاحقة كي تتعظ فتنسى ذلك الجرح الذي بدأ منذ حمل رأس الحسين من كربلاء الى الشام  أما بعد  العتق التي يوقعها محمد حسين رواية تستوفي لنفسها مجمل عناصر الابداع الروائي بل انه يباغت قارئه الذي لا يعرفه ان هذا العمل السردي هو عمله البكر في حقل الكتابة الروائية لأن القارئ سيعتقد وهو يفرغ من قراءة هذه الرواية أن ثمة تجربة مديدة لمحمد  حسين في حقل الكتابة الروائية فالشخصيات والاحداث يتظافر بعضها الى جانب بعضها الآخر على نحو شديد من التماسك بل شديد البراعة فيما يعني الفن الروائي ما الذي يمكن أن يقال عن رواية محمد حسين العتق التي تستكمل محكيات الجزء الاول الوحل الشخصيات نفسها التي قدمتها الوحل تظهر ايضا في الجزء الثاني اضافة الى شخصيات اخرى  هذه الشخصيات السابقة واللاحقة تضع القارئ امام ارباك كبير في امساك مفاتيح الرواية حتى ليتساءل القارئ اين الحكاية المركزية كما توارد السرد الروائي في الرواية في رواية العتق ليس هناك رواية مركزية على الرغم ان محمد حسين يريد أن يوهمنا ان العتق تتابع حكاية علي اليتم الوسوف أو عمر غولي باشا لكن الحقيقة ان العتق ليست حكاية علي وحده الرواية هي حكايات يستجمع الروائي بعضها الى جانب بعض مجموعة حكايات يستجمع جدائلها محمد حسين بعضها الى جانب بعض لينسج لنا عملا لعل أهم ما يميزه أنه يحرض القارئ على اعادة تركيب هذه الحكايات داخل الرواية ولا سيما انه يكسر ببراعة فائقة المنطق الخطي للزمن بل يقوضه تماما عبر انتاجه محكيا موزعا على وحدات سردية لاهث بعضها وراء بعضها الاخر لكأن محمد حسين الشاعر سابقا لم يستطع التخلص من محمده الشاعر ولذلك تبدو هذه الوحدات السردية  كل وحدة على سردية أشبه ما تكون بقصيدة مستقلة بنفسها لكنها قصيدة مبتورة الطرف ان لم تستجمع بجسدها طرفها الاخر أعني الوحدة السردية اللاحقة من هنا لا يمكن الحديث عن حكاية بل عن حكايات هذه الحكايات جميعا لا تعني علي اليتم ولا تعني برهوم ولا حبيبة  ولا الشامي  …انها حكاية سوريا وقد امتد الخنجر الى قاع خصرها لانها لم تستطع النجاة بوعيها من نقط الدم التي كانت قبل 1400 سنة والتي لا يمكن الخلاص منها الا عبر وعي جديد تماما يلغي او يوقف جريان خيط الدم هذا شخصيا أرى في عمل محمد حسين اضافة جديرة بالاكبار والتقدير للكتابة الروائية السورية أنا الذي يوصف دائما بأسوأ المجاملين بالتاريخ وأبشعهم  بل أكثرهم رداءة لأنني لا أعرف المجاملة أقول من هذا المنبر تمثل رواية محمد حسين بجزأيها الوحل والعتق اضافة حقيقة للكتابة الروائية السورية بل أستطيع أن أقول بملء الفم الى الكتابة الروائية العربية  لأسباب كثيرة .

اتصيد وقوع محمد حسين في شرك خطيئة سردية يمسك محمد بمهارة السرد بمهارة فائقة ورائعة ولافتة للنظر حقا ويبني شخصياته والأحداث على نحو يؤكد ان ثمة معرفة واسعة لمحمد حسين في المغامرة السردية العربية لا السورية وحدها وعلى نحو يقنع قارؤه بأنه مزق روايات كثيرة قبل هاتين الروايتين ثم دفع بهاتين الروايتين لكي يريا الضوء اذ لا يعقل ان يأي العملان الأولان على هذا النحو من التماسك والقوة والمهارة محمد الشاعر يبدو حاضرا على نحو شديد الوضوح في محمد الروائي لان كثيرا من الجمل السردية أشبه ما تكون بصور فارعة القوام بلاغيا واستعاريا نحن لا نقرأ جملة سردية في العتق تقول الأشياء كما هي في الواقع تماما كما تراها العين بل كما تقولها الروح وهذا ما يحسب لمحمد حسين في رواية العتق محمد حسين الروائي يدع لشخصياته أن تعاين الواقع حولها بمفردات  الواقع بعيني روحها وليس بعيني وجهها وهذا أيضا يحسب له لذلك لا نجد مفردات الواقع بوصفها جمادات فلا القبو الذي يمضي اليه محمد قبو ولا الصندوق يبدو صندوقا بالواقع بالروايتين المفردات الواقعية تتجسد بوصفها ذواتا انسانية مترفة بانسانيتها وعابقة برهافتها الانسانية ولعل ذلك ما يفسر كثرة ما يصطلح عليه بالنقد  ( بالمتناصات  ) في هذه الرواية من الحلاج  الى ناظم حكمت الى جبران خليل جبران الى فيروز الى سوى ذلك مما يضمنه محمد من بيانات سياسية تتحدث عن فترة الخمسينيات والاربعينيات  وما بعد من تاريخ سورية ويوظفها على نحو شديد المهارة اذ لا تبدو داخل النص كما نجد في كثير من الروايات وصفها ملصقات أو كولاج كما يصطلح على ذلك داخل النص الروائي هذه المتناصات تبدو منبثقة من جسد السرد بل من رحم السرد على نحو واضح وموظف وتقوم  باداء مهمة داخل الحكاية من جهة ثانية ثمة الكثير مما كتبته ومما سيظهر في كتابي سرديات الجحيم السوري الحرب في الرواية السورية احتفظ به للقراءة لأنني لا أريد أن أدفع بكل ما كتبته عن روايتي محمد حسين اليوم .و أخيرا ختم قائلا : اليوم نحتفل بولادة صوت روائي مبدع يستحق التصفيق

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هشام حداد في إجازة من “لهون وبس”.. ما يجري في “LBCI”؟

كتبت صحيفة “الأخبار” تحت عنوان ” أزمة مالية تلوح في الافق… “لهون وبس” يعود مطلع 2020!”: “لم يعد سرّاً أن القنوات اللبنانية تمرّ بأصعب ظروفها ...