آخر الأخبار
الرئيسية » الأدب و الفن » عن «بوابات» مأمون الخطيب ونسرين فندي:قبل أن تعبر صوب «المدن الجميلة» لا تنسى أن تفتح بوابات عقلك ووعيك

عن «بوابات» مأمون الخطيب ونسرين فندي:قبل أن تعبر صوب «المدن الجميلة» لا تنسى أن تفتح بوابات عقلك ووعيك

علي الراعي:  2019/12/14

ثمة رجلان وامرأتان؛ يبدو مما حولهم من أشياء، أنهم في حالة انتظارٍ طويلة، بل وطويلة جداً.. حالة انتظار تبدو لكثرة «تكرارها» أنها تكاد أن تكون دهرية في محطات بوابات عبور الهجرة.. هذه البوابات التي ستبدو ملتبسة في اتجاه فتحها، برغم أنها تبدو من خلال الرؤية البصرية الخارجية أنها تتوخى عبورٍاً يجتاز حدود الوطن إلى بلادٍ بعيدة، إلى وطن بديل، ومدينة مثالية، لكن في المشهد «الباطني» هي بوابات الأماني للعبور إلى الوطن عينه، والمدينة الأم ذاتها، بعد أن نخلع عنهما كل ما يحول دون أن يصيرا الوطن المثالي، والمدينة الجميلة المشتهاة..
التباس المحطة
ذلك ما اشتغل عليه العرض المسرحي «البوابات» تأليف نسرين فندي ومأمون الخطيب، وإخراج مأمون الخطيب الذي يقدّم هذه الأيام على مسرح القباني في دمشق..
يُجسّد هذه الحالة من الالتباس على مدارٍ يُقارب الساعة من الزمن كل من الممثلين: إبراهيم عيسى، نسرين فندي، رشا الزغبي، وسليمان رزق.. حتى إنهم – الممثلين- يجسدون كل تنويعات هذه الحالة من الالتباس من دون منحهم أسماء محددة طوال الوقت، وهو ما يُعطي الشخصية الكثير من الاتساع لتشمل الدلالة – ربما- الملايين الذين ينشدون فتح بوابات الخلاص من واقع مجتمعي وإنساني مزر، ويحلم بفتح بوابات الهجرة للوصول إلى عوالم مُشتهاة سنكتشف في نهاية العرض أهمية فتحها إلى الداخل، إلى دواخلنا حيث جميع المدن باردة مادمنا فشلنا في فتح بوابات العبور تجاه ذواتنا ودواخلنا، ومن ثم لإقامة المجتمع الفاضل والمدينة الحلم.. شخصيات لم نعرف أسماءهم، ولكن عرفناهم بمهنهم التي يعشقونها: ناشر، ممثلة، موسيقي، وفنانة تشكيلية مُراقبة.. وكل واحد منهم فشل في توصيل رسالته الجمالية من خلال مهنته، بل تمّ إذلاله خلال ممارسته تلك المهنه.. ولذلك، هو يتطلع لمن يستقبل وفضاء آخر ليكشف عن موهبته – مهنته في «المدن الجميلة»..
حالة دهرية
عرض رشيق، برغم كثرة «اللازمات» التي تنتهي بها المشاهد: «ألمانيا جميلة، وفرنسا جميلة، وإسبانيا جميلة، حتى روسيا جميلة أيضاً برغم أنها باردة كثيراً..» مثل هذه اللازمة كانت تعني انتهاء مشهد وبداية مشهد آخر، حيث تكاد تؤدي دور إسدال الستارة، وكان كل مشهد يُشير إلى البوابة المغلقة صوب الداخل، وكل الأماني أن تفتح تلك البوابات من خلال فتح بوابات العبور بعيداً عن الوطن ووصولاً إلى «المدينة الجميلة» التي لا يهتم أهلها بحسب المرء أو فصله، وقيمة كل إنسان بما يُقدّم من عملٍ ناجح ومُفيد.. مدينة تستطيع أن تُعبّر فيها عن مشاعرك بكل جماليات الروح من حب وفرح وعلاقات إنسانية خالية من أمراض مجتمعية معقدة تبدو في تعقيدها أن ثمة استحالة في حلحلتها، ومن ثم كان لابدّ من فتح بوابات الهجرة.. لكن ما نفعُ كل تلك المحاولات وكل طول الانتظار، إذا فتحت بواباتُ الحدود وبقيت بوابات فتح عقلية نظيفة ينخر فيها الصدأ والكلس وقد عجزت عن حلحلتها كل الأحماض في الكون؟؟! إذاً ستبقى البوابات مُغلقة، أو لنقل سنأخذ معنا تلك البوابات المقفلة إلى كل تلك المدن التي سنُهاجر إليها، أليس هذا ما يحدث في كل مكان هاجر أو يُهاجر إليه العرب حيث يقيمون «مجتمعاتهم» بكل أمراضها التي نقلوها معهم إلى أوطان الهجرة.. ومن هنا ستبقى كل تلك المدن باردة، ذلك كان «المغزى» أو شواغل عرض «البوابات» الذي ستفصحُ عنه «مواربةً» الشخصية المُراقبة شبه الصامتة لكل أفعال وتصرفات بقية الشخصيات الأخرى التي تطرح كل ما وراء بواباتها من «غث» وإشكاليات في محطة الانتظار..
لازمة جمالية
يبدأ العرض بما يُشبه الصمت الطويل.. صمت يكاد يشرح حالة اللاجدوى من كل هذا الانتظار، الذي تُفسره «اللازمة» تلك اللازمة التي كانت من الأهمية تماماً كما «اللازمات» التي تتكرر في متواليات قصيدة نثر، منها تُعطي إيقاعاً جمالياً ما للنص، وهنا تُعطي للعرض مثل هذه الجمالية، ومنها لتوحي بثبات الحالة، وحتى استحالة إيجاد الحل لها.. وبعد ذلك لتشرح أولى الشخصيات ما تخفيه خلف بوابتها، من خلال حادثة بسيطة قد تحدث في أي مكان في المدينة: في العمل، في الطريق، في السرفيس.. وغيرها من الأماكن، تلك الحادثة البسيطة التي ستختلف حول تفسيرها كل تلك الشخصيات باستثناء الشخصية المراقبة لكل ما يحدث، والتي تبدو شبه صامتة وتُشير إلى «ضمير المجتمع» الذي لم ينتبه لصوته وندائه أحد، والذي كان يكفي أن نسمعه بوعي؛ لتفتح كل البوابات صوب بيئة نظيفة لا حقد فيها ولا تعقيد..
صالة انتظار ومصحّ عقلي
حادثة «التحرش الجنسي» التي ستُشكّل التباساً في تفسيرها، من تلك الحادثة التي ينقسم حولها «قوم المنتظرين» في محطة انتظار فتح بوابات العبور خارج حدود الوطن، سينقسم هؤلاء حول كل المصطلحات من قبول شجاعة الاعتذار وشكل التحرش بين الاعتداء والتمني، وحتى في تفسير «برودة» المدن.. مع إنّ الأمر لا يحتاج إلى كل هذا الترحال والبحث عن المدن الفاضلة والدافئة والجميلة.. كان يكفي فقط فتح بوابات الحوار الواعي، وبوابات التسامح، وبوابات الفرح والموسيقا لنصل إلى مدننا الدافئة والجميلة التي لا يُعامل فيها المرء على حسبه ونسبه، وكل إنسان «بحاله» وبمعتقداته وقناعاته التي يطمئن إلى أنها تُعطيه الأمان، وتمنحُ الراحة لروحه ولجسده ومن دون أن يؤذي أحداً آخر..
باختصار؛ قبل أن تعبر بوابات الانتظار صوب «المدن الجميلة» والدافئة لا تنس أن تفتح بوابات عقلك ووعيك، فقد تجد تلك الأماكن قريبة.. قريبة جداً، وقد تكون مسقط رأسك.. وبغير ذلك ستبدو صالة الانتظار أشبه بمصح عقلي، وهو ما تكشف عنه النهاية الصادمة، من كل تلك المشاهد التي لم تكن سوى شخصيات كانت جسدتها الفنانة التشكيلية المقيمة في مشفى الأمراض العقلية في رسوماتها وخيالها حتى ان كل شخصية كانت تُجسد هاجساً ما عند هذه الفنانة: الخوف من كل شيء.. من الفشل، من التقدم في السن، من الوحدة..أو تُجسد الاشتهاء، والنجاح وغير ذلك..
حينها ستبدو كل المدن «المُشتهاة» ليست إلا «غرافيك» في خيال فنانة لا ألوان فيها، ولا حرارة، أو تنوّع..

(سيرياهوم نيوز-تشرين)

Print Friendly

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

اتحاد الناشرين يطلق حملة لتخفيض أسعار الكتب

2020-01-16 دمشق-محمد خالد الخضر يطلق اتحاد الناشرين السوريين حملة لتخفيض أسعار الكتب للقارئ في سورية وتشمل جميع المؤسسات والدور المنضوية ضمن الاتحاد. وذكر هيثم حافظ ...