آخر الأخبار
الرئيسية » تحت المجهر » الأنماط الجديدة للحراكات الشعبية.. تطور جوهري أم تراجع في المحتوى؟

الأنماط الجديدة للحراكات الشعبية.. تطور جوهري أم تراجع في المحتوى؟

إدريس هاني:  2019/12/4

كانت الطلائع والقيادات سابقاً تشكو من ضعف الجمهور وتخوض نيابة عنه أعمالاً ثورية وفدائية، أمّا اليوم فهناك أزمة قيادات وتضخم في الحراكات الشعبية بلا قيادات تاريخية.. وهنا نقف على مفارقة غريبة ولاسيما حين نسمع بأن الوعي الجماهيري تطوّر، ولكن الحقيقة أنّ آليات تدفق الجمهور تطورت بينما الوعي تراجع والقيادات باتت في أزمة.
حين كانت القيادات تتقدم كانت الجماهير تخونها وتتركها في منتصف الطريق وحينما تدفق الجمهور أصيبت الطليعة بالإحباط، وطبعاً كانت هناك دائماً حالات استثنائية، وربما نتيجة ضعف الجمهور ازدهرت الانقلابات، الصحيح منها والملتبس، فقد كانت هي الآلية التي ملأت الفراغ الذي خلفه الوعي.. وأحياناً تحققت – في الآن نفسه – الجماهيرية والوعي والقيادة التّاريخية ليشهد العالم ثورات عظمى.
.. وأمّا الاختراق فقد بات آفة عامة، ليس الجمهور وحده مخترقاً بل حتى النخب والقيادات الرخوة التي أنتجتها الانتهازية وفنّ الزحف، الأزمة دخلت مستوى جديداً من التعقيد، ولا بد من الوقوف على أسبابها حتى لا يبقى الحديث طرشانيّاً، لأنّ الحقيقة أكبر من القيادة والجمهور، كما إن العلم بالمطلوب يتجاوز كل الاعتبارات.
هناك ما ينتظره الحراك، وهناك ما ينتظره خصوم الأوطان، والكل بات اليوم يحتل الفضاء العمومي بناء على أجندة محدّدة. من الصعوبة أن يُؤمّن المجتمع في احتجاج غير توافقي مبني على كتلة تاريخية فضائه، ففي العراق كما في لبنان، احتجاجات تطالب بالعدالة ودولة مدنية، لكنّ المندسين وما أكثرهم (بل هو- أي الاندساس – أمر طبيعي لأنّ بلداننا غير متروكة لحالها).. ينسفون التشكل الطبيعي للكتلة التّاريخية التي وحدها تملك تحقيق التغيير، ففي لبنان هناك أكثر من جهة تُعد ضامنة لاستقرار ومناعة لبنان: الجيش والمقاومة والشعب.. فشلوا في اختراق الجيش كما فشلوا في اختراق المقاومة، وكان لا بدّ من أن يخترقوا الجهة الأكثر قابلية للاختراق، أي الشعب، من خلال آليات المجتمع المدني. وفي العراق توجد قوة ضامنة، تقف المرجعية في الرتبة المتقدمة من حيث وقوفها على مسافة واحدة من الأطياف وانحيازها لمطالب الشعب وتدخلها في الأوقات الصعبة لإنقاذ العراق: ثلاثة تدخلات استراتيجية للمرجعية، أوّلها الحؤول دون تعيين حكومة عسكرية في العراق بعد فترة الاحتلال الأمريكي، فتوى النفير للتصدي لـ«داعش»، وبيان المرجعية للتغيير والاستجابة السريعة لمطالب الحراك على أساس نبذ التخريب من جهة ونبذ المقاربة الأمنية من جهة أخرى.. وخلافاً للبنان فإن الاختراق للجماهير في العراق كان- وما زال- بينما الكتلة التاريخية معوقة نتيجة الاستهداف.. وقواه الحيّة تتعرض أيضاً إلى الاستهداف المستمر: استهداف المرجعية واستهداف المقاومة.
إنّ أجندة المخربين تظهر من خلال شعاراتهم ولمساتهم غير الثورية القائمة على استهداف الضامن الوطني والقوى الحيّة، لا الفساد، فآثارهم تدلّ عليهم، لكن الحراك يظل في جوهره نابعاً من ضرورات مطلبية. ففي لبنان ستقبل المقاومة – في نهاية المطاف – بالتوافقات من باب «ارتكاب» أخف الضررين في كيان تبدو معادلته صعبة ولا يمكن إخضاعه لقاعدة «الكل أو لا شيء» وتصبح المطالب الراديكالية خطأ كبيراً لأنّ ما يجري اليوم في لبنان مطالب اجتماعية يُراد لها أن توضع في مواجهة مكتسبات وطنية كبيرة.. لكل حساباته، لكن أخطاء الشعوب ناتجة من غضبيتها وراديكاليتها وجهلها بتفاصيل المعادلة التي تشكل مداخل اختراق خصوم الأوطان.
لبنان والعراق مثل بلدان كثيرة، تفرز الاحتجاجات حالات منظمة واعية بالمؤامرة، وتقوم – كما فعلت جهات منظمة في العراق – بالبراءة من أعمال التخريب، مع أن المطلوب من الحراك تحديد لجان لحمايته من المندسين، وهنا يُختبر وعي قادة الحراك. المندسون ليسوا أعداء للوطن فحسب بل أعداء للحراك الشعبي لأنهم مستهترون بمطالبه، فالمندس يتقاضى رواتب على نشاطه التخريبي ويركب موجة الجوعى والمعذبين في الأرض.
يستمر الحراك في لبنان، وتنشط الجماعات المندسة، بينما تخترق «إسرائيل» الأجواء اللبنانية وتلوّح بالحرب، لا توجد فرصة أفضل بالنسبة لخصوم لبنان من هذه.. يتجه الضّغط إلى سلاح مقاومة ليست مسؤولة عن الفساد بقدر ما هي مسؤولة عن تحرير الأرض، بينما الدعوة إلى العدالة ونبذ الفساد هي ثقافة سياسية كرستها المقاومة منذ انطلاق حركة المحرومين في سبعينيات القرن الماضي بقيادة السيد موسى الصدر وما زال المطلب قائماً في مداخلات كتلة المقاومة داخل البرلمان.
إذا كان الجيش نفسه يدرك أهمية المقاومة فأي معنى للدعوات النشاز التي تستهدف أهم قوة ضامنة لسيادة لبنان؟.. الناهبون لثروات لبنان غير مؤهلين للحديث عن سلاح مقاومة دحرت الاحتلال الإسرائيلي وأدخلت لبنان في نوع متقدم من التوازنات. هل سلاح المقاومة أولوية أم محاسبة المفسدين هي الأولوية؟.. تلتقي دعوات النشاز هذه بمطلب المفسدين أنفسهم، فكلاهما يلتقيان على أرضية نزع قوة لبنان بنزع سلاح المقاومة.
إنّ غلق المنافذ والطرقات تقنية جديدة في صناعة الفوضى وهي تستهدف خنق الشعب واستفزازه للاحتراب الداخلي تمهيداً لحرب أهلية، فالذين يرفعون الشعارات النشاز هم أنفسهم من يقطع الطرقات ويقتل المستضعفين الذين يتوجهون إلى حيث يجب كسب الرزق، سيجد النشاز نفسه في وضع مرتاح، لكنه يخنق من ليس له قدرة للعيش إلاّ بالكدح اليومي. لقد أشغلنا المندسون عن محتوى المطالب الحقيقية للحراك، وأصبح هناك اختلال في أولوية المطالب وهذا ما يؤكد أن مشروع الحراك بات هو نفسه في خطر.
ليس الخروج إلى الشارع وحده يحقق المطالب إذا لم يكن الاحتجاج منظماً وواعياً بمطالبه التاريخية، فغياب التنظيم والوعي والقيادة يجعل كل حراك مشروع فوضى تفتح البلد على المجهول وتجعله منكوباً.. إن استسهال هذا النمط من الفوضى ليس له من نتيجة سوى تفكيك الدول والمجتمعات، فحين تغيب الأولويات عن وعي الجمهور يتحول إلى آلة تستدعي الخراب والفوضى وضياع المكتسبات، وتبدو الحاجة ماسة إلى النُخب، غير أنّ النخب في معظمها مريضة وهي نفسها في سباق أناني نحو تحقيق مكتسباتها من خلال قيامها بأدوار مشبوهة غير آبهة بالجمهور حتى عندما تتحدث عن حراكاته، لأنّها تستثمر فيه من خلال ميلها للأجندات الإقليمية والدولية.
وكما يبدو حتى الآن فإنّ هذه الحراكات شكلت مناسبة للفت الأنظار إلى خطورة الإهمالات التي تقوم بها حكومات لشعوب تتراكم معاناتها ولكنها تنفجر بشكل غير متوقّع، ويعمل التدخل الخارجي على استدراجها للعدمية عبر أساليب اختراقية باتت اليوم معروفة. الحراكات التي لا تلتفت لأمنها ولا تخلق لجان مراقبة لنظافة مطلبها معرضة للخطر، لأنّ مقتضى الاختراق هو جرّ الشارع إلى حالة من استدراج للعنف والعنف المضاد، وهنا يكمن المدخل الرئيس للتأزيم.
لا بد إذاً من الاشتغال على الشرائح الجادة في هذا الحراك بمزيد من الوعي وعدم شيطنة الجمهور البريء ومساعدته على ضبط المخربين والمندسين والعملاء، ذلك لأننا ننطلق من قاعدة واضحة، ألا وهي أنّ المطالب الشعبية حقيقة، والاستقرار حقيقة، والسيادة الوطنية حقيقة، والتآمر حقيقة، لا شيء هنا على حساب الآخر، وإنّ أي حراك لا يتمتع بقدرة فائقة على حماية شعاراته المطلبية ويتجه نحو كتلة تاريخية ويتمحور حول قيادة تاريخية أيضاً فهو في اتجاه خطأ.. مجرد وجود شروط للانتفاض في غياب تام لشروط تحقق المطالب، يُعد عامل فشل الحراكات.
لقد أثبتت الأنماط الجديدة للحراكات بأنها فاشلة وغير قادرة حتى على السيطرة على حراكاتها، فهي رخوة نتيجة اهتزاز وعيها أمام لعبة احتواء الحراكات وسرقتها، وهذا ما يجعلها فرصة للإمبريالية والرجعية، تماماً كما يحدث اليوم، من بوليفيا حتى هونغ كونغ، وحتما في لبنان والعراق وإيران.

(سيرياهوم نيوز-تشرين)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التناقضات داخل الإدارة الأمريكية تتواصل جراء سياسات ترامب وجريمة اغتيال سليماني تعمقها

تتواصل التناقضات والتباينات والانتقادات المتبادلة داخل الإدارة الأمريكية جراء سياسات الرئيس دونالد ترامب خصوصاً الخارجية منها منذ تسلمه الرئاسة عام 2017 لتتعمق اليوم بعد جريمة ...